
العميد الركن الدكتور بهاء حسن حلال – عندما تفقد الدولة قدرتها على إقناع المجتمع
رؤيه
لا تبدأ أزمة الدولة بالضرورة عندما تسقط مؤسساتها، أو تعجز عن استخدام القوة، أو تفشل في إدارة أزمة اقتصادية أو أمنية. فقد تبقى مؤسساتها قائمة، وقوانينها نافذة، وأجهزتها الأمنية قادرة على فرض النظام، بينما يكون التصدع الحقيقي قد بدأ في مكان آخر: في العلاقة بين الدولة والمجتمع.
تبدأ الأزمة الأعمق عندما يفقد المواطن اقتناعه بأن السلطة شرعية، وأن القانون عادل، وأن المؤسسات تمثله، وأن الدولة قادرة على حمايته وتأمين مستقبل قابل للحياة. عندها تتحول السلطة تدريجياً من علاقة تقوم على القبول إلى علاقة تقوم على الإكراه.
فالسلطة تستطيع أن تفرض القرار، أما الشرعية فتجعل المجتمع يقبل القرار حتى عندما لا يتوافق تماماً مع مصالحه الآنية. ولهذا فإن الدولة القوية ليست بالضرورة الدولة الأكثر قدرة على إخافة مواطنيها، بل الدولة الأكثر قدرة على إقناعهم بأن وجودها ومؤسساتها وقواعدها تستحق الثقة والدفاع عنها.
ومن هذه الزاوية، لا تعني الشرعية مجرد الوصول إلى الحكم وفق الدستور أو عبر الانتخابات، وإنما تعني قدرة الدولة على تحويل الحق القانوني في ممارسة السلطة إلى قبول اجتماعي وسياسي مستدام.
من الشرعية القانونية إلى الشرعية الاجتماعية
قدمت أعمال ماكس فيبر مدخلاً أساسياً لفهم الشرعية من خلال التمييز بين الشرعية التقليدية، والشرعية الكاريزمية، والشرعية القانونية-العقلانية. غير أن الدولة الحديثة لا تستطيع الاعتماد على الشرعية القانونية وحدها؛ فوجود الدستور والقوانين والانتخابات والمؤسسات لا يضمن تلقائياً ثقة المجتمع.
فالشرعية الحديثة تتكون من طبقات متداخلة: شرعية قانونية تتعلق بمشروعية الوصول إلى السلطة، وشرعية سياسية ترتبط بقبول المجتمع للحكم، وشرعية اجتماعية تتصل بشعور المواطن بالتمثيل والحماية والكرامة، وشرعية أدائية تقاس بقدرة الدولة على توفير الأمن والخدمات والعدالة، وشرعية أخلاقية ترتبط بالنزاهة والإنصاف.
ومن هنا يمكن تعريف الشرعية السياسية بأنها قدرة الدولة على تحويل السلطة القانونية إلى قبول اجتماعي مستدام.
وقد نقل يورغن هابرماس النقاش من سؤال: «هل السلطة قانونية؟» إلى سؤال أكثر عمقاً: «هل يستطيع المواطن فهم القرار السياسي والمشاركة في إنتاجه وقبوله باعتباره نتيجة عادلة؟».
وفي عصر الإعلام الرقمي، أصبحت هذه المسألة أكثر تعقيداً؛ فالدولة لم تعد تحتكر إنتاج الرواية السياسية. وأصبح المواطن قادراً على المقارنة والتحقق والنشر وصناعة الروايات البديلة. ولذلك فإن الدولة التي تفشل في إدارة المجال العام وإنتاج خطاب مقنع قد تخسر جزءاً من شرعيتها، حتى وإن بقيت مؤسساتها القانونية قائمة.
عندما يختل العقد الاجتماعي
يمكن قراءة أزمة الشرعية أيضاً من خلال هوبز ولوك وروسو؛ فالدولة، في جوهر فكرة العقد الاجتماعي، تقوم على علاقة متبادلة: المواطن يلتزم بالقانون، ويدفع الضرائب، ويقبل بتنظيم السلطة، في مقابل حصوله على الأمن والحقوق والعدالة والحماية والفرص.
لكن عندما يشعر المواطن بأن الدولة تأخذ منه أكثر مما تمنحه، يبدأ العقد الاجتماعي بالاهتزاز. ويصبح الأمر أكثر خطورة عندما تعجز الدولة عن أداء وظائفها الأساسية، بينما تظهر قوى أخرى تقدم نفسها بديلاً عنها في مجالات الأمن أو الخدمات أو الحماية أو الهوية.
