من يخسر رجال الفكر…  يخسر الرأي العام

 

 

كتب / سعيد فارس السعيد:

 

هناك أنظمة سياسية وأحزاب وتيارات تمتلك السلطة والمال والإعلام والتنظيم، لكنها تفتقد أحياناً إلى أبسط قواعد الذكاء السياسي: معرفة قيمة رجال الفكر وأصحاب الرأي.

فرجل الفكر ليس موظفاً عند أحد، وليس مجرد صوت يمكن استدعاؤه عندما تكون هناك حاجة إلى موقف أو تحليل، ثم إهماله أو تهميشه عندما تنتهي الحاجة إليه.

 

ورجل الفكر الحقيقي يمتلك استقلاله وكرامته، ويستمد قوته من فكره ومصداقيته وثقة الناس به، لا من منصب يمنحه إياه حزب أو سلطة.

 

ولهذا، عندما لا يراعي أي نظام أو حزب كرامة رجل الفكر، ومكانته، ومصالحه المشروعة والخاصة، فإنه لا يعادي شخصاً واحداً فقط، بل يرتكب خطأً سياسياً قد تكون له نتائج أوسع بكثير مما يتصور.

 

لأن رجل الفكر لا يعيش وحده في فراغ.

وراءه قرّاء،

ومتابعون،

ومثقفون،

وشرائح من المجتمع تستمع إليه، وتثق بتحليله،

وتتأثر بمواقفه ورؤيته.

 

وقد يخسر النظام رجل الفكر، لكنه في الحقيقة قد يخسر معه جزءاً من المساحة التي كان يستطيع من خلالها الوصول إلى الرأي العام والتأثير فيه.

 

[وهنا تكمن السذاجة السياسية].

 

فمن السذاجة أن يعتقد أي حزب أو نظام، مهما بلغت قوته، أنه يستطيع الاستغناء عن أصحاب الفكر، أو أنه يستطيع استبدالهم بمجموعة من المصفقين والمدافعين الذين يقولون ما تريد السلطة سماعه.

 

السلطة تحتاج إلى من يقول لها الحقيقة، لا إلى من يقول لها ما تحب أن تسمعه.

 

والمفكر الذي ينتقدك اليوم قد يكون أكثر فائدة لك من عشرات الذين يمدحونك، لأن النقد الصادق يكشف لك نقاط الضعف قبل أن تتحول إلى أزمات.

 

أما تحويل رجال الفكر إلى أدوات، واستدعاؤهم عند الحاجة، ثم تجاهلهم أو إقصاؤهم أو التقليل من شأنهم، فهو سلوك قصير النظر.

 

والأخطر من ذلك هو محاولة الاعتقاد بأن المال يستطيع شراء الفكر، أو أن الإعلام يستطيع صناعة المصداقية، أو أن المنصب يستطيع منح صاحبه احتراماً دائماً.

 

لا المال يصنع مفكراً، ولا المنصب يصنع قيمة، ولا الإعلام يستطيع إلى الأبد أن يصنع ثقة لا يمتلكها صاحبها.

 

إن رجال الفكر الحقيقيين قد يختلفون معك، وقد ينتقدون سياساتك، وقد يرفضون بعض قراراتك، لكن هذا لا يجعلهم أعداء.

 

بل إن النظام السياسي الذكي هو الذي يعرف كيف يحافظ على المختلف معه، ويحترم الناقد، ويستفيد من المستقل، ولا يحاول تحويل كل صاحب رأي إلى تابع.

 

لأن المجتمع لا يحتاج إلى سلطة تخشى الفكر، بل إلى سلطة تستفيد من الفكر.

 

ولا يحتاج إلى حزب يريد من المثقف أن يردد شعاراته، بل إلى حزب يحترم عقل المثقف واستقلاله وكرامته.

 

إن خسارة رجل فكر قد لا تظهر نتائجها في اليوم التالي، لكنها تظهر عندما تتسع الفجوة بين السلطة والمجتمع، وعندما تفقد الخطابات الرسمية قدرتها على الإقناع، وعندما يبحث الناس عن أصوات أخرى يثقون بها.

 

وهنا يدرك أصحاب القرار، ولكن بعد فوات الأوان، أن المشكلة لم تكن في رجل الفكر الذي ابتعد، وإنما في الطريقة التي جرى التعامل بها معه.

 

لذلك، على كل نظام سياسي وكل حزب أن يدرك قاعدة بسيطة:

(لا تخسر رجلاً يستطيع أن يؤثر في عقول الناس بسبب موقف شخصي، أو خلاف عابر، أو تجاهل لكرامته ومصالحه).

 

فقد تستطيع أن تخسر شخصاً وتستمر.

لكن عندما تخسر الثقة التي يمثلها هذا الشخص لدى جمهوره، فإن الخسارة تصبح أكبر من الشخص نفسه.

 

والسياسي الذكي لا يسأل فقط:

كم شخصاً معنا؟

______بل يسأل:

كم شخصاً يثق بنا؟

وكم شخصاً يستطيع أن يقنع الناس بنا؟

وكم رجل فكر ما زال يرى أن من مصلحته أن يكون إلى جانب مشروعنا؟

 

وهذه هي المسألة التي يجب أن يفهمها كل صاحب قرار:

رجال الفكر ليسوا زينة للمشهد السياسي، ولا أدوات للعلاقات العامة، ولا أصواتاً للاستخدام عند الحاجة.

 

إنهم جزء من قوة المجتمع، ومن صناعة الوعي، ومن حماية الاستقرار، ومن بناء جسور الثقة بين السلطة والرأي العام.

 

ومن يخسرهم باستخفاف أو غرور أو سوء تقدير، قد يكتشف لاحقاً أنه لم يخسر أفراداً، بل خسر جزءاً من المجتمع الذي كانوا قادرين على مخاطبته والتأثير فيه.

 

___فالقوة الحقيقية ليست في أن تجعل الجميع تابعين لك، بل في أن تجعل أصحاب الفكر المستقل يحترمون مشروعك، حتى عندما يختلفون معك.

 

فاحترام الفكر قوة.

واحترام المثقف قوة.

واحترام المختلف قوة.

 

أما إهانة رجال الفكر أو تهميشهم أو استخدامهم ثم التخلي عنهم، فليست دليلاً على القوة…

بل هي في كثير من الأحيان أول علامات الضعف السياسي وسوء التقدير.

 

سعيد فارس السعيد

كاتب وباحث استراتيجي مستقل

شارك