قصة تاريخ امتنا الحديث في كتاب .. الأمة المشلولة ..!!

كتب د سليم الخراط

وأسئلة تعددت أهمها كان :

متى سيتحرر العقل في اوطاننا ..!!؟

ما هي الوصفة المناسبة لمعالجة العقم العقلي المتحجر العربي اليوم ..!!؟

 

أمة مشلولة تحتاج تشريح يشرح أسباب الانحطاط العربي في العصر الحديث ..

أمة تحتاج إلى فكر سياسي ونقد حضاري ودراسات عربية وتحليل تاريخي ..

الاهم من كل ذلك تحتاج إلى حرية في نقد العقل العربي ..!!؟

والاهم أننا نحتاج وصفة طبية لمرض العروبة والإسلام المزمن ..!!؟

إنها محاولة لفهم الجذور العميقة للشلل الذي يعاني منه الوطن العربي، فلا بد من أن نميز ما بين “العقل البعيد المدى” و”العقل القصير المدى”، حيث يعتبر فقدان القدرة على التفكير الاستراتيجي هو أساس التخلف العربي ..!!؟

الحقيقة المهمة اليوم تتجسد في نقد النخب العربية (حاكمة ومعارضة) على السواء، لطالما تعتبر أزمة الأمة هي أزمة “عقل” قبل أن تكون أزمة سياسة أو اقتصاد ..!! .

بالتأكيد، لأنني اجد أن ما ورد في كتاب الأمة المشلولة .. هو مثال واقعي عن كل أنظمة العروبة والإسلام ولا استثني منهم أحد ..!!

عصف فكري في الكتاب يشرح خلاصة ممارسة، هي مزيج من النظر والعمل في الحقل الثقافي العربي والعمل القومي العربي ..

كما يمثل خلاصة تأمل في الصيرورة التاريخية والمصير العربي، وقد وصلت الأمور إلى درك هاو وحضيض ساحق .. .

 

بهذه العبارة القاسية كانت إفتتاحية الكاتب محيي الدين صبحي لكتابه يصف التناقض الصارخ الذي يعيشه العالم العربي : الأنظمة منتشية، التجارة مزدهرة، والأمة منكسرة ..!!

هذا التناقض ليس مصادفة، بل هو نتيجة طبيعية لتخفف الأنظمة من المسؤولية القومية والشعبية، لتعيش ناعمة البال صالحة الحال وسط طغمة من الموالين والجلادين .. .

لكن الكاتب لا يوجه سهامه للأنظمة فقط ..!!

بل يؤكد أن “المسألة تتعلق بطريقة التفكير ورؤية العالم”، مما يوجب “مساءلة العقل العربي وطريقة فهمه للعالم وأولويات تفكيره في حل المشكلات التي تجابهه” .

كما يشير إلى أن النخب المثقفة في كل مجالات المعرفة تشارك في هذا الفشل، بدليل أن الحكم انتقل في بعض الأقطار من الفئات الحاكمة إلى المعارضة دون أن تتحسن الأحوال ..!!؟ .

ويخلص إلى أن “أكثر ما يغيظ أن الأنظمة منتصرة، والتجارة مزدهرة، والأمة منكسرة”.. وبد غاب الإحساس بالرسالة عن النخب العربية الحاكمة والمعارضة، فانقلب العمل السياسي إلى صراع قوة عارية بلا ثقافة ولا أهداف فكرية، حتى الغطاء الأيديولوجي لم يعد قادراً على إخفاء المصالح والمكاسب الشخصية المباشرة .. .

 

الفكرة المركزية ..

يميز الكاتب بين مستويين من التفكير : “العقل البعيد المدى” و”العقل القصير المدى” ..

الأول هو الذي يتحكم في الأمور ويفرض الإرادة البشرية عليها عبر منهجية وفكر استراتيجي .

الثاني هو مجرد رد فعل بسيط ومباشر على محرض خارجي، لا يتعدى كونه “فكرة، خاطرة، نزوعاً”، لكنه يظل مختلفاً عن العقل التجريدي البعيد الأهداف .. .

الفرق بين هذين العقلين هو فرق بين إرادتين : إحداهما تفقد اهتمامها بالأمور إذا طال الزمان، والأخرى تصبر وتلاحق وتثبت ..

