عشقك مقدّس ما دام يوجد نبض وقلبي يتنفس.

 

 

بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل

 

الحب ليس كلمة عابرة تُقال في شيءلحظة شوق، ثم تنتهي بانتهاء اللقاء. الحب الحقيقي أعمق من ذلك بكثير؛ هو حالة تسكن الإنسان حتى يصبح من الصعب عليه أن يعرف أين تنتهي ذاته وأين يبدأ الآخر. هو أن يدخل شخص إلى حياتك من باب الصدفة، ثم يحتلّ في قلبك مكانًا لم يكن أحد يعرف بوجوده. هو أن يصبح حضوره طمأنينة، وصوته أمانًا، وغيابه سؤالًا لا يملك القلب له جوابًا.

عشقك لم يكن يومًا تفصيلًا صغيرًا في حياتي، ولم يكن محطة عابرة توقفت عندها ثم تابعت الطريق. كنت الطريق نفسه، والوجهة التي ظلّ القلب يبحث عنها دون أن يعرف اسمها. كنت ذلك الشعور الذي جاء دون استئذان، لكنه حين دخل لم أعد أريد له الخروج. ومنذ أن عرفتك، تغيّر شيء في داخلي؛ أصبحت للأيام نكهة مختلفة، وللصمت معنى، وللانتظار لغة لا يفهمها إلا من أحبّ بصدق.

أحببتك لا لأنك كنت كاملًا، فالكمال ليس شرطًا للحب، بل لأنني رأيت فيك إنسانًا استطاع أن يلمس شيئًا عميقًا في روحي. أحببت تفاصيلك التي ربما لا يلاحظها الآخرون، أحببت صمتك حين تعجز الكلمات، ونظراتك حين تقول ما لا تستطيع الشفاه قوله، وأحببت حتى اختلافاتنا؛ لأن الحب الحقيقي لا يبحث عن نسخة مطابقة له، بل يجد الجمال في الاختلاف ويمنح الآخر مساحة ليكون نفسه.

وعشقك بالنسبة إليّ ليس امتلاكًا، بل انتماء. لا أريد أن أقيّدك باسم الحب، ولا أن أجعلك أسيرًا لمشاعري؛ أريد فقط أن تعرف أن هناك قلبًا حين أحبك لم يضع شروطًا على حبه. قلبًا اختارك لأنك أنت، لا لأنك حققت صورة مثالية رسمها الخيال. اختارك بكل ما فيك، بكل قوتك وضعفك، بكل انتصاراتك وانكساراتك، بكل ما ظهر منك وما أخفيته خلف صمتك.

ما أجمل أن يجد الإنسان شخصًا يستطيع أن يكون أمامه على طبيعته، دون أن يخاف من الحكم عليه، ودون أن يضطر إلى ارتداء أقنعة القوة. وأنا معك لم أبحث عن الكلمات الجميلة لأبدو مختلفة، بل كنت أبحث عن الصدق؛ لأنني آمنت أن الحب الذي يحتاج إلى التمثيل كي يستمر، ليس حبًا، وأن المشاعر التي تخاف من الحقيقة لا تستطيع أن تصمد أمام الزمن.

لقد علّمني حبك أن القلب لا يستأذن العقل حين يختار، وأن بعض الأرواح تتعارف قبل أن تتعارف الأجساد. ربما نلتقي شخصًا للمرة الأولى، لكن شيئًا في داخلنا يشعر أننا نعرفه منذ زمن بعيد. كأن الروح تقول: ها هو الشخص الذي كنت أبحث عنه، ها هو الذي يشبه شيئًا فقدته ولم أعرف اسمه.

ولأنني أحببتك بصدق، لم أعد أخاف من الزمن. فالزمن يستطيع أن يغيّر ملامحنا، أن يسرق من وجوهنا شيئًا من الشباب، أن يبدّل الأماكن والظروف، لكنه لا يستطيع أن يمحو شعورًا حقيقيًا استقرّ في القلب. قد تتغير الأشياء من حولنا، لكن بعض المشاعر تزداد رسوخًا كلما مرّت عليها السنوات، لأنها لا تقوم على الشكل ولا على الظروف، بل على شيء أعمق من كل ذلك.

قد يأتي يوم تتعب فيه الحياة منا، وتكثر المسافات، وتتراكم المسؤوليات، وتصبح اللقاءات أقل، والكلمات أقصر، لكنني سأبقى مؤمنة أن الحب الحقيقي لا يحتاج إلى حضور دائم كي يكون موجودًا. أحيانًا يكفي أن تعرف أن هناك إنسانًا يحمل لك مكانًا في قلبه، حتى تشعر أن العالم لم يعد موحشًا كما كان.

عشقك مقدّس، لأنني لم أحبك في لحظات الفرح فقط. أحببتك في خوفي، وفي ضعفي، وفي صمتي، وفي الأيام التي شعرت فيها أن كل شيء من حولي يتغير. أحببتك حين كان الحب سهلًا، وحين أصبح امتحانًا للصبر والوفاء. ولهذا لم يعد حبك بالنسبة إليّ مجرد شعور؛ أصبح عهدًا داخليًا لا يحتاج إلى شاهد ولا إلى توقيع.

