
روسيا تواجه الغرب في اوكرانيا، وايران تتصدى لاميركا في الخليج!
بعد أن اشتد سعير الحرب في الآونة الأخيرة بين روسيا واوكرانيا، يبدو ان الولايات المتحدة ودول الاتحاد الاوروبي مصرة على الاستمرار في دعم كييف ماديا ولوجستيا وعسكريا،لاستنزاف روسيا والحاق الهزيمة بها. موسكو من جهتها مصممة على عدم التراجع في عملياتها العسكرية في اوكرانيا قبل تحقيق اهدافها،
وحمل اوكرانيا على القبول بشروطها.
الحرب التي تتصاعد وتستعر، حرب استنزاف شرسة من قبل الطرفين، ما يجعل روسيا على المحك،وامام وضع معقد يحتم عليها استخدام سلاح مدمر غير تقليدي
لحسم الصراع، ووضع اوكرانيا وداعميها من دول الحلف الاطلسي (الناتو) امام الأمر الواقع_ ولا اعني هنا استخدام موسكو للسلاح النووي_.
ترامب يخوض معركته على جبهتين: جبهة اوكرانيا وجبهة ايران ومضيقها هرمز، بعد ان حسم الأمر في فنزويلا وخطف رئيسها، ووضع يده على نفطها، غير عابئ بالقوانين الدولية وبمبادئ الأمم المتحدة.
اوكرانيا وايران هدف ترامب الاستراتيجي للقبض عليهما، نظرا لأهمية، ودور، وتأثير روسيا في اوروبا، ودور وأهمية ايران وتأثيرها ونفوذها في غربي آسيا.
بعد دخول الحرب الاوكرانية عامها السادس
،إلى أي حد يمكن ان يصل اليه الطرفان الروسي والاوكراني قبل ان يصبح ثمن الاستمرار في الحرب اكبر من ثمن التسوية، طالما انه حتى اليوم، لا تبدو الحرب قريبة من حسم عسكري واضح لصالح طرف من طرفي الحرب،فيما القتال والضربات العسكرية بعيدة المدى تتصاعد بين الجانبين؟
إذا كانت الحرب مكلفة جدا لروسيا، فان موسكو استطاعت خلال سنوات الحرب الماضية،
ان تحافظ على اقتصاد الحرب وتنتج كميات كبيرة من الاسلحة المتنوعة الدقيقة لتغذية عملياتها العسكرية، فيما اوكرانيا تعاني مشكلة حساسة في البشر، والدفاع الجوي،والاعتماد المستمر على الدعم النوعي للولايات المتحدة وحلفائها في اوروبا ، ما مكنها من ضرب العمق الروسي بشكل كبير، مستهدفة مناطق روسية وبنى تحتية، ونفطية، وصناعية وعسكرية، ما جعل روسيا غير قادرة على ابقاء الحرب بعيدة عنها.
هنا بطرح السؤال: إلى أين ستقود حرب الاستنزاف والتصعيد العنيف المتبادل بين موسكو وكييف، وهل ستتغير موازين القوى تدريجيا، بحيث يضطر طرف من الطرفين تقديم تنازلات دون انهيار كامل لأحدهما؟! الخطر الكبير يتمثل في تصاعد سلسلة الضربات الشديدة المتبادلة التي تراها كل من روسيا واوكرانيا على انها ضرورية، والتي قد تصل الى نقطة لا يستطيع أحد منهما التراجع، خاصة إذا رأت القيادة الروسية أن هناك نهديدا وجوديا للدولة والنظام، يخرج عن دائرة حرب الاستنزاف، لأن روسيا لا تستطيع مطلقا تحمل الضربات التصعيدية على المدى الطويل التي تطال موسكو، نظرا لما لها من تأثير وتداعيات معنوية
سلبية على مكانة وهيبة روسيا وسمعنها، مما يولد حالة شعبية لا تخدم النظام الروسي.إذ أنه في يومي 16 و17 آب/ أغسطس الماضيين تعرضت منطقة موسكو لموجات ضخمة غير معتادة من المسيرات الاوكرانية، حيث كان الهجوم من أكبر الهجمات على موسكو منذ بداية الحرب، والتي استهدفت منشآت النفط واللوجستيات الروسية، تاركة وراءها تداعياتها السلبية داخل الحياة اليومية الروسية.
