لبنان… حكاية جبلٍ سبق الدولة، ووطنٍ سبق اسمه

 

 

بقلم: أمين السكافي. (الحلقة الأولى)

 

ليس سهلاً أن نحدد اليوم الذي وُلد فيه لبنان، لأن لبنان لم يولد في يوم واحد، ولم يخرج إلى التاريخ بمرسوم أو معاهدة. الدولة اللبنانية بحدودها الحالية حديثة العهد، أما لبنان كاسم وجبل ومجال بشري وحضاري فأقدم بكثير من الدولة، بل إن اسمه من أقدم الأسماء الجغرافية التي بقيت حيّة في هذه المنطقة حتى يومنا هذا. وقد ظهر اسم لبنان في نصوص قديمة تعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، وارتبط على الأرجح بجذر سامي يعني «الأبيض»، في إشارة إلى ثلوج الجبل أو صخوره البيضاء. كما ورد اسم لبنان عشرات المرات في الكتاب المقدس.

 

لكن قبل أن يكون هناك «لبنان» بالمعنى السياسي، كانت هناك أرضٌ تتكلم بلغات متعددة، وتسكنها جماعات ومدن وممالك صغيرة، ويجمعها البحر والجبل والغابة أكثر مما تجمعها دولة واحدة.

 

في الألف الثالث قبل الميلاد، كانت سواحل لبنان جزءاً من العالم الكنعاني. ومن هذه البيئة خرج الفينيقيون الذين اشتهروا في العالم القديم بالملاحة والتجارة وصناعة الأصباغ والزجاج والمعادن، وبناء السفن، ونشر الأبجدية التي كان لها أثر عميق في تطور الكتابة. لم يكن الفينيقيون دولة واحدة بالمعنى الذي نعرفه اليوم، بل مدناً وممالك ساحلية مستقلة: جبيل وصيدا وصور وبيروت وطرابلس، لكل مدينة ملكها ومرفؤها ونفوذها.

 

كانت جبيل، أو «غُبلا» القديمة، من أقدم المراكز التجارية في شرق المتوسط، وربطتها علاقات مبكرة بمصر. وكانت تصدّر خشب الأرز والزيت والنبيذ، بينما كانت صور وصيدا مركزين بحريين وتجاريين بالغَي الأهمية. أما بيروت، التي كان اسمها الفينيقي «بيروت» بمعنى الآبار، فقد عرفت لاحقاً باسم Berytus في العصر الروماني، وأصبحت مستعمرة رومانية ومركزاً قانونياً وثقافياً مهماً.

 

وهنا تبدأ إحدى المفارقات اللبنانية القديمة: أرض صغيرة، لكن تاريخها أكبر من مساحتها. فقد مرّ عليها المصريون والحثيون والآشوريون والبابليون والفرس، ثم الإغريق والرومان والبيزنطيون، وكل قوة كانت ترى في ساحلها بوابة إلى الداخل، وفي موانئها طريقاً إلى البحر.

 

ومن العصر الفينيقي إلى العصر الروماني، لم يكن سكان هذه الأرض منعزلين عن العالم، بل كانوا جزءاً منه. انتشرت مدنهم على المتوسط، وأصبحت تجارتهم تصل إلى مناطق بعيدة، بينما ظل الجبل، بغاباته وأوديته ومغاوره، ملجأً طبيعياً للجماعات التي كانت تبحث عن الأمان أو الاستقلال.

 

ثم جاء العصر المسيحي، فدخل لبنان مرحلة جديدة. انتشرت المسيحية في المدن والقرى، وبرزت جماعات مسيحية متعددة، من بينها الجماعة التي ستعرف لاحقاً باسم الموارنة. وقد ارتبط الموارنة تاريخياً بالمنطقة الشمالية من جبل لبنان، ثم توسع حضورهم تدريجياً في الجبل، ولاحقاً في كسروان والمتن والشمال. وفي المقابل حافظت جماعات مسيحية أخرى، كالروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك والسريان، على وجودها في مناطق مختلفة.

 

أما الدروز، فقد ظهر حضورهم في جبل لبنان في القرون الوسطى، ثم أصبحوا إحدى الجماعات الأساسية في الشوف ووادي التيم ومناطق أخرى من الجبل. ولم يكن وجودهم منعزلاً عن بقية السكان؛ فقد عاش الدروز والمسيحيون، ولا سيما الموارنة، قروناً في قرى ومناطق متجاورة، تعاونوا أحياناً وتصادموا أحياناً أخرى، ضمن نظام اجتماعي وسياسي معقد. وتؤكد الدراسات الحديثة أن جذور التوترات الطائفية في القرن التاسع عشر لم تولد فجأة سنة 1840 أو 1860، بل كانت لها جذور اجتماعية واقتصادية وسياسية أقدم.

 

ثم جاء الفتح العربي الإسلامي في القرن السابع الميلادي، فتغير وجه المنطقة السياسية واللغوية والثقافية. دخل لبنان في المجال العربي الإسلامي، وأصبحت العربية تدريجياً لغة الإدارة والحياة العامة، بينما بقيت جماعات مسيحية عديدة محافظة على هويتها وكنائسها وتقاليدها.

