
من المواطن إلى الرعية : أين تعثرت فكرة المواطنة في الشرق الأوسط؟
مركز الحداثة الديمقراطية في الشرق الاوسط
تُعدّ المواطنة حجر الأساس في بناء الدولة الديمقراطية الحديثة، فهي الإطار الذي يحدد العلاقة بين الفرد والدولة على أساس الحقوق والواجبات والمساواة أمام القانون، بعيدًا عن الانتماءات الدينية أو الطائفية أو المذهبية أو القبلية أو القومية والمناطقية. فالمواطن في الدولة الديمقراطية ليس تابعًا للسلطة ولا عضوًا في جماعة تبحث له عن الحماية، بل فرد يمتلك حقوقًا أصيلة تلتزم الدولة بصونها، ويشارك في الحياة العامة باعتباره شريكًا في تحديد مستقبل المجتمع. غير أن هذا المفهوم ما زال يواجه في أجزاء واسعة من الشرق الأوسط عقبات بنيوية وسياسية واجتماعية جعلت الانتقال من منطق الرعية إلى منطق المواطنة مسارًا متعثرًا وغير مكتمل.
تاريخيًا، ارتبط مفهوم الرعية بعلاقة عمودية بين الحاكم والمحكوم، حيث يكون الفرد خاضعًا للسلطة أكثر مما يكون شريكًا فيها ، ومع ظهور الدولة الحديثة في المنطقة، تغيرت المؤسسات والأسماء والحدود، لكن بعض أنماط العلاقة القديمة استمرت بأشكال جديدة ، فبدل أن يصبح القانون المرجعية الأساسية التي تنظّم علاقة الأفراد بالدولة، بقي الوصول إلى الحقوق والخدمات والفرص في بعض المجتمعات مرتبطًا بالولاء السياسي أو الانتماء الطائفي أو القبلي أو المناطقي ، وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية: قد يحمل الفرد جنسية الدولة رسميًا، من دون أن يشعر بأنه مواطن كامل الحقوق داخلها.
ولا تكمن المشكلة في وجود الهويات الدينية والطائفية والقبلية والقومية بحد ذاتها. فالتعدد سمة طبيعية في المجتمعات، ويمكن أن يكون مصدرًا للغنى الثقافي والاجتماعي. تبدأ الأزمة عندما تتحول هذه الانتماءات إلى وسائط إلزامية بين الفرد والدولة. حين يحتاج المواطن إلى زعيم طائفته أو قبيلته أو منطقته للحصول على وظيفة أو خدمة أو حماية، تصبح الجماعة أقوى من مؤسسة المواطنة، ويتراجع شعور الفرد بأن حقوقه مستمدة من القانون ، عندها لا يعود السؤال: ما حقي كمواطن؟ ، بل يصبح: من يستطيع أن يضمن لي حقي؟
هذا الواقع ينتج حلقة متبادلة من الضعف ، فكلما ضعفت مؤسسات الدولة، ازداد اعتماد الأفراد على الجماعات الأولية بحثًا عن الأمان والخدمات والتمثيل ، وكلما تعاظمت قوة هذه الجماعات، ازدادت صعوبة بناء مؤسسات عامة محايدة تتعامل مع الجميع على قدم المساواة ، وهكذا تصبح المحاصصة والزبائنية السياسية وسائل لتوزيع الموارد والمناصب، بينما تتراجع الكفاءة وتكافؤ الفرص وسيادة القانون. وفي مثل هذا النظام، قد تُمارس الانتخابات بصورة دورية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة وجود مواطنة ديمقراطية راسخة.
فالديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط ، الانتخابات ضرورية، لكنها لا تكفي إذا كان الناخب يصوّت أساسًا بوصفه عضوًا في طائفة أو قبيلة أو جماعة تخشى الجماعات الأخرى، أو إذا كان وصوله إلى الخدمات مرتبطًا بالولاء لجهة سياسية معينة . الديمقراطية المستقرة تحتاج إلى مواطن مستقل نسبيًا عن شبكات التبعية، قادر على الاختيار والمحاسبة، ومطمئن إلى أن خسارة ممثله السياسي لن تعني خسارة حقوقه الأساسية. عندما تصبح الحقوق ثابتة بصرف النظر عن هوية الحاكم، تتحول المنافسة السياسية من صراع على الحماية والوجود إلى تنافس حول البرامج والسياسات العامة.
