الصمتُ المبكي؟! حين تبكي الروحُ دون أن تسقط دمعة

 

بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل

 

ليس كل صمتٍ هدوءًا، فبعض الصمت عاصفةٌ أغلقت أبوابها، وبعضه وجعٌ ارتدى ثوب الوقار كي لا يراه أحد. هناك صمتٌ لا يأتي لأن الكلام انتهى، بل لأن القلب قال الكثير، ثم اكتشف أن صوته كان يضيع في الزحام. إنه الصمت الذي لا يسمعه أحد، ومع ذلك يترك في صاحبه ضجيجًا داخليًا يكاد يهدم ما تبقّى منه.

 

كم من إنسانٍ يجلس بيننا بوجهٍ هادئ، بينما في داخله مدينةٌ كاملة تحترق بصمت! يضحك حين ينبغي أن يضحك، يجيب حين يُسأل، يمارس يومه كأن شيئًا لم يحدث، ثم يعود إلى وحدته، فيخلع عن روحه ثوب التماسك، ويجلس أمام مرآةٍ لا تجامل، فيرى التعب الذي أخفاه عن الجميع. فليس كل من قال: «أنا بخير» كان بخير؛ أحيانًا تكون هذه العبارة آخر جدارٍ يحتمي خلفه الإنسان من أسئلةٍ لا يملك لها جوابًا، أو لا يريد أن يشرحها لمن لن يفهم.

 

لقد أصبحنا نعيش في زمنٍ يتحدث فيه الجميع، ولا يكاد أحدٌ يصغي. شاشاتٌ لا تنام، ورسائلٌ لا تنقطع، وصورٌ تملأ العالم بالضحكات، ومع ذلك تزداد الأرواح وحشةً. نعرف أين ذهب الآخرون، وماذا أكلوا، وماذا ارتدوا، وماذا احتفلوا به، لكننا لا نعرف ماذا حدث لقلوبهم بعد أن أُغلقت الأبواب. صرنا نرى الوجوه، لكننا فقدنا القدرة على قراءة ما خلف العيون.

 

والأشد وجعًا أن الإنسان لا يصمت دفعةً واحدة. يبدأ بالكلام، ثم يشرح، ثم يبرر، ثم ينتظر، ثم يُصاب بخيبةٍ صغيرة، وأخرى، وثالثة… حتى تتراكم الخيبات في حلقه كحجارةٍ ثقيلة، فيقرر أن الصمت أقل ألمًا من الكلام. عندها لا يكون قد فقد الكلمات، بل فقد الأمل في أن تصل. وحين يشعر الإنسان أن حديثه لا يغيّر شيئًا، يصبح الصمت بالنسبة إليه لغةً أكثر أمانًا من الشرح.

 

هناك من لا يحتاج منك حلًا، ولا محاضرةً عن الصبر، ولا جملةً محفوظةً عن قوة الإنسان. يحتاج فقط إلى شخصٍ يجلس بقربه دون استعجال، ينظر في عينيه ويقول: «تحدث، لن ألومك.» فكم من جرحٍ كان سيخف لو وجد أذنًا أمينة، وكم من قلبٍ كان سيستعيد شيئًا من طمأنينته لو وجد إنسانًا واحدًا لا يخاف من سماع الحقيقة.

 

لا تستهينوا بالصامتين. فبعضهم يحمل في داخله أحلامًا انطفأت قبل أن ترى النور، وذكرياتٍ ما زالت تسكنه رغم مرور السنين، وأسئلةً بقيت معلقةً بين «لماذا؟» و«ماذا لو؟». بعضهم لا يبكي لأن الدموع لم تعد تعرف الطريق، وبعضهم يبتسم لأن الحياة علّمته أن الناس يطمئنون إلى ابتسامته أكثر مما يهتمون بحقيقته.

 

وأحيانًا يكون أقسى ما يفعله الإنسان بنفسه أن يعتاد وجعه؛ أن يصبح الحزن جزءًا من يومه، والوحدة مقعده المفضل، والصمت لغته الأولى. عندها لا يعود يبحث عمّن يفهمه، بل يتعلم كيف يعيش دون أن يفهمه أحد. وما أخطر أن يتحول الألم من ضيفٍ ثقيل إلى ساكنٍ دائم، حتى ينسى الإنسان كيف كانت الحياة قبل أن يعتاد ثقله.

لكن خلف كل صمتٍ حكاية، وخلف كل ابتسامةٍ احتمال، وخلف كل «لا شيء» أشياء كثيرة. لذلك، لا تسأل من تحب: «ما بك؟» ثم ترحل قبل أن تسمع جوابه. اسأله وأنت مستعدٌ للبقاء. فالسؤال الحقيقي ليس الذي ينتظر إجابةً سريعة، بل الذي يفتح بابًا ويقول للقلب المتعب: «يمكنك أن تضع أثقالك هنا.»

وربما لا نستطيع أن نغيّر حياة الآخرين، لكننا نستطيع أن نخفف عنهم ثقلها. كلمةٌ صادقة، واهتمامٌ حقيقي، وإصغاءٌ بلا أحكام، أو مجرد حضورٍ في الوقت المناسب، قد تكون أحيانًا أعظم من ألف نصيحة. فبعض الناس لا يحتاجون من ينقذهم من الحياة، بل يحتاجون من يشعرهم أنهم ليسوا وحدهم في مواجهتها.

كم نحن بحاجةٍ اليوم إلى أن نتعلم فن الإصغاء، لا مجرد سماع الكلمات. أن ننتبه إلى ذلك الذي تغيّرت نبرة صوته، وإلى من اعتاد الحديث ثم أصبح قليل الكلام، وإلى من كان يملأ المكان ضحكًا ثم صار يكتفي بابتسامةٍ عابرة. فالتعب لا يكتب دائمًا على الجبين، والحزن لا يرتدي دائمًا ثوب الدموع؛ أحيانًا يتخفى في هدوءٍ مبالغٍ فيه، وفي ابتسامةٍ طويلة، وفي كلمةٍ قصيرة تقول: «لا شيء.»

ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه لمن نحب ليس الكلام الكثير، بل الأمان. أن يشعر الإنسان أنه يستطيع أن يكون ضعيفًا دون أن يُدان، وحزينًا دون أن يُلام، ومتعبًا دون أن يُطلب منه أن يتظاهر بالقوة. فحين يجد القلب مكانًا آمنًا، يبدأ الكلام بالخروج وحده، وتبدأ الجراح بالتنفس، ويصبح الصمت اختيارًا لا سجنًا.

وفي النهاية، ليس كل صمتٍ علامة رضا، ولا كل ابتسامةٍ دليل فرح، ولا كل غيابٍ نسيانًا. هناك قلوبٌ تنادي بصمت، وأرواحٌ تخفي تعبها خلف تفاصيل الحياة، وعيونٌ تقول ما تعجز الشفاه عن قوله.

فإذا صادفت يومًا إنسانًا صامتًا أكثر من المعتاد، فلا تمرّ من جانبه كأنك لم تره. اقترب قليلًا، وانظر في عينيه، وقل له: «أنا هنا.» فقد تكون تلك الجملة الصغيرة نافذةً يدخل منها الضوء إلى قلبٍ أرهقته الخيبات.

فالصمتُ المبكي ليس أن يعجز الإنسان عن الكلام…

بل أن يمتلئ بالكلام، ثم لا يجد قلبًا واحدًا يستحق أن يقوله له.

شارك