وهو أيضاً فرق بين إدراك بانورامي لعالم مترابط غائي الحركة، وإدراك يقوم على نظرة وقتية عابرة لمشهد مفكك منطو على نفسه .. .

بهذا المعنى، فإن أزمة العرب ليست مجرد أزمة سياسة أو اقتصاد، بل هي أزمة “عقل” بالمعنى العربي للكلمة (التحكم في الأمور وفرض الإرادة البشرية عليها) .

العرب فقدوا القدرة على التفكير الاستراتيجي طويل المدى، واكتفوا بردود الفعل على المثيرات الخارجية .

 

المحاور الرئيسية ..

القسم الأول : تاريخ فقدان إرادة المصير ..

فقدان السلطة أدى إلى شلل الإرادة ..!!

يبدأ الكاتب بتشخيص العلاقة بين السلطة والإرادة، ففقدان السيطرة على القرارات المصيرية (سياسياً، اقتصادياً، عسكرياً) يؤدي تدريجياً إلى شلل القدرة على الإرادة نفسها. الشعب الذي لا يملك زمام أموره ينسى كيف يريد أصلاً .

الوعي العربي : “وعي التخلف” ضد “وعي التقدم” ..

يقسم الكاتب الوعي الجمعي العربي إلى نوعين : وعي يبرر الجمود ويقدس الماضي، ووعي آخر يتطلع للتغيير، الصراع بينهما هو صراع الوعي بالتخلف ضد وعي التقدم، والأخير هو الخاسر الأكبر في المعركة الثقافية العربية ..

 

القسم الثاني : الأسس التاريخية السياسية للشخصية العربية _ العثمانية ..

كيف فقد العرب الإحساس بتقرير المصير ..!!

يتتبع الكاتب الجذور التاريخية لضياع الإرادة العربية، مركزاً على الفترة العثمانية حيث تم تفريغ العرب من أي دور سياسي حقيقي، وتحولوا إلى مجرد “رعية” في إمبراطورية لا تعبّر عنهم ..!!

العثمانيون يساومون أوروبا على المصير العربي ..

يكشف الكاتب عن “الصفقة” التاريخية : كيف استخدم العثمانيون المناطق العربية كأوراق مساومة مع القوى الأوروبية، متنازلين عن حقوق العرب مقابل بقائهم على كرسي الخلافة( الشريف حسين ..!! ) .

إنكار العروبة بين العثمانيين والأوروبيين ..

يتفق العثمانيون (الذين كانوا ينكرون العروبة ككيان سياسي) مع الأوروبيين (الذين رسموا خرائطهم الاستعمارية متجاهلين الوحدة العربية) على إنكار الهوية العربية الفاعلة ..، هذه المؤامرة الضمنية هي أساس “الشخصية العربية المشلولة” .

الخروج من تاريخ الماضي والعبر إلى تاريخ المستقبل ..

يدعو الكاتب إلى قطيعة معرفية مع الماضي، ليس نبذاً للتاريخ، بل تجاوزاً لـ”عبره” التي لم تعد صالحة، نحو رؤية مستقبلية تستلهم الدروس لا الأساطير .. .

 

القسم الثالث : أزمة المشروع العربي في مواجهة المشروع الإسرائيلي ..

المجتمع العربي : من ثقافة متحجرة إلى سلطة متحجرة ..

يرى الكاتب علاقة جدلية بين ثقافة المجتمع المتصلبة (الموروث، التقليد، الخوف من الجديد) وسلطة الدولة المتصلبة (الاستبداد، القمع، غياب المشاركة) ..، كل منهما يغذي الآخر في حلقة مفرغة .

 

القوميون وحل النزاع بين الاشتراكيين والأصوليين ..

ينتقد الكاتب انشغال النخب العربية بالصراعات الأيديولوجية الداخلية (القومية، الاشتراكية، الأصولية) على حساب المواجهة مع المشروع الصهيوني الذي كان يستغل هذه الانقسامات لتعزيز وجوده .. .

 

النخب العربية ومفاتيح القلعة ..

استعارة “مفاتيح القلعة” تشير إلى أن النخب العربية (سياسية، فكرية، اقتصادية) هي التي منحت الغرب وإسرائيل القدرة على اختراق العالم العربي ..، لا غزو ناجحاً بدون خونة من الداخل ..!! .

