عندما تتحوّل الجغرافيا إلى سلاح

 

مركز إنشاء للمعلومات

رئيس التحرير

 

كشفت الحرب ضدّ إيران حجم القوّة التي تملكها طهران، ومعها حجم الدمار الذي تستطيع الولايات المتّحدة الأميركيّة وإسرائيل إلحاقه بها، كما ظهرت الفجوة المتزايدة بين القدرة على توجيه الضربة والقدرة على التحكّم في نتائجها، وهنا تستطيع القوّة العظمى أن تصل إلى أهداف خصمها، بتدمير منشآته وضرب بنيته العسكريّة، من دون أن يعني أنّها تستطيع التحكّم في سلوك الخصم، أو حماية النظام الإقتصاديّ الذي قد يتأثّر بالحرب، أو تحديد شكل المنطقة وترتيبها بعد توقّف القتال، فماذا كشفت هذه الحرب عن طبيعة القوّة في العالم الجديد..؟

 

خلال فترة قصيرة من العام 1990، تمكّنت الولايات المتّحدة من تدمير كل قدرات العراق العسكرية وحرَّرت الكويت، فترسّخت قناعة بأنّها تستطيع إستخدام قوّتها العسكريّة لفرض نتائج واضحة، بحيث أنّ خصومها لا يملكون سوى خيارات محدودة أمام هذا التفوّق، وهنا لم تكن أهميّة تلك الحرب في إنتصارها العسكري، بل في الثقة التي أنتجتها لدى الدول والأسواق والتجارة العالمية، بأنّ الولايات المتّحدة قادرة على حماية النظام العالميّ الذي نشأ بعد الحرب الباردة.

 

هذا العالم الذي إستفاد من تلك القوّة التغييرية، ليس هو اليوم نفسه، فجزء من هذا التغيير جاء من العولمة نفسها، عبر إنتشار التجارة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد العالميّة، بنقل الثروة والمعرفة وأدوات كانت في السابق محصورة في الدول الكبرى، إذ أصبحت الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة وأنظمة الإستشعار والإتّصالات الإلكترونيّة أكثر إنتشاراً وأقلّ كلفة، وهو ما سمح لدول ضعيفة وصاعدة، وكذلك لجهات من غير الدول، إمتلاك وسائل تستطيع إلحاق الأضرار، قد لا يتناسب مع حجمها العسكريّ، وهنا ليس المطلوب من الطرف الأضعف منافسة الولايات المتّحدة في قوتها العسكرية، فيكفي إمتلاك قدرة محدودة على إستهداف نقطة حسّاسة أو تعطيل ممرّ حيويّ أو رفع تكلفة الحماية، وبالمناسبة هنا، شكلت إيران أهميّة بوصفها مثالاً على التحوّل، فهي لا تحتاج لإمتلاك القوّة العسكريّة لتضاهي الولايات المتّحدة وتجعل الحرب معها مكلفة ومعقّدة، بل يكفي أن تكون لديها القدرة على التأثير في بيئة أوسع، وتجعل خصومها يفكّرون في تداعيات أيّ ضربة على الملاحة والطاقة والأسواق والقواعد والمنشآت والبنية التحتيّة.

 

واليوم، ينقسم مشهد المنطقة ويتوضح أكثر، في ظل معطيات الجغرافيا السياسية التي بدأت تتحكم بمصير الدول وإستقطاباتها، ففي اليوم الذي زار فيه رئيس الجمهورية جوزاف عون اليونان، أعلنت إسرائيل توقيع إتفاق دفاعي مشترك مع أثينا بقيمة 3 مليار و600 مليون دولار، ففي المشهد الآخر، تزامن الإتفاق الإسرائيلي اليوناني، مع الإعلان الرسمي لتحالف مكة الدفاعي في إجتماع عقده المسؤولون من تركيا، المملكة العربية السعودية وباكستان، وتظهَّرت مواقف وزير الخارجية التركي بوضوح، حول مخاطر المشروع الإسرائيلي في المنطقة ووجوب دفاع دولها عن نفسها، بمواجهة هذا المشروع الذي يقوده نتنياهو ويشكل خطراً على الجميع، بحيث أعطت هذه الدول طابع الدفاع لتحالفها، وهي تريد عدم تجدد الحرب في المنطقة، وعدم إسقاط النظام الإيراني، ووضع حد للتوسُّع الإسرائيلي.

