كتب سليم الخراط

 

ويسالوني الكثيرين لماذا فلسطين ما تهمني دائما ومحور كتاباتي واهتمامي ..!!؟؟

 

فلسطين هي كل القضية وام كل القضايا، ومفصل كل التحولات في العالم كانت وستبقى للابد ليوم الدين .. لم لا يريدون أن يفهموا ..!!

 

فلسطين باقية قلعة الصمود الابدي لتاريخ نضال مستمر ..

لكن متى سننتصر نحن أمة العروبة والإسلام لفلسطين .. !!؟؟

 

تبنى القياديون الفلسطينيون على مرّ العقود رؤية تحررية لدولة فلسطينية واحدة، يتمتّع مواطنيها بحقوق متساوية بغض النظر عن خلفيتهم، من النهر إلى البحر ..، وكم نحن بحاجة اليوم للعودة إلى هذا الطرح الفلسطيني التاريخي، ليس فقط لمواجهة طرح الدولتين، بل أيضًا لمواجهة طروحات مساوِمة تستخدم عنوان “الدولة الواحدة” لتدس السم في العسل، كثنائية القومية ونيل حقوق متساوية ضمن “إسرائيل” وغيرها ..، لذا، تعمل مبادرة الدولة الديمقراطية الواحدة على إعادة إحياء طرح الدولة الفلسطينية الديمقراطية الواحدة، وتدعوكم للمساهمة في جهودها هذه .. .

مما قاله قادة وطنيون .. لكن .. لم يتفقوا وحدة الموقف والقرار حتى اليوم ..!!؟

موضوع الدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة له بعد استراتيجي ومستقبلي ..!!، هو مطروح منذ سنوات طويلة، منذ بداية السبعينات، في إطار فصائل المقاومة الفلسطينية .

الآن يتجدد هذا الحوار وهذا شيء مهم ..”، صلاح صلاح، أحد مؤسسي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين .. .

 

الاهم والمميز في رؤية القضية الفلسطينية هو أن الدولة الديمقراطية العلمانية، هي الحل الوحيد للصراع بيننا وبين الإسرائيليين .. فالعرب واليهود سبق لهم أن عاشوا معًا على مر التاريخ، لكن الإمبريالية هي التي استخدمت اليهود في العالم من أجل تحقيق أغراضها ومصالحها” جورج حبش، أحد مؤسسي حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين .. .

 

نحن لا نتكلم عن إبادة كما تحاول أن تسوق الرواية الإسرائيلية، نتكلم عن دولة فلسطينية، من يحب أن يكون مواطنا في هذه الدولة، بغض النظر عن دينه، أهلا وسهلا” .. والكلام لأسامة حمدان، قيادي في حركة حماس .. .

 

لماذا لا يسأل أحد عن دولة واحدة يتمتع فيها جميع المواطنين بنفس الحقوق ..!!؟

مشكلتنا ليست مع اليهود، بل مع الظلم ..، نحن لا نعارض وجود اليهود بيننا في المنطقة بل هيمنتهم وهو ما أتى من قول ل” محمد الهندي، قيادي في الجهاد الإسلامي الفلسطيني .. .

 

ينبغي مقابلة شعار دولة اليهود القومية بشعار الدولة الفلسطينية الديمقراطية العلمانية بمضمونها المؤهل لحل تناقضات عملية الصراع في فلسطين، وفق منطق ديمقراطي عصري تقدّمي وإنساني، ويجسد مقولة الحل العادل والشامل والدائم، ويهدف إلى تحرير اليهود والعرب الفلسطينيين في آن واحد” .. والكلام الكبير بحجم الكبار لأحمد سعدات، أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين .. .

 

الحلّ يقوم على إزالة الكيان الصهيوني .. وإنشاء دولة فلسطينية ديمقراطية شعبية، يعيش فيها العرب واليهود دون تمييز” وهو ما ردده شعارا نايف حواتمة، أمين عام الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين .. .

 

نريد إقامة ديمقراطية يتمتّع فيها الجميع بنفس الحقوق والواجبات .. نريد إقامتها مع الناس الموجودون هناك، مع الإسرائيليين .. هذا هو الحلّ الديمقراطي والإنساني .. الجهادية المقاومة ” ليلى خالد، مقاومة وعضو في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين .. .

