هل حررتنا الحداثة أم استعبدتنا؟…مأزق السيادة

الحلقة الرابعة

كتب رياض الفرطوسي

تطرح بعض الحركات المعاصرة فكرة “أسلمة الدولة الحديثة” كحل أيديولوجي، دون أن تتفكر في البنية العميقة لجهاز الدولة نفسه. إن الدولة الحديثة (كما تشكلت منذ صلح وستفاليا ) ، (صلح وستفاليا (1648): معاهدة سلام أوروبية أنهت الحروب الدينية، وأسست لمفهوم “الدولة الحديثة” القائمة على السيادة الجغرافية وتفكيك سلطة الكنيسة، ليصبح “القانون والمصلحة الوطنية” هما الحاكم بدلاً من الدين والأخلاق العابرة للحدود ) ، ليست وعاءً محايداً يمكن ملؤه بأي محتوى، بل هي جهاز بنيوي قائم على احتكار التشريع والعنف، وتغليب “السيادة والمصلحة” على حساب القيمة الأخلاقية.

في المقابل، تقوم المنظومة الأخلاقية التراثية على “تزكية الإنسان” وإقامة العدل الإلهي. وعندما تحاول دمج منظومة قائمة على الفضيلة داخل جهاز قائم على احتكار السلطة والسيادة، تحدث نتائج كارثية:

تسييس الأخلاق: تُفرغ المنظومة الأخلاقية من روحها الحية، وتتحول إلى قوانين زجرية تستخدمها السلطة لإخضاع المجتمع.

تقنين الشريعة: جمود النص وتحويله من اجتهاد مرن يستجيب لحاجات الناس إلى مجلة أحكام جافة تُملى من الأعلى.

وهذا ما شهدناه تاريخياً حين بدأت الدول المركزية في القرن التاسع عشر بسحب بساط التشريع من المجتمع وتقنينه لحساب السلطة. وكما يشير المفكر والفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن، فإن الحاجة اليوم ليست إلى “دولة سياسية بأقنعة أخلاقية”، بل إلى “مجتمع أخلاقي” يمتلك القدرة على ضبط السلطة وتوجيهها.

إن المخرج الفكري يتطلب فصل الأخلاق عن منطق الدولة الحديثة؛ فالدولة كائن يبحث عن السيادة والتوسع، بينما البناء الحضاري الحقيقي يبحث عن الفضيلة والإنسان.

في الحلقة القادمة: بعد هذا التفكيك للبنى السياسية والمادية، سننزل إلى العُمق الفردي؛ كيف يبني الإنسان معقله الخاص ويصنع “حصنه الداخلي” لمواجهة طغيان الاستهلاك؟

الحلقة الخامسة: حصن الداخل

 

أمام هذا التفكك النفسي والفراغ الروحي الذي يفرضه عصر الاستهلاك، يقف الإنسان المعاصر أعزلاً إلا من ممتلكاته. هنا تبرز الحاجة إلى إعادة اكتشاف ما أسماه الفيلسوف ميشيل فوكو بـ “تقنيات الذات” وهي الممارسات والتمارين الذهنية والروحية التي ابتكرتها الحضارات القديمة لبناء الإنسان من الداخل.

تتلاقى في هذا الميدان ثلاثة روافد فكرية كبرى:

الرواقية ( فلسفة يونانية قديمة التي تعلم الفرد التمييز بين ما يخضع لإرادته وما هو خارج عن سيطرته، مما يحميه من الاضطراب أمام تقلبات العالم الخارجي.

التصوف والزهد الحضاري: الذي يحول العبادات (كالصيام والمحاسبة) من مجرد طقوس شكليّة إلى أدوات لتحرير الإرادة الإنسانية من عبودية الشهوة والسلعة.

الحكمة الشرقية (المنظومات الفلسفية والروحية التي نشأت في بلاد الشرق التي تربي الإنسان على التأمل والتخلي عن التمسك المفرط بالماديات، وإدراك التناغم مع الكون.

الحداثة تُشغل الإنسان بـ “الظاهر” (كيف تبدو وكم تملك)، بينما هذه التقاليد الفلسفية تبني “الباطن” (كيف تفكر وكيف تستغني).

إن الحل لمواجهة الاستعباد الحداثي ليس بالهروب إلى الطبيعة أو رفض العلم، بل ببناء “حصن داخلي”؛ أن تمارس الزهد النفسي الذي يجعلك تستخدم آلات العصر دون أن تسمح لها بأن تستخدم روحك أو تحدد قيمتك.

في الحلقة القادمة: سننتقل من استعادة الروح إلى استعادة الأجساد، لنكشف كيف تحولت أجسادنا وصحتنا إلى سلع تُستثمر في سوق الدواء المعاصر.

الحلقة السادسة: جسد للبيع

 

تتباهى الحداثة بفتوحاتها الطبية والتكنولوجية، لكنها في الوقت نفسه حولت جسد الإنسان وصحته إلى ساحة للاستثمار والتجارة. في نقد شهير للمؤسسات الحديثة، كشف المفكر إيفان إيليتش في كتابه الاعتداء الطبي كيف يتحول الطب في ظل الرأسمالية إلى صناعة تتربح من وجود المرض، لا من تحقيق الصحة.

نحن أمام مواجهة بين منظومتين:

المنظومة العلاجية التجارية: تخلق نمط حياة معاصراً مليئاً بالقلق، والأغذية المصنعة، واللوث البيئي، لتنتج أجساداً عليلة، ثم تبيعها العلاجات المستمرة لضمان أرباح الشركات العابرة للقارات.

المنظومة الوقائية الشمولية: التي عرفتها الحضارات القديمة (كالطب العربي والشرقي)، والتي تجعل “حفظ الصحة” والتناغم مع الجسد والروح هما الأصل، وتعتبر المرض اختلالاً في هذا التوازن.

تثبت الأبحاث الطبية الحديثة، كتقارير كلية الصحة بجامعة هارفارد، أن أصل غالبية الأمراض المزمنة اليوم يعود إلى “نمط العيش” الذي يفرضه سوق العمل والاستهلاك.

لقد تم تسليع الجسد الإنساني وإرهاقه؛ وصار المطلوب إعادة تعريف الصحة: الصحة ليست مجرد القدرة على الاستمرار في العمل والاستهلاك، بل هي حالة من السلام البدني والروحي تمكن الإنسان من ممارسة إنسانيته بحرية.

في الحلقة القادمة والأخيرة: سنجمع كل خيوط هذه السلسلة لنضع بين يديك خريطة الطريق؛ كيف نخرج عملياً من هذا القفص ونبني مشروعنا الإنساني الخاص؟

شارك