وتبرز المساواة أمام القانون باعتبارها الاختبار الأكثر وضوحًا لجدية المواطنة ، فلا معنى للحديث عن مواطنين متساوين إذا كان القانون يطبق بصرامة على الضعفاء ويتراجع أمام أصحاب النفوذ، أو إذا كانت فرص التعليم والعمل والمشاركة السياسية تتأثر بالانتماء أو الجنس أو المنطقة أو الخلفية الاجتماعية. المساواة لا تعني إلغاء الاختلافات بين الناس، وإنما تعني ألا تتحول هذه الاختلافات إلى درجات متفاوتة من الحقوق . الدولة الديمقراطية لا تطلب من الفرد التخلي عن هويته الدينية أو الثقافية، بل تضمن ألا تحدد تلك الهوية قيمة صوته أو حجم حقوقه.
ومن هنا يرتبط بناء المواطنة أيضًا بإعادة النظر في مفهوم الدولة نفسها، فإذا كانت الدولة تُعامل باعتبارها غنيمة تستحوذ عليها الجماعة التي تصل إلى السلطة، فمن الطبيعي أن تخشى بقية الجماعات الإقصاء وأن تتمسك بولاءاتها الخاصة . أما عندما تصبح المؤسسات ملكًا عامًا، وتخضع السلطة للقانون والرقابة والمحاسبة، فإن الحاجة إلى الحماية الطائفية أو القبلية تتراجع تدريجيًا.
بناء المواطنة، إذن، لا يتم بالمواعظ التي تطالب الناس بالتخلي عن انتماءاتهم، بل ببناء دولة تجعل اللجوء إلى تلك الانتماءات للحصول على الحقوق أقل ضرورة.
كذلك لا يمكن فصل المواطنة عن الحقوق السياسية والمدنية والاجتماعية ، فحرية التعبير والتنظيم والمشاركة في اتخاذ القرار تمنح المواطن القدرة على مراقبة السلطة، بينما يضمن التعليم والعمل والخدمات الأساسية حدًا من الاستقلال يسمح له بممارسة اختياراته بعيدًا عن الابتزاز السياسي. وفي المقابل، ترتبط المواطنة بالواجبات أيضًا: احترام القانون، والمساهمة في الشأن العام، وقبول التعدد، واحترام حقوق الآخرين، وتحمل المسؤولية تجاه المجتمع. إنها علاقة متبادلة، وليست مجرد قائمة مطالب يقدمها الفرد للدولة.
يبقى السؤال الأساسي: هل يمكن بناء ديمقراطية مستقرة من دون إعادة تعريف المواطنة على أساس الحقوق والواجبات والمساواة أمام القانون؟ التجارب السياسية تشير إلى أن ذلك بالغ الصعوبة ، فالديمقراطية التي تقوم فوق مجتمع منقسم إلى جماعات تبحث كل منها عن حصتها وحمايتها قد تتحول بسهولة إلى إدارة للتوازنات بدل أن تكون حكمًا للمواطنين. ويمكن للمؤسسات الانتخابية أن تستمر، لكن الاستقرار الديمقراطي الحقيقي يحتاج إلى قاعدة أعمق: شعور مشترك بأن الجميع متساوون في الانتماء إلى الدولة مهما اختلفت هوياتهم.
لذلك فإن أزمة المواطنة في الشرق الأوسط ليست أزمة تعريف لغوي أو قانوني فحسب، بل أزمة في بنية السلطة والمؤسسات والثقافة السياسية. والانتقال من الرعية إلى المواطن يتطلب دولة قانون لا دولة ولاءات، ومؤسسات لا امتيازات، وحقوقًا لا مِنحًا، ومحاسبة لا حصانات . لا ينبغي أن يكون المطلوب إلغاء الطائفة أو القبيلة أو القومية أو المنطقة من حياة الإنسان، بل منعها من أن تصبح شرطًا للوصول إلى حق يفترض أنه مكفول للجميع . عندها فقط يمكن للفرد أن يقف أمام الدولة لا طالبًا للحماية من زعيم أو جماعة، بل مواطنًا يعرف حقوقه، يؤدي واجباته، ويشارك على قدم المساواة في صناعة مستقبل بلاده.
Author
admin
من الخيام إلى هرمز: حربٌ تريد أن تُعيد ترتيب الإقليم بالنار، وصفقةٌ لا تولد إلا على حافة الهاوية
أ . سوسن شومان – المرأة والقيادة المحلية في البلديات الديمقراطية
العميد د. بهاء حلال – الذكاء الاصطناعي بين إنتاج المعرفة وإعادة هندسة الاستبداد
حرب حلب اختبار سوريا الجديدة: المواطنة ضد الغلبة
الهوية والوصاية : الثقافة أولها قبول الاختلاف
سوسن شومان

الأستاذة سوسن شومان ناشطة حقوقية ومنسقة لغة فرنسية إضافة إلى أنها ناطقة باسم مبادرة نون ومدربة وعي قانوني مع جمعية عدل بلا حدود.



