
حين يتحول تضخيم قوة الدولة إلى خدمة مجانية للعدو
كتب / سعيد فارس السعيد
في الحروب والصراعات الكبرى، لا تكون المعلومة أقل أهمية من الصاروخ والطائرة والسلاح.
فالمعركة لا تجري في الميدان وحده، وإنما تجري أيضاً في الإعلام، وفي الوعي، وفي صياغة صورة القوة والضعف لدى الشعوب والخصوم وصنّاع القرار.
ومن أخطر الظواهر التي نشهدها في منطقتنا أن بعض النشطاء والإعلاميين والمحللين يتعاملون مع قدرات دولهم العسكرية بمنطق المبالغة، فيرفعون سقف التقديرات إلى مستويات لا تستند دائماً إلى معلومات موثوقة أو أدلة قابلة للتحقق.
وقد يبدو للوهلة الأولى أن تضخيم قوة الدولة هو نوع من الدفاع عنها أو رفع معنويات جمهورها.
لكن الحقيقة أن الأمر قد ينقلب إلى النقيض تماماً.
فحين يبالغ شخص في وصف قدرات بلاده العسكرية، أو يتحدث عن امتلاكها أسلحة استراتيجية لا يوجد دليل موثوق على امتلاكها، أو يمنحها قدرات إنتاجية خارقة للواقع، فإنه قد يقدم للخصم خدمة دعائية مجانية؛ تتناغم معه ، ويكون أداة مجانية للعدو …
لأن العدو يستطيع استخدام هذه التصريحات لتدعيم روايته أمام الرأي العام الدولي، وتبرير سياساته العسكرية والأمنية، وتصوير نفسه على أنه يواجه خطراً وجودياً.
وهنا يجب أن نفرّق بين ثلاثة أمور:
__أن تكون لدى الدولة قدرة علمية وتقنية متقدمة، وأن تكون قادرة على الاقتراب من إنتاج سلاح معين، وأن تكون قد امتلكت بالفعل سلاحاً جاهزاً وقابلاً للاستخدام.
وهذه ليست شيئاً واحداً.
___إيران نموذجاً
من أبرز الأمثلة على ذلك الملف النووي الإيراني.
إسرائيل، وخصوصاً بعض قياداتها السياسية والعسكرية، دأبت منذ سنوات على التحذير من البرنامج النووي الإيراني، وعلى تقديم إيران للرأي العام باعتبارها دولة تقترب من امتلاك السلاح النووي أو تسعى إلى إنتاجه.
وهنا لا ينبغي للكاتب أو الإعلامي الذي يريد الدفاع عن إيران أن يقع في الفخ المقابل، فيبالغ هو الآخر في تصوير القدرات الإيرانية، فيقول مثلاً إن إيران تمتلك بالفعل أسلحة دمار شامل، أو أنها قادرة خلال أيام معدودة على تصنيع قنبلة نووية جاهزة للاستخدام.
مثل هذه العبارات لا تثبت قوة إيران.
بل قد تمنح خصومها مادة سياسية وإعلامية يستندون إليها.
فوجود برنامج نووي متقدم، أو امتلاك خبرات علمية وتقنية، أو امتلاك كميات من المواد المخصبة بدرجات مختلفة، لا يعني تلقائياً امتلاك سلاح نووي جاهز.
والانتقال من المعرفة النووية والتخصيب والقدرة التقنية إلى سلاح نووي عسكري قابل للاستخدام عملية معقدة تتطلب مجموعة من المراحل والتجهيزات والاختبارات والهندسة والقدرات العسكرية المرتبطة بها.
لذلك فإن الحديث عن أن دولة ما تستطيع “صنع قنبلة خلال أسبوع أو عشرة أيام” يحتاج إلى تحديد دقيق لما تعنيه كلمة “صنع”: هل المقصود الوصول إلى كمية معينة من المادة الانشطارية؟
أم تصنيع جهاز نووي كامل؟
أم إنتاج سلاح عسكري موثوق وقابل للاستخدام؟
أم دمجه في وسيلة إيصال؟
الخلط بين هذه المراحل ليس تحليلاً استراتيجياً، بل تبسيط خطير لقضية شديدة التعقيد.