 

ومنذ ذلك الحين لم يتحول لبنان إلى مجتمع ذي لون واحد؛ بل ازدادت تركيبته تنوعاً. عاش فيه المسلمون السنة والشيعة، والمسيحيون بمذاهبهم المختلفة، والدروز، وتداخلت الجماعات في المدن والقرى والجبال والسهول.

 

وفي العصر الإسلامي الوسيط تعاقبت على المنطقة دول وسلالات متعددة، ثم جاء الصليبيون، وبعدهم المماليك، حتى وصل العثمانيون إلى بلاد الشام في القرن السادس عشر. ومنذ 1516 أصبح جبل لبنان وأجزاء واسعة من الأراضي اللبنانية ضمن الدولة العثمانية، لكن الحكم العثماني لم يكن يعني إدارة مركزية مباشرة لكل قرية وجبل؛ فقد حافظت مناطق جبلية كثيرة على قدر من الحكم المحلي، وبرزت أسر إقطاعية وسياسية لعبت دور الوسيط بين السلطة العثمانية والسكان.

 

ومن بين هذه الأسر برزت آل معن، وخصوصاً الأمير فخر الدين الثاني، الذي أصبح أحد أشهر أمراء جبل لبنان في القرن السابع عشر. وسعى فخر الدين إلى توسيع نفوذه، وبناء إدارة أكثر انتظاماً، وتنشيط الزراعة والتجارة، والانفتاح على أوروبا. ولذلك ارتبط اسمه في الذاكرة اللبنانية بفكرة مبكرة عن توسيع كيان الجبل وربطه بالموانئ والداخل.

 

ثم انتقلت الزعامة إلى الشهابيين. وفي عهدهم، ولا سيما في زمن الأمير بشير الثاني الشهابي، بلغ إمارة الجبل درجة كبيرة من القوة والتعقيد. كان بشير الثاني حاكماً بين 1788 و1840، وعاش في زمن كان فيه لبنان عالقاً بين السلطنة العثمانية، ومصر محمد علي باشا، والدول الأوروبية المتنافسة على النفوذ في المشرق.

 

وكانت تلك المرحلة بداية التحول الكبير. فقد أخذ الاقتصاد اللبناني ينتقل تدريجياً من نظام إقطاعي إلى اقتصاد نقدي أكثر ارتباطاً بالتجارة والأسواق، وبرز دور بيروت ومرافئ الساحل والتجارة مع أوروبا. كما توسعت زراعة الحرير، وأصبحت بيروت صلة وصل بين الجبل والبحر والعالم الخارجي.

 

لكن السياسة كانت أكثر قسوة من الاقتصاد.

 

في 1831–1832 دخلت قوات محمد علي باشا وابنه إبراهيم باشا بلاد الشام، ووقف بشير الثاني إلى جانب المشروع المصري. سقطت عكا في 27 أيار 1832، ثم دمشق في حزيران. غير أن الحكم المصري، بسياساته الضريبية والعسكرية ومحاولاته ضرب البنية الإقطاعية، خلق مقاومات متزايدة، واشتدت التوترات داخل جبل لبنان.

 

وفي هذه اللحظة بدأ لبنان يدخل بصورة مباشرة في لعبة القوى الكبرى.

 

كانت بريطانيا وروسيا والنمسا وبروسيا تخشى تمدد محمد علي، بينما كانت فرنسا أكثر ميلاً إلى دعمه. وفي سنة 1840 وقّعت القوى الأوروبية الأربع مع الدولة العثمانية معاهدة لندن لإجبار محمد علي على الانسحاب من بلاد الشام. وفي أيلول من العام نفسه نزلت قوات عثمانية وبريطانية على الساحل اللبناني، فتراجع المصريون، واضطر بشير الثاني إلى الاستسلام في تشرين الأول والنفي.

 

وهنا تنتهي مرحلة، وتبدأ أخرى.

 

فلبنان الذي لم يكن قد أصبح بعد دولة مستقلة، كان قد صار مسألة سياسية ودولية. جبل صغير بين البحر والداخل، يسكنه مسلمون ومسيحيون ودروز، تتجاور فيه المدن القديمة والقرى الجبلية، وتتنافس فيه الزعامات المحلية، بدأت الدول الأوروبية تنظر إليه بوصفه نقطة نفوذ في قلب المشرق.

 

ولذلك فإن سؤال «متى بدأ لبنان؟» لا يملك جواباً واحداً.

 

بدأ اسمه في العصور القديمة.

وبدأت مدنه قبل آلاف السنين.

وتشكلت جماعته البشرية المتنوعة عبر قرون طويلة.

ونمت إمارة الجبل في العهدين المعني والشهابي.

أما الدولة اللبنانية بحدودها الحديثة، فلم تولد إلا سنة 1920.

 

وبين هذه التواريخ كلها بقي شيء واحد أكثر ثباتاً من الدول والسلاطين والأمراء: الجبل.

 

جبلٌ أبيض أعطى البلاد اسمه، وأرزٌ أعطاها رمزها، وبحرٌ فتحها على العالم، وطوائف وجماعات جعلت تاريخها أشبه بكتاب لا يكتب بيد واحدة.

 

ولعل لبنان، في جوهر حكايته، لم يكن يوماً مجرد دولة تبحث عن تاريخ، بل كان تاريخاً طويلاً يبحث عن دولة.

شارك