اوكرانيا المدعومة بالكامل من الغرب، لن تكتفي باستهداف منشآت عسكرية روسية فقط، وآنما ايضا البنى اللوجستية والاقتصادية الحيوية بهدف رفع تكلفة الحرب لروسيا, وإحداث ضغط نفسي واجتماعي على الشعب الروسي.لكن روسيا لن تقبل مطلقا ان تجعلها اوكرانيا مسرحا دائما للحرب ، وهذا يعني أن روسيا ستقوم بضربات موجعة اوسع تستهدف البنى التحتية الاوكرانية، كشبكات الطاقة والنقل، ومراكز القيادة العسكرية، والعمليات السبرانية التخريبية، وعند الضرورة استهداف مصالح بصورة غير مباشرة لدول اوروبية، داعمة بشكل سافر لاوكرانيا في حربها مع روسيا.
إذا ما رأت روسيا أنها في وضع عسكري حرج، ولا يمكن لها بالتالي ان تستمر بحرب استنزاف مدعومة كليا من الغرب، لا أفق نهاية لها، فما الذي يمكن ان تلجأ اليه لوضع حد للحرب ، غير تكثيف هجوم واسع على اوكرانيا, واستنزاف جيشها لحملها على القبول بشروط موسكو، لا سيما وأن الضربات داخل روسيا بدأت تتحول من ازعاج عسكري الى ازمة اقتصادية واجتماعية حادة ومستمرة، نتيجة نقص الوقود، وتعطيل المطارات، وأضرار في المصافي وغير ذلك من المرافق الحيوية.
إذا كانت موسكو حتى اللحظة، تتحمل الضربات المؤلمة وتحتويها بعد أن كثفت اوكرانيا من هجماتها الضخمة بالمسيرات على موسكو ومناطق روسية أخرى، إلا أنها زادت من ضرباتها الصاروخية يوم 18 آب/اغسطس كرد على ما قامت به اوكرانيا، والتي كانت من أكبر موجات التصعيد الجوي الروسي منذ بداية الحرب عام 2022. هل تستطيع موسكو بترسانتها الصاروخية المدمرة إكراه كييف على الاستسلام بهذه الطريقة، خاصة وأن اوكرانيا تعمل حاليا على تطوير صواريخ باليستية محلية قادرة على ضرب موسكو، مما يحقق توازنا في الردع، ويضع البلدين امام سباق تصعيد تكنولوجي عسكري؟ يبدو واضحا أن قدرة روسيا على التحمل أكبر من قدرة اوكرانيا، وإن كان وراءها الغرب، فعندما تصل القيادة الاوكرانية الى قناعة تستنتج منها أن تكلفة الاستمرار في الحرب، أصبح اقسى من تكلفة قبول تسوية مؤلمة لها، عندها سترى كييف نفسها مكرهة على التفاوض مع موسكو، كونها اصبحت في وضع خطير لا يمكن تحمله على المدى الطويل.لكن هل مسموح لروسيا تدمير قدرة اوكرانيا على مواصلة الحرب،او فرض شروطها عليها، دون أن يؤدي ذلك الى تدخل الغرب، او الى مواجهة بين روسيا وحلف الناتو؟! إذا كانت روسيا متواجدة في ميدان اوكرانيا، فإن الولايات اامتحدة واوروبا وحلفهما الناتو هم ايضا متواجدون بصورة غير مباشرة في الميدان الاوكراني،وإذا استطاعت روسيا تدمير قدرات اوكرانيا على مواصلة الحرب دون ان يؤدي ذلك الى تدخل الغرب، عندئذ ستتمكن من حمل اوكرانيا عاى القبول بالشروط الروسية
، وإذا فشلت في ذلك،