 

الحل الدولة الواحدة تحت عنوان “فلسطين ديمقراطية واحدة” لكل من يوافق على العيش فيها من عرب ويهود الممكن والمستحيل في آن معا ل” رجا اغبارية، أمين عام سابق لحركة أبناء البلد .. .

 

إن حل الدولة الواحدة هو الحل الصحيح، دولة فلسطينية لكل مواطنيها، عرب وعجم، مسلمين ومسيحيين ويهود بلا تفرقة، وألا تكون المواطنة على أساس الدين بل على أساس المساكنة والعيش على الأرض الواحدة، و هو ما أراد التكلم به موسى أبو مرزوق، قيادي في حركة حماس .. .

 

لن أقبل أبداً، تحت أي ظرف من الظروف، بوجود دولة إسرائيل .. لا مشكلة لدي في العيش مع الشعب اليهودي .. لقد عشنا معًا في سلام لقرون .. وإذا سألني نتنياهو عما إذا كان بإمكاننا العيش معًا في دولة واحدة، فسأقول له : “إذا كان لنا نفس الحقوق التي يتمتع بها اليهود في القدوم إلى كل فلسطين .. إذا كان بإمكان خالد مشعل ورمضان شلاح القدوم متى شاءوا، وزيارة حيفا، وشراء منزل في هرتسليا إذا أرادوا، فعندئذ يمكننا أن نتحدث بلغة جديدة، ويصبح الحوار ممكنًا .. وهو ما قاله رمضان شلح، قيادي في الجهاد الإسلامي الفلسطيني .. .

 

لكن كان وسيبقى هدف حركة المقاومة الفلسطينية تحرير اليهود من الصهيونية والعرب من الرجعيين وإقامة فلسطين اشتراكية ديمقراطية ..، دولة ومجتمع يتساوى فيه الجميع بغض النظر عن خلفياتهم الدينيّة أو العرقيّة أو الطبقيّة وهو الكلام الفصل للكاتب والمناضل الكبير غسان كنفاني، قيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين .. !! .

 

لكن صدقوا أنها ستبقى قضية فلسطين قضية الماضي والحاضر والمستقبل عنوان كل التحولات في العالم أجمع، ولن يستريح العالم إن لم يحقق حلا عادلا لشعب فلسطين ..!!

مختصرا يشرح لمن لا يفهم ولا يريد أن يفهم ولا يهمه أن يفهم إلا عيش يومه وهو لا يمتلك إرادة لأكثر من ذلك ..!!؟

 

قصة كل القضية الفلسطينية لمن لايقراون ولا يريدون أن يفهموا القضية وان يتجاهلوها وهي التي تتلخص في ذكرى رحيل واستشهاد ناجي العلي ..!!

 

في مقبرة «بروك وود» الإسلاميّة في لندن، هناك قبر بلا شاهدة، يحمل الرقم (٢٣٠١٩٠) تعرفه من العلم الفلسطيني، هنا يرقد ناجي العلي بعيداً عن عين الحلوة، كان الرجل يسير إلى قدره بهدوء وصفاء مخيف، وحين وجّهت إليه فوهة المسدس في حي تشلسي وسط لندن، وجد معه رسمان أحدهما يحدس بموته الوشيك ..

الجريمة هي نقطة الذروة في مأساة بدأت عام ١٩٤٨، حين هجّر مع عائلته، وأزيلت قريته من الخريطة ..

