لماذا يسوق أردوغان حليفه السابق أحمد_داود_أوغلو، إلى المحاكمة؟.

.

سواء اختلفنا أو اتفقنا مع الرجل، وأفكاره وسياساته، فهو ليس أسماً طارئاً في تركيا والمنطقة، وإنما هو أحد أكثر السياسيين، الذين لعبوا أدواراً عديدة ومركبة، في أصعب مرحلة تمر بها، وهي مرحلة (الربيع العربي) التي كان فيها في عز قوته وحضوره السياسي.

هو أكاديمي سياسي، وخبير في العلاقات الدولية، بدأ مشواره في سلم السياسة والسلطة، سفيراً، ثم مستشاراً لوزير الخارجية، ثم نائباً في البرلمان، ثم وزيراً للخارجية، ثم رئيساً للوزراء، ورئيساً لحزب العدالة والتنمية.

اختلف مع أردوغان، بعد تشكيله الحكومة، فقدم استقالته ثم قام بتأسيس (حزب المستقبل) مع عدد من أعضاء حزب العدالة والتنمية السابقين، وشارك أيضاً بتأسيس تحالف الطاولة السداسية المعارض، إلى جانب حزب الشعب الجمهوري، وحزب الخير، وحزب السعادة، وحزب الديمقراطية والتقدم، والحزب الديمقراطي، وتبنى ترشيح رئيس حزب الشعب كليجدار أوغلو، لخوض انتخابات الرئاسة التركية، منافساً لأردوغان في 14 مايو 2023.

أما دوره الإقليمي، فهو كان عراب تقديم الحلول، وتحديداً لسورية ومصر، لكيفية الخروج من الوضع الذي وجدوا أنفسهم به، مع اندلاع موجة (الربيع العربي) فاقترح على نظامي مبارك والأسد، السماح بنوع من الحياة الحزبية، والحريات السياسية والإعلامية، وفتح الباب للإخوان المسلمين، لنوع من المشاركة في الحكم، وهذه الاقتراحات، كانت موضوع زيارته الهامة إلى سورية، في بداية أزمتها عام 2011، والتي رفضها الأسد، وكانت أحد أسباب الافتراق بين البلدين.

أيضاً كان شديد الإيمان بتجربة الإمبراطورية العثمانية، وكان يتوهم بأن معظم الشعوب العربية مؤيدة لها، وتتمنى عودتها، ولذلك عمل على محاولة إعادة بعثها، فكان المنظِّر لمشروع (العثمانية الجديدة) وكان ينظر إلى سورية ومصر، وبقية الدول العربية، بأنها جزء من هذا المشروع، وجزء من تركيا المستقبل، التي يحلم بها، ومن هذه النظرة أيضاً خرج بمبدأ (تركيا صفر أعداء) لتتمكن من الدخول في النسيج السياسي للدول التي يرى أنها جزء من حلمه العثماني.

أما سبب سوقه إلى المحكمة، فكان انتقاده لأردوغان بحدة، واتهامه له بالفساد، وإثراء عائلته، وبيع تركيا لخمسة مقاولين محسوبين عليه، وتعيين صهره بيرات البيرق وزيراً للمالية، وهو المتهم بدوره في الفساد.

كما انتقد سياسات أردوغان، وهو يرى بأن تركيا، بدل أن تتطور لتصبح أكثر ديمقراطية، تتجه لتصبح نظاماً ديكتاتورياً، تحكم بنظام سياسات الحزب الواحد.

أما الغريب في محاكمة داود أوغلو، فهو أن الكلام الذي يحاكم عليه اليوم، كان منذ أكثر من أربع سنوات، مما يطرح التساؤل الكبير، لماذا استفاق عليه أردوغان اليوم، وقرر محاسبته ومحاكمته.

الجواب على هذا السؤال، يؤكد أن لدى داود أوغلو، من الكلام والمعلومات، ما يخيف أردوغان، خاصة بعدما استقال من كل مهامه ومناصبه، وأصبح يستطيع قول رأيه بكل حرية، ما يؤكد ذلك أن المحاكمة، تمت بعد إعلانه بأنه سيكتب مذكراته، وهذا ما أشعل الأضواء الحمراء عند أردوغان، لأنه أكثر من يعرف أسرار المرحلة التي شهدت مجيء وصعود أردوغان، ومسيرته السياسية، ومسيرة تركيا بقيادته، وبالتأكيد سيقول داود أوغلو، كيف تراجعت الديمقراطية في تركيا، وكيف تراجعت من دولة كان القانون يعمل بها بشكل جيد، إلى دولة الفساد.

كما سيتحدث كيف تم وأد حلمه، بتحويل تركيا من (صفر أعداء) إلى (صفر أصدقاء) وكيف تبخر حلمه في بعث الإمبراطورية العثمانية، إلى دولة لا تشبه من العثمانية، إلا مراحلها الأخيرة، عندما أصبحت تتشبه بـ “الرجل المريض” وانتهت بانهيارها وتقسمها، وهو ما يتهدد تركيا اليوم.

هذا يؤكد أن أردوغان، لم يخف مما قاله داود أوغلو، وإنما مما لم يقله حتى الآن، وهو ما يجعله يقف اليوم أمام خيارين صعبين، فإما أن يدخل السجن لمنعه من الكلام، وينهي ما تبقى من حياته فيه، أو أن يوصل رسالة لأردوغان، بأنه سيصمت من تلقاء نفسه، والأيام القلية المقبلة، ستجيب أي خيار سيختاره أحمد داود أوغلو.

 

أحمد رفعت يوسف

شارك