«يا مُكثِرَ زُوّاري يومَ الكَرْمِ عَطاءً، وياما أَقَلَّ زُوّاري وَقْتَ الكَرْمِ يَبِس.»

 

هناك…

يكتشفُ الإنسانُ، بعد أعوامٍ من الوُدِّ، أنَّ بعضَ الناسِ لم يكونوا يرَون فيه إلَّا ظلَّ النِّعمة، ولم يُصغوا إلى نبضِ قلبِه، بل إلى رنينِ ما في يديه.

هناك… حيثُ تُوزَنُ المودَّةُ بميزانِ المنفعة، تذبلُ القِيَمُ، ويغدو الإنسانُ رقمًا في دفاترِ المصالح، لا اسمًا محفورًا في القلوب.

كنتُ أظنُّ أنَّ المحبَّةَ مأوى الأرواح، فإذا ببعضِ القلوبِ لا تعرفُ سوى أبوابِ الخزائن؛ إنِ امتلأتِ ازدحمت، وإنْ أجدبتْ رحلت، كأنَّها لم تعرفِ الطريقَ إليكَ يومًا.

فرحتُ لنجاحِهم كأنَّه انتصاري، وحملتُ أوجاعَهم كأنَّها وجعي، فلمَّا تعثَّرتُ، لم أجدْ سوى صدى خُطايَ يرافقُ وحدتي.

وعلَّمتني الأيَّامُ أنَّ الوفاءَ يبقى حينَ لا يبقى سوى الصبر. فالفقرُ ليس فقرَ الجيوب، بل فقرَ المُروءة، والغنى ليس ما تملكه الأيدي، بل ما تسكنه الأرواحُ من إخلاص.

سلامٌ على مَن يسألُ عن قلبِكَ قبلَ جيبِكَ، وعن إنسانيَّتِكَ قبلَ مكانتِكَ. أمَّا الذين لا يعرفونكَ إلَّا في مواسمِ العطاء، فقد اختصرهم الأجدادُ بحكمةٍ:

«يا مُكثِرَ زُوّاري يومَ الكَرْمِ عَطاءً، وياما أَقَلَّ زُوّاري وَقْتَ الكَرْمِ يَبِس.»

فالحمدُ للهِ الذي تكشفُ المِحَنُ به معادنَ الناس، فلا نخسرُ إلَّا وَهمًا، ولا نربحُ إلَّا قلبًا صادقًا يستحقُّ أن يبقى.

بقلم عصام كحلة

شارك