عندها يتغير السؤال من: هل الدولة موجودة؟ إلى سؤال أكثر جوهرية: من يملك القدرة الفعلية على تنظيم حياة المجتمع وحمايته؟ . وهنا تبدأ أزمة تعدد مصادر الشرعية.
من الهيمنة إلى الإكراه
يقدم أنطونيو غرامشي تفسيراً بالغ الأهمية لهذه المسألة. فاستمرار السلطة لا يعتمد على القوة وحدها، وإنما على قدرتها على إنتاج الرضا والقبول. ولذلك ينبغي التمييز بين الهيمنة التي تقوم على القبول، والسيطرة التي تقوم على الإكراه.
قد تكون الدولة قوية أمنياً، لكنها ضعيفة اجتماعياً. ويمكنها أن تفرض الطاعة، لكنها لا تستطيع بالوسائل القسرية وحدها إنتاج الولاء والثقة. وكلما اتسعت الفجوة بين القوة والشرعية، تحولت الدولة إلى كيان يمتلك قدرة قسرية مرتفعة، مقابل قبول اجتماعي منخفض.
وقد ينتج هذا النموذج استقراراً مؤقتاً، لكنه لا يضمن استقراراً استراتيجياً مستداماً؛ لأن الاستقرار الذي يقوم على الخوف يظل قابلاً للانهيار عندما تتغير موازين القوة أو تتراكم الأزمات.
متى تتحول أزمة الحكومة إلى أزمة دولة؟
يساعد ديفيد إيستون على التمييز بين الدعم المحدد لحكومة أو سياسة معينة، والدعم المنتشر للنظام السياسي نفسه. فقد يرفض المواطن حكومة معينة، لكنه يظل متمسكاً بالدولة ومؤسساتها. أما الخطر الحقيقي فيبدأ عندما يتراجع الإيمان بالحكومة والبرلمان والقضاء والإدارة والانتخابات والأحزاب، وصولاً إلى رفض النظام السياسي برمته.
عند هذه النقطة تنتقل الأزمة من أزمة أداء إلى أزمة تمثيل، ثم إلى أزمة قبول، ثم إلى أزمة شرعية.
وغالباً ما تتخذ هذه العملية مساراً تراكمياً. تبدأ بضعف الخدمات والاقتصاد والأمن والقضاء، ثم تتراجع الثقة بالمؤسسات، ويشعر المواطن بأن النخب لم تعد تمثله، فيتصاعد الاستقطاب والعزوف والاحتجاج والشعبوية، وتبدأ شرعيات بديلة بالظهور ، وهكذا لا يحدث انهيار الدولة عادةً في لحظة واحدة، بل يتشكل عبر تراكم طويل من فقدان الثقة.
النخب والانقسام الاجتماعي
توضح نظريات النخب لدى موسكا وباريتو ورايت ميلز أن السلطة تميل إلى التركز في أيدي نخب سياسية واقتصادية وعسكرية ومؤسساتية. لكن استمرار هذه النخب لا يعتمد على السيطرة وحدها، بل على قدرتها على تبرير استمرارها وإقناع المجتمع بأنها تمثله.
وعندما تنفصل النخب عن المجتمع، تظهر أزمة الثقة، والعزوف السياسي، ورفض المؤسسات، وصعود الشخصيات والحركات خارج النظام.
وتزداد المسألة تعقيداً في المجتمعات المنقسمة طائفياً أو إثنياً أو هوياتياً. وهنا تبرز أهمية نموذج أرند ليبهارت للديمقراطية التوافقية، الذي يسعى إلى إدارة التعدد من خلال التوافق والائتلاف والتمثيل المتوازن وحماية الأقليات.
غير أن التوافق قد يتحول إلى مشكلة عندما يصبح وسيلة لتقاسم السلطة بين النخب، بدلاً من أن يكون آلية لبناء دولة يتساوى مواطنوها أمام القانون. عندها تصبح الدولة رهينة التوازنات بين الجماعات، بدلاً من أن تكون الإطار الأعلى الذي ينظم اختلافاتها.
الشرعية بوصفها عنصراً من عناصر الأمن القومي
تتجاوز أزمة الشرعية حدود السياسة الداخلية. فالدولة التي تفقد ثقة مجتمعها تصبح أكثر هشاشة أمام الأزمات الاقتصادية والأمنية، والحروب الهجينة، والتدخلات الخارجية، والفاعلين من غير الدول.