تقع «الشجرة» شمالي فلسطين، بين طبريا والناصرة، في مكان غير بعيد أبصر النور عيسى الناصري، وتحت إحدى شجرات القرية استظل، وفي البحيرة المجاورة مشى على الماء، ومن هنا سيبدأ ناجي درب الجلجلة، تقول الأسطورة إنّه كان في العاشرة عند النكبة، ولعلّ الزمن سيتوقف عند هذا العمر، عمر حنظلة صنوه وقرينه، مخيّم عين الحلوة سيختصر الوطن بل العالم بالنسبة إليه، سيرته معروفة .. من مدرسة «اتحاد الكنائس المسيحيّة» حيث توقفت دراسته عند “السرتيفيكا”، إلى حقول الحمضيّات حيث صار عاملاً مياوماً .. قبل أن يمضي إلى مدرسة الرهبان البيض في القبّة (شمالي لبنان) ليصبح «ميكانيكيّاً»، ويذهب الى السعوديّة (١٩٥٧) هذا هو نصيبه من التحصيل العلمي، يضاف إليه محاولة لدراسة الرسم في «الأكاديميّة اللبنانيّة» مطلع الستينات، محاولة عابرة، لأن نشاطاته السياسة كانت تقوده إلى السجن، يروي أنّه اتخذ جدران اعتقاله داخل ثكنات الجيش، فضاءً لرسومه، كما كان يفعل على جدران المخيّم، مدرسته الحقيقية، من أزقّته سينظر طوال حياته إلى العالم، كأنّنا به كان دائم الحرص على توريط نفسه، مخافة أن يغريه الترف الاستهلاكي .. فيخون طبقته .

وفي المخيّم سيكتشفه غسان كنفاني عام ١٩٦١، فاتحاً أمامه آفاقاً جديدة، حين سافر إلى الكويت بعدها بعامين، كان في نيته أن يجمع فلوساً ليتابع دراسة الفن في روما أو القاهرة، كما روى للأديبة رضوى عاشور عام ١٩٨٤، لكنّه سيعلق نهائيّاً في فخ الصحافة، في مجلّة «الطليعة» التي كانت محدودة الانتشار، تمكّن من اختبار رسومه المغايرة .. معلناً القطيعة، كما يلاحظ محيي الدين اللباد، مع مدرسة «صباح الخير» المصريّة التي كانت تتزعّم الكاريكاتور العربي، في جريدة «السياسة» الكويتيّة ابتداء من ١٩٦٨، صار الكاريكاتور وسيلة تعبيره الوحيدة، أما اللوحة فستبقى مثل فلسطين حلمه المؤجّل، هنا أطلّ «حنظلة» للمرّة الأولى، اعتبر ناجي أن ولادته الرسميّة هي يوم النكسة، وقدّمه بصفته الضمير .. الطوطم والبوصلة إذا شئنا، ناجي الذي لم يكبر بعد النكبة، والقهر الفلسطيني صار مجازاً لقهر الكادحين والمسحوقين والولد الشقي راح كل صباح ينتهرنا على طريقة فيلهالم رايخ : «استمع أيها الرجل الصغير» ..

حين عاد ناجي إلى بيروت عشيّة الحرب الأهليّة، ليعمل في جريدة «السفير»، كان أسلوبه قد نضج وتبلور، وبات مهيأً لدخول أتون الصراع الطاحن ومعادلاته الصعبة، وصولاً إلى الاجتياح الإسرائيلي (١٩٨٢)، وما تلاه من خروج المقاومة، يومها رسم الفدائي عائداً إلى بيروت على شكل بقع مرقطة طافية على الماء، ذهب ناجي العلي إلى الأسلبة والتكثيف، خطوط قليلة تكفي ، ملامح أولية، وعلامات فارقة : المؤخّرات العارية للحكام الخونة المتخمين، والرقع على قميص المواطن العربي، الكوفيّة وبرميل النفط، البندقيّة والريشة الدامعة، وأشياء كثيرة أخر ..

فاطمة المتمرّدة هي «الأم كوراج»، زوجها ابن الشعب بثيابه الرثّة وأطرافه الغليظة وشاربيه وانكساره، وفي المقابل أصحاب الكروش التي تذكر برسوم جورج غروس في برلين الثلاثينات، رسم الحاكم العربي يربت على كتف الجندي الإسرائيلي :

«لقد اغتصبت فلسطين، الآن عليك أن تزوجها» ..!!

رسم الكاتب العربي رافعاً يديه تحت تهديد السلاح، ومسدداً إصبعه الوسطى على شكل قلم إلى جنود الأنظمة القمعيّة، رسم آثار الأقدام الحافية على الطريق الطويل، ورسم حنظلة ينزل العلم الإسرائيلي ويعلّق مكانه العلم اللبناني، من أجل إيصال الفكرة، ابتكر ما سمّاه اللباد «المفردات المرسومة» .. وأوجد المعادلات البصريّة، القادرة على مخاطبة وعي الناس، والتأثير في مشاعرهم، لعب على العلاقة بين البياض والسواد والظلال الرمادية، أحياناً كان يكتب جملاً طويلة في المستطيل الأبيض، وأحياناً أخرى يترك للخطوط أن تعبّر عن سخرية الموقف، كان ينتزع من قرّائه آهات متحسّرة، وكان يستفزّهم ويحرّضهم، ويبدو الفنان السوري يوسف عبدلكي محقاً حين يحاول تفسير نجاح ناجي العلي الذي افتقر أسلوبه إلى المتانة الفنية : لقد كان ببساطة الناطق باسم الشارع العربي من المحيط إلى الخليج، حين نستعيد اليوم رسومه، نكتشف كم كانت قسوته المرّة صائبة، في حين رأى بعضهم في الحدّة التي طبعت مرحلته الأخيرة غلوّاً وتطرفاً، أو رومانسية عمياء قاصرة عن استيعاب الواقعيّة السياسية ..!! .

ناجي العلي يمكن اختصاره إلى خياراته الراديكاليّة، إنّه جان بول مارا الفلسطيني، وفي السنوات الأخيرة بعد خروجه من لبنان، ازداد عنفه إزاء القيادة الفلسطينية، انتهر محمود درويش في رسم قاسٍ «محمود خيبتنا الأخيرة»، وكان رسمه الشهير عن رشيدة مهران الذي أغضب كما يقال الرئيس عرفات، في أيامه الأخيرة تلقّى ضغوطاً وتهديدات كثيرة، بعد سقوطه كتب محمود درويش نصاً مؤثراً في «اليوم السابع» من باريس، يقول فيه حبّه لناجي، رغم «لحظة الاختلاف العائلي العابرة» : «لم يكن سهلاً أن أشرح له أن تدخلنا في أزمة الوعي الإسرائيلي ليس تخلياً عن شيء مقدّس (…) إنها محاولة لاختراق جبهة الأعداء» .

يبقى سؤال موجع : من القاتل ..!!؟ قبل 5 سنوات كتب يوسف عبدلكي في «العربي» مشيراً إلى الأسماء الثلاثة التي وردت في تحقيقات الأمن البريطاني حول الجريمة : بشارة سمارة عميل موساد كان على علم بالعمليّة : استردّته إسرائيل ..

إسماعيل حسن صوّان، عميل للموساد اخترق «القوة ١٧» الفلسطينية، حوكم لحيازته أسلحة فقط .. أما عبد الرحيم مصطفى، مطلق النار المفترض، فاختفى بين مكاتب منظمة التحرير .. وسط صمت أشبه بالتواطؤ من جانب الأطراف البريطانيّة والفلسطينية والإسرائيلية ..

كان للجميع مصلحة في كسر ريشة ناجي ..

لكن من يقتل حنظلة، من يمحو آثار الأقدام الحافية عن الطريق الطويل ..!!؟

عند الخامسة والربع من بعد ظهر الأربعاء 22 تموز/ يوليو 1987، ترجل ناجي العلي من سيارته وراح يعبر شارع ايفز في وسط لندن حيث تقع مكاتب «القبس ــ الدولية».

من النافذة لمح أحد زملائه المشهد .. كل شيء تم بسرعة .. لحظات وكان ناجي ملقى على الأرض وسط بقعة من الدم، بيده اليمني مفاتيح سيارته ويتأبط تحت ذراعه اليسرى رسوم يومه .. وشوهد شاب شعره أسود كثيف يرتدي سترة جينز لونها أزرق يلوذ بالفرار .. نقل ناجي في حالة غيبوبة إلى غرفة العناية الفائقة في مستشفى سانت ستيفنز ، وفي اليوم التالي نقل إلى مستشفى تشارنغ كروس، حيث بقي على هذه الحال حتى انطفائه في ٢٩ آب/ أغسطس .. وكان الرحيل الابدي لمناضل وطني فلسطي ليبقى خالدا واقعا وحقيقة لا تنتهي ..!! .

عاشق الوطن ..

د. سليم الخراط

دمشق اليوم ٣١ آب ٢٠٢٦.

شارك