
عالم يترنح
كتب رياض الفرطوسي
يقف العالم اليوم على أرض شديدة اللزوجة، تحرّكت من تحتها كل الركائز الصلبة التي شُيّد عليها النظام الدولي منذ منتصف القرن الماضي. لم نعد نعيش مجرد تقلبات سياسية أو دورات اقتصادية اعتيادية، بل نشهد تفككاً متسارعاً للقواعد الموجهة لإدارة الصراعات، والتجارة العالمية، ودبلوماسية القوة العظمى. هذا “التحلل المؤسسي” أدخل بيئة القرار الدولي في حالة من السيولة الكلية والغموض المربك، حيث أصبحت اللايقينية هي الحقيقة الوحيدة الثابتة، وتهاوت معها قدرة أدوات التحليل التقليدية على التنبؤ بمجريات الغد القريب.
هذا الارتباك الهيكلي الشامل يعود بالأساس إلى تزامن أربع زلازل جيوسياسية غير مسبوقة إعادة رسم خريطة النفوذ العالمي؛ أولها التحول الراديكالي في سلوك الولايات المتحدة نحو الحمائية والقومية المتطرفة (الحمائية: فرض قيود وجمارك لحماية المنتجات المحلية. القومية المتطرفة: تقديم المصلحة الوطنية المطلقة وتجاهل التحالفات الدولية).، ما فرّغ شبكات التحالفات التاريخية من مضمونها. بالتوازي مع ذلك، يتصاعد ثقل الديمغرافيا والاقتصاد في الشرق الأقصى مع ترسيخ الصين والهند كمحورين لا يمكن تجاوزهما للنمو والتأثير، مغيرين بذلك مركز ثقل العالم نحو آسيا. وفي القارة العجوز، يستهلك الاستنزاف العسكري بين روسيا والغرب في الميدان الأوكراني ما تبقى من أمن أوروبي مستقر، بينما تعيش منطقة الشرق الأوسط انفجاراً متواصلاً قيوده منفلتة وسياساته محكومة بالجموح المفرط.
في أعقاب أزمات متلاحقة أرهقت كاهل الاقتصاد العالمي، من جائحة شلت سلاسل الإمداد إلى حروب الطاقة والأنظمة الغذائية، يبدو الجسد الدولي عاجزاً عن استيعاب المزيد من الصدمات. إننا لا نواجه مجرد عصر صعب، بل نعيش مخاضاً لإعادة تشكيل موازين القوة العالمية وسط غياب تام لأي كتالوج مرجعي يضمن الحد الأدنى من الاستقرار.



