بيروت أم الشرائع تعفو عن القتلة وتعدم الإعلام

 

ما حدث أمس داخل قاعة مجلس النواب لم يكن مجرد سقطة إجرائية. كان إنقلابا” ناعما” على الدستور، وعلى المؤسسة العسكرية، وعلى آخر ما تبقى من هيبة الدولة.

أرتكب رئيس الحكومة نواف سلام مغالطة دستورية خطيرة، حين منع وزير الدفاع من الحديث، وحين حجب رأي قيادة الجيش في ملف لا يخص السياسة، بل يخص دماء الضباط والرتباء والعناصر الذين سقطوا برصاص من يشملهم اليوم قانون العفو العام.

أي منطق هذا؟

أن تمنع صوت المؤسسة التي دفعت الثمن الأكبر من التضحيات، ثم تمرر قانونا” يمسح ذاكرة الدم. اليوم يقرون العفو، وغدا” يلغون عقوبة الإعدام عن المدانين بقتل عسكريين، وكأن دم الشهيد صار رقما” قابلا” للمقايضة في سوق التسويات.

لقد حوّلتم الدولة من حامية إلى وسيط صلح. ومن سلطة إلى سمسار غفران. مَن يقتل ضابطا” في الجيش اللبناني لا يستحق عفوا”، يستحق محاكمة. ومَن يشرّع لطمس الجريمة يشارك فيها.

وفي الوقت نفسه الذي تفتحون فيه أبواب السجون للقتلة، تغلقون أبواب الكلمة في وجه الإعلاميين. القانون الإعلامي الجديد الذي أقررتموه يحمل بندين واضحين، تجريم الرأي وتجريم النشر. ترجمتها الحرفية، سجن الصحافي الذي يزعجكم، وتحصين السياسي الذي يقتلكم.

هكذا تصدرون قانون إعدام جديد. لا إعدام بالمشنقة، بل إعدام بالحبر والكاميرا والكلمة. تريدون إعلاما” صامتا”، يصفق للعفو عن القتلة ويصمت عن الجرائم.

بيروت التي كانت (أم الشرائع) تحولت في جلستكم الأخيرة إلى ساحة لإعدامين متزامنين، إعدام العدالة بالعفو عن الدم، وإعدام الحرية بتكميم الأفواه.

التاريخ لن يرحم. والعسكر الذين منعتم وزيرهم من الكلام لن ينسوا. والشعب الذي دفع فاتورة الحرب لن يقبل أن يدفع اليوم فاتورة النسيان.

من حق الدولة أن تحكم. لكن ليس من حقها أن تتخلى عن قوتها، عن جيشها، وعن الحقيقة.

حين تتخلى الدولة عن قوتها في الحرب، لا تنتصر. تنتحر.

 

نضال عيسى

شارك