وما دام يوجد نبض في هذا القلب، سيبقى لك فيه مكان. قد يتعب القلب، وقد ينكسر، وقد يبكي، وقد يمرّ عليه ما يكفي من العواصف، لكنه حين يحب بصدق لا يتحول بسهولة إلى قلب آخر. بعض الأشخاص لا يغادروننا حتى حين يغادرون المكان؛ يبقون في الذاكرة، في التفاصيل، في الأغاني، في الطرقات، وفي تلك اللحظات التي نبتسم فيها فجأة لأن شيئًا ما أعادنا إليهم.

أتعلم ما معنى أن أحبك؟ أن أراك في الأشياء التي لا علاقة لها بك. أن تمرّ أغنية فأسمع فيها صوتك، وأن أرى مكانًا فأستعيد فيه لحظة، وأن يمرّ اسمك أمامي فتتغير ملامح وجهي دون أن أشعر. أن يصبح لك حضور حتى في غيابك، وأن تكون المسافة بيننا مجرد أرقام لا تستطيع الوصول إلى المسافة الحقيقية بين قلبين.

الحب ليس أن نقول: “لن نفترق”، فالحياة لا تمنحنا دائمًا ما نريد. الحب أن نقول: “مهما حدث، لن أنكر أنني أحببتك بصدق”. لأن بعض القصص لا تُقاس بنهايتها، بل بما تركته في أرواح أصحابها. وقد تكون أجمل القصص تلك التي لم تستطع الحياة أن تمنحها كل ما تستحق، لكنها بقيت رغم ذلك حيّة في القلب.

وأنا لا أطلب من الأيام أن تكون رحيمة دائمًا، ولا أطلب من القدر أن يكتب لنا طريقًا خاليًا من الألم. كل ما أريده أن يبقى في قلبي هذا الشعور النقي، وأن لا تتحول الذكريات الجميلة إلى وجع، وأن يبقى اسمك حين يمرّ في داخلي سببًا للابتسام لا للانكسار.

فإن سألتني يومًا: إلى متى ستستمرين في حبّي؟ لن أبحث عن رقم، ولن أحدد تاريخًا، ولن أعدك بسنوات. سأقول لك ببساطة: حتى آخر نبضة في قلبي، وحتى آخر نفس يخرج من صدري.

فأنا لا أعرف كيف يمكن للقلب أن يحدد موعدًا لانتهاء الحب. لا أعرف كيف يمكن للروح أن تقول: انتهى كل شيء، وهي ما زالت تتنفس. وربما لهذا السبب أقول إن عشقك مقدّس؛ لأنه لم يُكتب بالحبر كي تمحوه الأيام، بل كُتب بشيء أعمق، بشيء لا تراه العين لكنه يسكن الروح.

وإن كان العمر كتابًا، فأنت الصفحة التي لا أريد أن أطويها. وإن كان القلب وطنًا، فأنت المكان الذي لا أريد أن أُهجّر منه. وإن كان الحب جريمة، فأنا لا أريد البراءة منها، لأن بعض الجرائم أجمل من كل أنواع النجاة.

سأبقى أحبك دون أن أطلب من العالم أن يفهمني. فليس كل ما يشعر به القلب قابلًا للشرح، وليس كل ما يسكن الروح يمكن أن يتحول إلى كلمات. هناك مشاعر أكبر من اللغة، وأعمق من التعبير، وأصدق من كل القصائد.

عشقك مقدّس ما دام يوجد نبض، وقلبي يتنفس.

وإذا جاء يومٌ وخذلتني الكلمات، فلا تبحث عن حبي في الكلام؛ ابحث عنه في عينيّ، في صمتي، في ارتباكي حين أسمع اسمك، وفي ذلك المكان الصغير الذي احتفظت لك به داخل قلبي رغم كل شيء.

وإذا سألني الزمن يومًا ماذا بقي لك من كل الذين مرّوا في حياتك، سأجيبه دون تردد: بقي إنسان واحد لم يكن عابرًا، بقي حبٌّ لم تستطع السنوات أن تهزمه، بقيت حكاية كلما حاولت أن أضع لها نقطة، اكتشفت أن قلبي يضع بدلها فاصلة.

لأن بعض الحكايات لا تنتهي…

وبعض الأحبة لا يصبحون ذكرى، بل يصبحون جزءًا منّا.

وأنت…

ستبقى جزءًا من قلبي، ما دام في هذا القلب نبض، وما دامت في صدري أنفاس، وما دامت روحي تعرف معنى الحب.

فإن كان للحب عمر، فعمر عشقي لك هو عمر قلبي…

وحين يتوقف القلب، فقط، يمكن أن تُعلن الحكاية نهايتها.

شارك