القوة الحقيقية لا تحتاج إلى مبالغات
الدول القوية لا تُقاس بما يقوله أنصارها عنها على وسائل التواصل الاجتماعي.
القوة تُقاس بالقدرات الفعلية، وبالمؤسسات، وبالصناعة، وبالاقتصاد، وبالتكنولوجيا، وبالقدرة على الردع، وبالقدرة على حماية الأمن الوطني وتحمل الحرب الطويلة، وبمدى قدرة الدولة على تحويل إمكاناتها العلمية والعسكرية إلى قوة استراتيجية حقيقية.
ولهذا فإن الدفاع عن أي دولة لا يكون عبر اختراع قدرات لها.
بل يكون عبر عرض قدراتها الحقيقية كما هي، من دون نقصان ومن دون مبالغة.
[فالصدق في التحليل الاستراتيجي ليس ضعفاً
بل هو جزء من القوة].
___من يخدم العدو من حيث لا يدري؟
هنا تظهر مسؤولية الإعلاميين والناشطين والمحللين.
فليس من الصحيح أن نقول إن كل من يضخم قدرات إيران أو غيرها هو بالضرورة عميل لجهة أجنبية.
قد يكون هناك من يعمل فعلاً وفق أجندة سياسية أو إعلامية مرتبطة بجهة خارجية، لكن قد يكون هناك أيضاً من يفعل ذلك بسبب الجهل، أو الحماس، أو الرغبة في إظهار البطولة، أو سوء التقدير، أو عدم فهم طبيعة الحرب الإعلامية.
لكن النتيجة قد تكون واحدة:
تحويل الخطاب المؤيد للدولة إلى مصدر تستخدمه الدعاية المعادية لتأكيد روايتها.
وهنا يصبح السؤال الأهم ليس:
من الذي قال ذلك؟
بل:
من المستفيد من هذا الكلام؟
وكيف يمكن للخصم أن يستخدمه؟
وهذا هو السؤال الذي يجب أن يطرحه كل إعلامي وباحث وناشط قبل نشر أي معلومة عسكرية حساسة أو ادعاء استراتيجي كبير.
[لا تدافع عن وطنك بالكذب عليه]
هناك قاعدة يجب أن يدركها كل من يعمل في الإعلام والسياسة:
( لا تدافع عن وطنك بالكذب عليه، ولا ترفع معنوياته بالمعلومات غير الموثوقة، ولا تحوّل أمنه القومي إلى مادة للاستعراض الإعلامي).
فإذا كانت الدولة تمتلك قوة حقيقية، فعلينا أن نعرضها كما هي.
وإذا كانت لا تمتلك قدرة معينة، فلا ينبغي اختراعها.
وإذا كانت المعلومات غير مؤكدة، فيجب أن نقول إنها غير مؤكدة.
“فالتحليل الاستراتيجي ليس مسابقة في المبالغة، وليس منصة لإثبات البطولة”.
خلاصة القول :
في زمن الحروب الحديثة، قد يكون التصريح غير المسؤول أخطر من الخطأ العابر، لأن الكلمات يمكن أن تتحول إلى وثائق تستخدم في غرف القرار، وفي الحملات الإعلامية، وفي تبرير العقوبات والحروب والضغوط الدولية.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يفعله الإعلامي أو الناشط الذي يزعم الدفاع عن بلده هو أن يقدم للخصم، من حيث لا يدري، الأدلة التي يحتاج إليها العدو لتسويق روايته.
القوة الحقيقية لا تحتاج إلى أساطير.
والدولة القوية لا تحتاج إلى أن يخترع أنصارها لها أسلحة وقدرات غير موجودة.
أما من يتعمد نشر معلومات كاذبة تخدم أجندة العدو، فذلك أمر آخر يستحق المساءلة والبحث.
لكن حتى من يفعل ذلك بحسن نية، عليه أن يدرك أن الجهل في القضايا الاستراتيجية قد يتحول إلى ضرر، وأن المبالغة في قوة الوطن قد تصبح أحياناً خدمة مجانية لمن يريد استهدافه.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل



