حكم الأغبياء: من واشنطن إلى بيروت… عندما يصبح التضليل صناعة

 

بقلم: د. محمد هزيمة – باحث استراتيجي

«حكم الأغبياء أسوأ كارثة». بهذه العبارة استهلّ الممثل الأميركي جورج كلوني هجومه على إدارة ترامب، محذّرًا: «نحن نعيش الآن في ظل حكم الأغبياء، حراس إسرائيل. ندفع الضرائب للحد من الفقر والتشرّد والبطالة والغلاء، وهم يحوّلونها لصالح تل أبيب وحيفا والمستوطنات، وإن استمرّوا في حكمهم، فأمريكا بلا شك ذاهبة إلى الهاوية».

حديث الممثل الأميركي ليس جزءًا من فيلم، ولم يأتِ بجديد، بل وصف الحالة الأميركية التي تشبه، في جزء منها، ما نحن عليه في لبنان. نعيش نسخةً مصغّرةً مشوّهةً من «حكم الأغبياء» ذاته، بفارق وحيد: أن أغبياءنا لا يحكمون واشنطن، بل يحكمون شاشات ومواقع، وينظر إليهم العامة على أنهم أغنياء بالمعلومة، ينقلون صورةً ترسم طريق المستقبل، مطّلعون على تفاصيله وشركاء في صناعته، التي تحوّلت وهمًا لا يشبه الواقع، باحتراف صناعة التضليل بنموذجين: أوّلهما حاقد، وثانيهما سطحي، وما بينهما ضاع خير الوطن والعقل، وتاهت الحقيقة.

فالتحليل السياسي في إعلامنا اليوم منقسم إلى معسكرين لا ثالث لهما، وكلاهما كارثة على العقل الجمعي.

فالمحلل الحاقد يعتمد التضليل المقصود، وليس جهلًا، بل مهمة. ومثالًا على ذلك تلة علي الطاهر التي أسقطت الجميع ولم تسقط، ومعظم من تحدّث عنها لا يعرف أين تقع، ولا يعرف من يقصف ومن يتصدّى، لكنه اختار الكذب بهدف تحويل الصمود إلى مغامرة، والدم إلى عبء، والسيادة إلى ورقة مساومة، بلغة تخوين وتسفيه لكسر معنويات المقاوم وإسقاط ورقة القوة الوحيدة التي يملكها لبنان.

بالمقابل، شهد ميدان الإعلام، على الشاشة، مواجهةً اعتمدت في معظمها على التحليل السطحي لحدّ السخف أحيانًا، بأسلوب جاهل.

وهذا هو الأخطر، لأنه كثيرًا ما يصدّق نفسه بعد حديث مطوّل عن التوازنات الدقيقة والمزاج النفسي لنتنياهو، دون أن يذكر مرة واحدة اسم زوطر الغربية أو علي الطاهر، بأسلوب ركيك يجعل من معركة مصيرية أشبه ببرنامج دردشة، وحالة الاحتلال ضبابية.

وهذا النوع تحديدًا سيئ، لا يخدم مشروعًا معمّدًا بالدم، إنجازاته أبعد من ترّهات خيالية تملأ فراغًا تنتصر فيه رواية العدو، الذي عجز في الميدان ونجح في الإعلام، فحوّل الفشل وعجز سبعة عشر هجومًا إلى انتصار يخدم نتنياهو في حملته الانتخابية، في مشهد ثبّت مكانة المقاومة، ودورَها وتضحيات رجالها، وكيف أثمر الدم هزيمةً للعدو.

فأين نحن في لبنان من حراس إسرائيل في واشنطن إلى حراس التفاهة في بيروت؟ وما قاله كلوني عن واشنطن ينطبق علينا بحذافيره.

عندما يصبح الإعلام منبرًا للأغبياء، تكون الكارثة مضاعفة؛ فالغبي في الحكم يخسر دولة، والغبي على الشاشة يخسر وعي شعب بأكمله.

ليبقى السؤال: من يحرس العقل في ظل حكم الغباء الإعلامي؟ فلم يعد مطلوبًا من المواطن أن يصدّق، بل أن يسأل: من المستفيد؟ من يربح ومن يخسر في كل تحليل خيالي، بما لا يليق بمستوى تضحيات ودماء تحمي وسيادة، معتمدًا نظريات جوفاء؟

ليبقى السؤال الأهم، وفيه كل الأجوبة: ما البديل؟

فمن ينتقد عليه أن يقدّم مشروعًا، وإلا يكون مجرد بوق، وهذا ما لا نريده أمام حكم الأغبياء، وأسوأ كارثة، والكارثة حتى اللحظة.

تُدار حرب وجود بمحللين لا يعرفون الفرق بين السيطرة العملياتية والاحتلال.

وكارثة أكبر أن يُترك مصير شعب بأكمله لشاشات يحكمها إما حاقد يضلّل أو سطحي يتفلسف.

وحتى نخرج من الهاوية، علينا أولًا طرد الأغبياء من شاشاتنا، قبل أن يطردونا من أرضنا.

شارك