فالشرعية تنتج الثقة، والثقة تسهّل الامتثال، والامتثال يعزز الاستقرار، والاستقرار يزيد قدرة الدولة على مواجهة التهديدات.
أما عندما تنهار الثقة، فتظهر صعوبات في تعبئة الموارد، وتطبيق القانون، وفرض الضرائب، وإدارة الأزمات، وتنفيذ الإصلاحات، وحماية الحدود، وبناء سياسة خارجية متماسكة.
لذلك فإن التماسك الداخلي لم يعد شأناً اجتماعياً وسياسياً فحسب، بل أصبح جزءاً من القوة الاستراتيجية للدولة وأمنها القومي.
عندما تصبح الدولة ساحة نفوذ
لم تعد الدولة المعاصرة تواجه الدول الأخرى وحدها؛ فهي تتعامل أيضاً مع منظمات دولية، وشركات عابرة للحدود، وشبكات مالية وإعلامية ورقمية، وجماعات مسلحة، وفاعلين سيبرانيين، وقوى اجتماعية عابرة للحدود ، ولهذا فإن الدولة ضعيفة الشرعية تصبح أكثر عرضة لما يمكن تسميته الاختراق الجيوسياسي عبر المجال الداخلي.
فالفاعل الخارجي لا يحتاج دائماً إلى احتلال الأرض؛ فقد يكون كافياً أن يتمكن من التأثير في النخب، أو الرأي العام، أو الاقتصاد، أو الإعلام، أو الهوية، أو الانتخابات، أو شبكات التواصل، أو مصادر الطاقة.
وهنا تبرز الحرب الهجينة، التي لا تستهدف القوة العسكرية وحدها، بل تستهدف أيضاً قدرة الدولة على إنتاج الحقيقة والثقة والامتثال.
وقد لا يكون الهدف إسقاط الحكومة، بل إقناع المجتمع بأن الدولة غير قادرة، وغير جديرة بالثقة، وغير قادرة على حماية مصالحه. وعندها تتحول أزمة الشرعية نفسها إلى هدف عملياتي في الصراع الجيوسياسي.
الذكاء الاصطناعي والصراع على الإدراك
أضاف الذكاء الاصطناعي بعداً جديداً إلى أزمة الشرعية. فقد أصبح بالإمكان إنتاج الصور والتسجيلات والفيديوهات الاصطناعية، وإطلاق حملات تأثير واسعة، وصناعة روايات سياسية متعددة اللغات وعلى نطاق غير مسبوق ، وهكذا تنتقل المعركة تدريجياً من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على الإدراك.
ومن هنا يمكن الحديث عن مفهوم «السيادة الإدراكية»، أي قدرة الدولة والمجتمع على حماية المجال العام من التلاعب المنهجي بإدراك المواطنين للواقع السياسي والأمني.
لم يعد الأمن القومي يتعلق فقط بحماية الحدود، بل أصبح يتصل أيضاً بحماية المجال المعلوماتي والعقل الجمعي من التضليل والتلاعب، لأن المجتمع الذي يفقد قدرته على التمييز بين الحقيقة والتلاعب يصبح أكثر هشاشة أمام الصراعات الداخلية والخارجية.
لبنان: نموذج مركب لأزمة الشرعية
يقدم لبنان نموذجاً شديد التعقيد لدراسة العلاقة بين الدولة والطائفية السياسية والنخب والتوافق والسيادة والفاعلين من غير الدول والتدخلات الخارجية.
ولا ينبغي اختزال الأزمة اللبنانية في طائفة أو حزب أو شخصية، فالمسألة أعمق من ذلك؛ إذ تتداخل الشرعية الدستورية والانتخابية والطائفية والتاريخية والمناطقية والحزبية والأمنية والخارجية.
والسؤال المركزي هنا هو: هل ينظر المواطن اللبناني إلى الدولة باعتبارها المصدر الأول والنهائي للأمن والحقوق والتمثيل السياسي؟
عندما تختلف الإجابة جذرياً بين الجماعات، تصبح المشكلة أزمة في مركزية الدولة نفسها، لا مجرد ضعف في مؤسسة أو حكومة.
ويكتسب الجيش في هذا السياق أهمية خاصة باعتباره مؤسسة وطنية يُفترض أن تتجاوز الانقسامات. لكن الجيش، مهما بلغت شرعيته، لا يستطيع أن يحل محل السياسة والقضاء والاقتصاد والإدارة والمؤسسات الدستورية والعقد الاجتماعي.