 

“ارحلوا .. أو اعقلوا”

عنوان استفزازي يحمل دعوة .. مزدوجة : إما أن ترحل الأنظمة الفاسدة، أو أن “تعقل” (أي تصبح عاقلة) وتغير منهجها جذرياً ..، لا حل وسط بينهم ..!! .

 

الأمازيغية : هل هي دعوة إلى توحيد المغرب العربي أم إلى تمزيقه ..!!؟

يتناول الكاتب قضية الهوية في المغرب العربي، ويتساءل إن كانت الدعوات الأمازيغية تعبيراً عن تعدد ثقافي صحي، أم أنها أداة لتفتيت الوحدة المغاربية لخدمة أجندات خارجية ..!! .

 

القومية ومؤسساتها السياسية ..

ينتقد الكاتب مؤسسات العمل القومي العربي (الجامعة العربية، مجالس الوحدة، وغيرها) التي تحولت من أدوات لتحقيق الوحدة إلى مسرح للصراعات بين الأنظمة، بل وأدوات لتكريس التقسيم القائم .

 

الفرص التاريخية الضائعة كما يراها الكاتب ..!!

يرى الكاتب أن الأمة العربية أضاعت ثلاث فرص تاريخية كبرى، ليس فقط بفعل المؤامرات الخارجية، بل بفعل التواطؤ الداخلي :

 

الفرصة الأولى : القيادة الناصرية ..

التي وضعت إمكانيات مصر في خدمة الوحدة والتحرر العربي والتصنيع، وقد تم إجهاض هذا المشروع بتواطؤ عربي-أجنبي ..!!

 

الفرصة الثانية : حرب تشرين/أكتوبر 1973 ..

لو واصل العرب ضغوطهم العسكرية – مهما توسعت إسرائيل أو تورطت أمريكا – لتغير تاريخ القضية الفلسطينية والشرق العربي ..

لكن فجأة تحولت الجيوش المتعثرة إلى جيوش أميرة، وبدأت مسرحية “الدبلوماسية” وفتح باب المندب ..!! .

 

الفرصة الثالثة : طفرة أسعار البترول ..

عندما سعر البترول بحسب العرض والطلب لأول مرة في التاريخ (وربما لآخر مرة)، أضاعت الأنظمة العربية ليس الأموال فقط، بل الإرادة وحتى الإمكانية .. حيث تحولت الثروة إلى أداة فساد وإخضاع بدلاً من أن تكون أداة تحرر وتنمية .

 

يشير الكاتب إلى أن “ما فعله العرب بأنفسهم وما فعلته الأنظمة العربية ضد بعضها بعضاً يعادل في قسوته وبطشه وتفككه ما قام به الاستعمار والغرب، وحتى الصهيونية” .

كما يؤكد أن الأنظمة العربية تكاثفت بكل قواها وتواطأت مع أي أجنبي لإضاعة هذه الفرص التاريخية .

 

مفهوم “العقل” في الكتاب ..

يميز الكاتب بين “العقل” كقدرة على التحكم في الأمور وفرض الإرادة عليها، وبين مجرد “رد الفعل” على المحرضات الخارجية .. .

 

العالم العربي يعاني من غياب “العقل” بالمعنى الأول .. فما يمارسه العرب، حتى في أرقى مستوياته، ليس أكثر من “استجابة” لضغوط خارجية، وليس “فعلاً” مستقلاً نابعاً من إرادة ذاتية ..

هذا الفقدان للعقل هو ما يجعل الأمة “مشلولة” ..!!؟؟؟؟؟

لا شلل في الأطراف، بل شلل في مركز القيادة (العقل الجمعي) ..، حتى عندما تتحرك الأمة، تتحرك كرد فعل على صدمة خارجية، وليس وفق خطة استراتيجية واضحة .

 

الاستقبال النقدي ..

نقاط القوة : يتميز الكاتب بشجاعته النادرة في نقد النخب العربية (حاكمة ومعارضة) على السواء، وعدم إعفاء أي طرف من المسؤولية، كما يتميز بنظريته في “العقل القصير المدى” كتفسير للعجز العربي الاستراتيجي .. لذلك كان تركيزه على “الفرص التاريخية الضائعة” يضرب في عمق الجرح العربي .

 

الانتقادات : التحليل قد يبدو “كلياً” وشاملاً لدرجة أنه يصعب معه تحديد نقطة بداية للإصلاح ..