 

فواشنطن دعمت تأسيس مشروع تحالف شرق المتوسط في العام 2016، إلى جانب السعي لإنجاز صفقة القرن والإتفاقيات الإبراهيمية، بعدها تراجعت إدارة الرئيس الأميركي الديمقراطي جو بايدن عن هذا التحالف، لصعوبة تحقيق نتائج منه، لأن منطلقه كان بناء أنابيب غاز من إسرائيل بإتجاه أوروبا، أما المفاعيل السياسية لمثل هذا التحالف، فقد بقيت ثابتة لدى الأميركيين بدمج المنطقة بإسرائيل وإدخال المزيد من الدول اليها، على أنه وبعد سنوات تراجعت واشنطن عن المشروع لمصلحة تحالف طريق الهند، كمشروع يغيِّر موازين التجارة والنفط على مستوى العالم، من خلال بناء سكك حديد وممرات برية وبحرية من الهند إلى دول الخليج، ومنها إلى إسرائيل بإتجاه أوروبا عبر البحر المتوسط، اليونان وقبرص ضمناً، وبعيد الإعلان عن هذا المشروع، نشبت الحرب على غزة بعد عملية 7 أكتوبر.

 

إذن، الصين مع باكستان وإيران ومعهما تركيا ومصر، هي أكثر الدول التي تضررت من مشروع طريق الهند، فالصين إعتبرته تطويقاً لها، وقطعاً لمشروع الحزام والطريق، وباكستان تحسست خطره كونه يقوِّي الهند وتحالفاتها، فيما إيران، إعتبرته تهديداً يستهدفها سياسياً وعسكرياً وإقتصادياً عبر إلغاء دور مضيق هرمز، أما تركيا، فقد إعتبرته أنقرة انه يستبعدها عن إعادة تشكيل المنطقة وموازين القوى فيها، ويستثنيها من طرق التجارة وممرات النفط والغاز، في الوقت الذي تستفيد منه اليونان وقبرص، بينما نظرت إليه مصر على أنه إضعاف لدورها وتغييباً لها وللدور المحوري الذي تلعبه قناة السويس على مستوى التجارة العالمية.

 

في الصراع بين كل هذه المشاريع على الطرق والممرات، حصلت متغيِّرات كثيرة، اندلعت الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023 إلى اليوم، وسقط نظام بشار الأسد، ودخلت سوريا في مرحلة جديدة من التحول والانفتاح، خصوصاً في مجال البنى التحتية وممرات التجارة والنفط والغاز، وبدأت تتموضع إستراتيجياً، وهو الأمر الذي يتعارض إستراتيجياً مع المشروع الإسرائيلي، فإسرائيل تريد سوريا دولة ممزقة تتصارع فيها القوى العسكرية والفصائلية، وترغب بها ضعيفة وغارقة في صراعات لا تنتهي وحرب أهلية لا تمنحها أي إستقرار وأي فرصة للإستثمار، ومن هنا كانت الضربة قاسمة في التفاهم مع الأكراد والإندماج للفصائل مع الجيش السوري المركزي الجديد، بعد أن كانت قد دخلت تركيا بقوة إلى سوريا بترحاب وإحتضان عربي، لتبرز طموحات وإتفاقات ومشاريع طاقوية مشتركة مع العراق ومع دول الخليج وصولاً إلى تركيا، فيما لا تزال إسرائيل تواجهه وتسعى إلى تعطيله وتخريبه، بعد أن خرج بنيامين نتنياهو ليعلن إقدامه على تغيير وجه المنطقة وتكبير حدود إسرائيل، فخاض حروبه ولا يزال، وأعلن أنه وجَّه ضربة لإيران وحلفائها بهدف إنهاء مشروعها، وسيعمل على مواجهة محور آخر يمثل وفق وصفه الراديكالية السنية، وهو تقصَّد بالحديث عن ملامح إتفاق أو تقاطع مصالح بين تركيا وباكستان والسعودية.