ومن ثم، فإن تحميل المؤسسة العسكرية مسؤولية معالجة أزمة سياسية بنيوية قد يؤدي إلى عسكرة الأزمة بدلاً من حلها.
من أزمة الشرعية إلى فشل الدولة
ينبغي التمييز بين الدولة الضعيفة والدولة فاقدة الشرعية. فقد تكون الدولة ضعيفة المؤسسات، لكنها تحظى بثقة مواطنيها، وقد تكون قوية من الناحية القسرية، لكنها تعاني انهياراً في قبولها الاجتماعي.
أما الخطر الأكبر فيظهر عندما يجتمع ضعف الشرعية مع ضعف القدرة المؤسسية. عندها تنتقل الدولة من أزمة شرعية إلى هشاشة مؤسساتية، ومن الهشاشة إلى احتمال الفشل.
وتزداد الخطورة عندما تتعدد مصادر الشرعية داخل الدولة: شرعية دستورية للدولة، وشرعيات حزبية أو طائفية أو أمنية أو تاريخية أو مقاومية لقوى أخرى. وعندها يصبح احتكار الدولة للقرار السياسي والسيادي موضع تنازع، وتصبح السيادة نفسها قابلة للتجزئة والتفاوض.
و في الخلاصة فإن أخطر ما في أزمة الشرعية أنها قد تدفع السلطة إلى اتخاذ إجراءات تزيد الأزمة بدلاً من حلها ، فعندما تشعر السلطة بتراجع قبولها، قد تلجأ إلى مزيد من القمع ؛ فيزداد الرفض ، فتتوسع الإجراءات الأمنية ، وتتسع الفجوة مع المجتمع ، وتدخل الدولة في حلقة مفرغة:
تراجع الشرعية ← القمع ← مزيد من فقدان الشرعية ← مزيد من القمع.
ولا يمكن كسر هذه الحلقة بالقوة وحدها ، بل من خلال الإصلاح المؤسسي ، والعدالة ، والشفافية ، والمشاركة ، وتحسين الأداء ، وإعادة بناء الثقة والتواصل السياسي.
كما يمكن اختزال جوهر أزمة الشرعية في مفارقة بسيطة: الدولة تستطيع أن تجبر المواطن على الطاعة، لكنها لا تستطيع أن تجبره على الثقة.
والثقة هي التي تحول السلطة إلى شرعية، والشرعية إلى استقرار، والاستقرار إلى قوة وطنية، والقوة الوطنية إلى قدرة على حماية السيادة.
لذلك لا تستطيع الدولة الحديثة أن تعيش بالقانون وحده، ولا بالقوة وحدها، ولا بالانتخابات وحدها؛ إنها تحتاج إلى إنتاج مستمر لما يمكن تسميته «الشرعية المتجددة». فالشرعية ليست شهادة تمنحها الانتخابات مرة واحدة، وإنما علاقة سياسية واجتماعية يعاد بناؤها بصورة مستمرة من خلال الأداء والعدالة والتمثيل والمشاركة والثقة.
وفي عصر الحرب الهجينة والذكاء الاصطناعي، أصبحت المعركة على الشرعية أكثر أهمية من أي وقت مضى؛ فالصراع لم يعد يدور فقط حول سؤال: من يسيطر على الأرض؟ بل حول سؤال أعمق: من يملك القدرة على إقناع المجتمع بأن هذه الدولة، وهذه المؤسسات، وهذا النظام، وهذا المستقبل، تستحق أن تكون له؟ .
ومن هنا يمكن صياغة الفرضية المركزية للمقال على النحو الآتي:
كلما تراجعت قدرة الدولة على إنتاج الشرعية السياسية والاجتماعية، انخفضت قدرتها على تحقيق الامتثال الطوعي والاستقرار الداخلي، وازدادت قابليتها للتأثر بالفاعلين من غير الدول والتدخلات الجيوسياسية الخارجية.
وبذلك لا تبدأ الدولة بالانهيار بالضرورة عند حدودها أو في مؤسساتها، بل قد يبدأ الانهيار أولاً في وعي مواطنيها تجاه شرعيتها وقدرتها على تمثيلهم وحمايتهم وصناعة مستقبلهم المشترك.
العميد الركن الدكتور بهاء حسن حلال
كاتب ومحلل استراتيجي حاصل على عدة اجازات الماجيستير في العلوم الأمنية وإدارة الأعمال الدولية والعلوم الاستراتيجية والدبلوماسية و دكتوراه في العلوم السياسية – فرع العلاقات الدولية ، له عدة ابحاث عن تاثيرات الحروب على دول المنطقة.