التشاؤم السائد قد يشل القارئ بدلاً من أن يحفزه .. غياب أي فصل عن الحلول (الكتاب كله تشخيص دون علاج) قد يترك القارئ في حالة إحباط ..

التركيز على القيادة الناصرية كفرصة ضائعة قد يبدو “ناصرياً” متحيزاً لبعض القراء ..!! .

 

الفروق عن أعمال مشابهة : يختلف هذا الكتاب عن “نقد العقل العربي” للجابري في أنه أقل فلسفية وأكثر سياسية مباشرة ..، ويختلف عن “حاضر العالم الإسلامي” للوثر ” في أنه يركز على اللحظة الراهنة والصراع مع المشروع الصهيوني أكثر من التراث الحضاري العام .. .

 

المغزى الفكري ..

الكتاب يدعو إلى “جراحة” فكرية مؤلمة ..

حيث يصر الكاتب على أن النخب العربية ليست ضحية، بل هي شريك في الجريمة ..!!؟

لأن الأنظمة الحاكمة والأنظمة المعارضة (عندما تصل إلى السلطة) تتصرف بنفس الطريقة ..!! . المشكلة ليست في “هذا الرئيس” أو “تلك الأيديولوجيا”، بل في بنية العقل الجمعي التي تعيد إنتاج نفس أنماط الفشل مهما تغيرت الوجوه .

 

أما المغزى الأعمق فهو ضرورة استعادة “الزمن الطويل” في التفكير العربي .. فالشلل الذي تعاني منه الأمة هو شلل في القدرة على الاستشراف، على التخطيط لعقود قادمة، على التضحية اليوم من أجل غد بعيد ..

الثراء السريع (نفط) والفقر المدقع والهزائم المتكررة كلها عوامل جعلت العقل العربي “قصير المدى” بالضرورة ..، وكسر هذه الحلقة يتطلب تغييراً في “الوعي” قبل تغيير الأنظمة .

 

نبذه عن المؤلف …

محيي الدين صبحي (1935-2003) – مفكر وناقد وأديب سوري، حاصل على إجازة في اللغة العربية من جامعة دمشق، ودكتوراه من بيروت. عمل رئيساً لتحرير عدد من المجلات والصحف، وكان عضواً في هيئة تحرير مجلة “الموقف الأدبي”، وعضواً في جمعية النقد الأدبي. له أكثر من 25 مؤلفاً، من بينها: “الأدب والموقف القومي”، “العروبة: أكثر من أي وقت مضى”، “عصر الأيديولوجيا”، و”تشريح النقد”. يتميز فكره بجرأة نادرة في نقد النخب العربية (حاكمة ومعارضة) على السواء، ويعتبر أن أزمة الأمة هي أزمة “عقل” قبل أن تكون أزمة سياسة أو اقتصاد .

 

كتاب “الأمة المشلولة” هو كتاب يقرأ كوصفة طبية لمرض العروبة والإسلام المزمن : التشخيص مؤلم، والعلاج غير مذكور .. قد نتفق مع تحليله أو نختلف، لكن لا يمكننا إنكار أن الأسئلة التي يطرحها هي الأسئلة الصحيحة ..

لماذا فشلت كل محاولات النهضة العربية ..!!؟

لماذا كل انتصار يتحول إلى هزيمة ..!!؟

لماذا كل ثروة تتحول إلى فقر ..!!؟ ولماذا، رغم كل هذا، تستمر الأنظمة في الادعاء بأنها “منتصرة” بينما الأمة “منكسرة” ..!!؟

 

لكل إنسان عربي مسلم حر يشعر بالغصة عندما يرى التناقض بين الإمكانيات والنتائج ..، إنه عمل “شجاع” في زمن يندر فيه النقد الذاتي الجريء، ويغيب فيه تحميل “النخب” المسؤولية كاملة ..

اقرأوا وابحثوا في الفكر السياسي العربي، أين الناشطين ممن يبحثوا عن فهم أعمق لجذور الأزمة، أو قارئين يريدون “تشريحاً” بارداً وموضوعياً بقدر الإمكان لحالة الانحطاط التي تمر بها الأمة العربية، دون مواربة أو مجاملات .. .

 

عاشق الوطن ..

د. سليم الخراط

 

شارك