 

اللافت اليوم، هو أن تحظى التطورات العسكرية فوق مرتفعات علي الطاهر في الجنوب اللبناني باهتمام أميركي واسع، لتشكّل مصدر قلق للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يعتبر هذه المعركة ذات أبعاد إقليمية ودولية، ولا تتعلّق بلبنان والصراع بين إسرائيل وحزب الله فقط، فمن الواضح أن موقع علي الطاهر الإستراتيجي عسكرياً، يحمل تداعيات عسكرية وسياسية أوسع، قد تتطوّر إقليمياً، وخصوصاً أن المنشأة العسكرية تضم الى جانب عناصر لحزب الله، أيضاً عناصر عدة من الحرس الثوري الإيراني، وهنا إزداد الإهتمام الإسرائيلي أكثر بهذا الموقع، ليقابله إهتمام إيراني كبير، حيث ان منسوب الخطر الحقيقي لا يكمن في الضربة التي قد توجّهها إسرائيل فحسب، بل في سلسلة الردود التي قد تليها، فإذا ردّ حزب الله بقوة، سيعطي إسرائيل مبرّراً لتوسيع عملياتها، وإذا وسّعت إسرائيل من عملياتها، فقد يتعرّض الحزب لضغوط تدفعه إلى الرد بقوة أكبر، وساعتها، قد تنتقل المنطقة من تصعيد محدود إلى حرب شاملة في وقت قصير جدًا.

 

وفي المعلومات الإستخباراتية التي حصل عليها مركز إنشاء للمعلومات، تمّ التأكيد على وجود عشرات من عناصر فيلق بدر والحرس الثوري الإيراني داخل أنفاق علي الطاهر، وما تبلغته واشنطن هو أن أي محاولة من إسرائيل لتفجير الأنفاق، قد تثير رداً صاروخياً إيرانياً مباشراً ضد إسرائيل والقواعد الأميركية في دول الخليج، ووفقًا لتقييمات البنتاغون، قد تُشعل هذه التطورات حربا إقليمية متعددة الجبهات من جديد، إذ تشير الأوساط الدبلوماسية، إلى أن ترامب لا يريد أي مغامرة غير محسوبة قبل الإنتخابات النصفية، ولا يريد أن تتأثّر أسعار النفط والطاقة وغيرها قبل هذا الإستحقاق، خوفًاً من التأثير سلباً في الناخب الأميركي، أما لجهة الحسم في معركة علي الطاهر، فهو من أولويات نتنياهو، وليس من أولويات ترامب، حيث الضغوط الأميركية على إسرائيل لم تتوقّف كي لا تتوسّع في هجومها على مرتفعات علي الطاهر، رغم التصعيد المتزايد في اليومين الفائتين، بإعتماد دبلوماسية هادئة لمعالجة هذه المشكلة التي تكاد تطيح بالهدوء الحذر في المنطقة، وهي تكثّف اتصالاتها، إما مباشرة وإما عبر وسطاء، مع لبنان وإسرائيل وإيران على حد سواء.

 

أخيراً..هناك صراع تعيشه المنطقة بين محورين، لم يتمكن من حسم وجهة الصراع فيه أو بشأنه إلاَّ الولايات المتحدة الأميركية، ومن المرجح أن يشتد أكثر، فقد يكون لبنان وسوريا ساحتي التنافس والتجاذب فيه، أو ساحتي الصراع من دون إغفال العراق ودوره المتطور أيضاً، وبالنسبة إلى لبنان، الخيار الذي يتخذه يريده أن يكون مبنياً على قرار أميركي، منذ بدء التفاوض مع إسرائيل إلى إتفاق الإطار، وصولاً إلى زيارات تركيا واليونان، فالمؤكَّد بالنسبة إلى المسؤولين اللبنانيين، أنهم سيبنون موقفهم بناء على ما ينصح به الأميركيون.

 

 

شارك