فإن حرب الاستنزاف ستستمر ، ومستوى التدمير بين الطرفين سيكون أعلى بكثير. هذا ما ستبينه الاشهر القادمة لجهة تحول الحرب الدائرة حاليا من خطوط الجبهة الى ضرب العمق الاقتصادي,والعسكري, والبنيوي من قبل الطرفين. لكن لا يمكن لروسيا بأي حال من الاحوال أن تقبل بهزيمتها في اوكرانيا،
نظرا لتداعياتها الخطيرة مستقبلا على الامن القومي الروسي، وعلى مكانة روسيا في العالم،
وعلى سيادتها ووحدة اراضيها، لذلك ستستمر موسكو في عملياتها العسكرية المكثفة حتى تحقيق اهدافها، وإن اضطرت للذهاب بعيدا في خيارات حربها. لذلك لوح الرئيس الروسي بوتين بالسلاح النووي، وقام بتعديل العقيدة النووية الروسية بعد توقيعها رسميا في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2024.هذا التعديل يوسع الحالات التي يمكن فيها التفكير باستخدام السلاح النووي ردا على هجوم تقليدي يهدد بصورة خطيرة سيادة روسيا او بيلاروسيا.عقيدة موسكو النووية الجديدة تعتبر أن هجوم دولة غير نووية على روسيا ، مدعومة من دولة نووية، يعتبر ” هجوما مشتركا” عليها. جاء هذا التعديل ليكون بمثابة رسالة واضحة للولاياتالمتحدة ودول الناتو إذا ما تجاوزوا الخطوط الحمراء في الحرب الروسية الاوكرانية،أو انخراطوا فيها لتغيير طبيعة الصراع جذريا.
إذا كان السلاح النووي لن يستخدم تلقائيا، إلا أنه سيكون حاجزا نفسيا وسياسيا امام الغرب إذا ما فكر يوما في ارسال قوات قتالية تابعة للناتو للمشاركة في الحرب الاوكرانية بصورة مباشرة، مما يجعل العقيدة النووية الجديدة لبوتين تحدث انقساما داخل المعسكر الغربي، وتضبط ايقاعه إزاء اي مخاطرة او مغامرة عسكرية قد يقوم بها ضد روسيا في اوكرانيا. هنا اصبحت الحرب الاوكرانية أخطر بكثير من مجرد حرب بين دولتين،لأنها ستصبح اختبارا لحدود الردع النووي بين روسيا والغرب.
عاجلا ام آجلا ستنتهي الحرب، لكن من الذي سيتقبل الهزيمة في نهاية المطاف، خاصة وأن الصراع الفعلي في اوكرانيا يدور بين روسيا من جهة،والغرب المتمثل بالولايات المتحدة من جهة اخرى، ولو كان غير ذلك لانتهت الحرب منذ سنوات بتحقيق روسيا اهدافها.
في اوكرانيا تستنزف الولايات المتحدة وحلفاؤها روسيا عسكريا واقتصاديا، كما تحاصر ايران وتمارس أشرس انواع الضغط الافتصادي والتجاري والمالي عليها. هدف واشنطن واضخ على الجبهتين الاوروبية والشرق اوسطية: تركيع روسيا، واستسلام ايران وانهاء دورها وحضورها في المنطقة، ومن ثم إحكام سيطرة واشنطن وتعزيز نفوذها في اوروبا وفي الشرق الاوسط.
وحده صمود موسكو وطهران يحبط سياسات اميركا، ويفشل اهداف ترامب في اوروبا وغربي آسيا، فليس من خيار امام موسكو وطهران سوى الصمود ، ولا مجال امامهما للتراجع، وإن كان الثمن الباهظ لا بد من دفعه لصون الامن القومي،والحفاظ على الوطن وقراره السيادي المستقل،ووحدة ارضه وشعبه !
د. عدنان منصور



