
إيران ولبنان، دعمٌ صمد أمام الفيتو، وغربالٌ كشف المتحولين.
منذ عقود والجمهورية الإسلامية الإيرانية تتعامل مع لبنان بمنطق مختلف عن منطق الوصاية الذي أعتدناه من قوى كبرى. العلاقة لم تكن يوماً علاقة تابع بمتبوع، بل كانت تقوم على دعم خيار المقاومة في مواجهة الأحتلال، وعلى تقديم يد العون للدولة اللبنانية كلما فتحت الأبواب.
قدمت إيران مراراً عروضاً واضحة للدولة اللبنانية. محطات كهرباء، وقود، مستشفيات، جامعات، وخبرات صناعية وزراعية دون شروط مسبقة أو قروض مدفوعة لاحقا”. لكن كل ذلك كان يصطدم بحائط واحد، الفيتو الأميركي.
واشنطن لم تكن تمانع فقط، بل كانت تربط أي مساعدة لبنانية بموافقتها السياسية. وهنا كان يظهر الخلل الثاني، ضعف القرار القيادي اللبناني. فبدل أن تتعامل الدولة مع العروض الإيرانية كخيارات إنقاذ في أزمات خانقة، أختارت الأنتظار والمساومة، حتى ضاعت الفرص وبقي الشعب يدفع الثمن.
على عكس ما تسوقه أبواق الفتنة، لم تسجل طهران يوماً تدخلاً مباشراً في تشكيل الحكومات اللبنانية أو في الأنتخابات أو في تعيينات الدولة. لم نرَ سفيراً إيرانياً يملي أسماء وزراء أو يهدد بعقوبات علناً من على منابر بيروت.
المقارنة تصبح فاضحة عندما ننظر إلى سفراء أميركا المتعاقبين في لبنان. منهم من كان يدير إجتماعات الكتل، ومنهم من كان يوزع (الفيتوات) على الأسماء، ومنهم من كان يربط المساعدات بمواقف سياسية محددة. التدخل الأميركي كان ولا يزال تدخلاً في صلب السيادة، بينما كان الدور الإيراني يتم عبر دعم خيار سياسي مقاوم أتخذه اللبنانيون بأنفسهم.
خلال السنوات الماضية قدمت إيران دعماً كبيراً لشخصيات حزبية وإعلامية وإجتماعية، باعتبارهم حاملين لخط المقاومة والدولة. لكن حرب الإسناد الأخيرة كانت كالغربال.
سقط منها من كانوا يرفعون الشعارات وقت الرخاء، ويقبضون الدعم ويبنون حضورهم على ظهر المقاومة. مع أول أختبار جدي، بدلوا مواقفهم، وهاجموا، وساومو، واختاروا لغة (النأي) و(الحياد) التي تعني عملياً التخلي.
تبين أن هؤلاء لم يكونوا أصحاب مبدأ ولا أنتماء، بل أصحاب مصالح. لم يكن ولاؤهم لفكرة، بل لما تدره الفكرة عليهم. وما إن ضاقت الحال، وتصاعد الضغط على إيران والمقاومة حتى انكشفوا.
ما قدمته إيران للبنان لم يكن مشروع هيمنة، بل كان مشروع صمود. مشروع قال للبنانيين لديكم خيار آخر غير الأستجداء والإملاءات.
نعم، هناك تقصير لبناني في أستثمار هذا الدعم بسبب الفيتو الخارجي وضعف الداخل. ونعم، الحرب كشفت المعدن الحقيقي لكثيرين.
لكن الثابت أن طهران لم تتعامل مع لبنان كساحة نفوذ، بل كدولة ذات سيادة تستحق أن تُدعم في خياراتها الوطنية، عكس نموذج التدخل السافر الذي تمارسه عواصم أخرى عبر سفرائها.
اليوم نحن في معركة مصيرية مع العدو، والمعركة لم تنتهي بعد، والقادم من الأيام سوف يثبت للجميع بأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تعمل لأجل لبنان وسوف تفرض شروطها للحفاظ على السيادة وإطلاق الأسرى ،وإنسحاب العدو، وعلى هذه السلطة أن توقف ليس فقط التفاوض مع العدو بل عليها أن توقف العداء مع إيران وأن تعلم بأن عدونا واحد وهو هذا الكيان الغاصب.
نحن في أختبار كبير وهذه الحرب كشفت الكثيرين. فالوفاء لا يُشترى، والأنتماء لا يُستأجر. والغربال أثبت من بقي، ومن سقط.
نضال عيسى



