مضيق هرمز وباب المندب..  بوابتان تتحكمان في طرق الطاقة والتجارة.

 

 

سعيد فارس السعيد

 

إذا كان مضيق هرمز يمثل بوابة الخليج العربي إلى المحيط الهندي، فإن باب المندب يمثل البوابة التي تصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والبحر المتوسط.

وبذلك فإن قراءة هرمز من دون باب المندب تبقى قراءة ناقصة لخريطة الأمن البحري والطاقة والتجارة في المنطقة.

فالممرات البحرية هنا ليست طرقاً منفصلة، وإنما شبكة مترابطة:

الخليج العربي → مضيق هرمز → بحر العرب → خليج عدن → باب المندب → البحر الأحمر → قناة السويس → البحر المتوسط.

 

وهذه السلسلة تربط عملياً منابع الطاقة في الخليج بالأسواق الآسيوية والأوروبية والعالمية.

 

___باب المندب..

أين يقع؟

 

يقع باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، بين اليمن من جهة الشرق، وجيبوتي وإريتريا من جهة الغرب.

ومن الناحية الجغرافية، يفصل بين المحيط الهندي وخليج عدن من جهة، والبحر الأحمر من جهة أخرى.

وهذا الموقع يجعله نقطة اختناق بحرية لا تقل أهمية من حيث الموقع الاستراتيجي عن مضيق هرمز.

فالذي يخرج من الخليج عبر هرمز باتجاه الغرب لا يستطيع الوصول إلى قناة السويس والبحر المتوسط إلا عبر منظومة بحرية تمر في النهاية من منطقة باب المندب.

جزيرة بريم.. مفتاح باب المندب

في قلب المضيق توجد جزيرة بريم، أو ميون، وهي جزيرة يمنية تقسم باب المندب إلى ممرين بحريين.

الممر الشرقي أضيق، بينما الممر الغربي، المعروف باسم دقة الإسكندر، أوسع وأهم للملاحة البحرية الكبيرة.

وهنا تظهر أهمية الجزيرة جغرافياً وعسكرياً.

فوجود جزيرة في قلب مضيق استراتيجي يعني أن الجغرافيا لا تتكون فقط من سواحل متقابلة، وإنما من نقطة وسطية يمكن أن تؤثر في مراقبة الملاحة والأمن البحري.

 

___كم يبلغ عرض باب المندب؟

 

يبلغ عرض باب المندب في أوسع تعريفاته نحو 29 كيلومتراً تقريباً، لكن المسألة الأهم ليست العرض الكلي.

 

فمثل هرمز، لا تستخدم السفن كامل المساحة الجغرافية المتاحة، وإنما تتحرك عبر ممرات بحرية محددة وآمنة ومناسبة للأعماق.

 

وهذا يجعل باب المندب أيضاً:

واسعاً نسبياً على الخريطة، لكنه ضيق استراتيجياً بالنسبة إلى حركة السفن التجارية.

 

____من يسيطر على باب المندب؟

 

هنا أيضاً يجب التمييز بين السيادة القانونية والقدرة العسكرية على التأثير.

اليمن يسيطر على الساحل الشرقي وجزيرة بريم، بينما تقع السواحل المقابلة على الجانب الأفريقي في نطاق جيبوتي وإريتريا.

لكن الموقع الجغرافي لباب المندب جعل المنطقة محل اهتمام إقليمي ودولي واسع.

فاليمن، وجيبوتي، وإريتريا، والسعودية، ومصر، ودول الخليج، والقوى البحرية الدولية، كلها مرتبطة بدرجات مختلفة بأمن هذا الممر.

ولذلك لا يمكن القول إن دولة واحدة “تملك” باب المندب كله.

لكن يمكن القول إن القدرة على التأثير في الملاحة داخل المضيق أو في مداخله قد تتحول إلى ورقة ضغط استراتيجية على التجارة الدولية.

لماذا باب المندب مهم اقتصادياً؟

لأن أهميته لا تقوم فقط على النفط والغاز، بل على التجارة البحرية بين آسيا وأوروبا.

 

فالسفن القادمة من المحيط الهندي والخليج والمتجهة إلى أوروبا تستطيع المرور عبر:

باب المندب → البحر الأحمر → قناة السويس.

وهذا الطريق أقصر بكثير من الدوران حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا.

ولهذا فإن اضطراب باب المندب قد يدفع شركات الشحن إلى اتخاذ طريق أطول حول أفريقيا، وهو ما يعني:

زيادة المسافة + زيادة استهلاك الوقود + زيادة زمن الرحلة + ارتفاع التأمين + ارتفاع كلفة الشحن.

وبالتالي قد تصل آثار أزمة باب المندب إلى المستهلك في دولة بعيدة آلاف الكيلومترات عن اليمن.

 

___باب المندب والطاقة

 

تزداد أهمية باب المندب عندما ننظر إليه ضمن منظومة الطاقة.

فالنفط والغاز الخارجان من الخليج والمتجهان إلى أوروبا أو شمال أفريقيا يمكن أن يسلكا هذا الطريق.

كما أن البحر الأحمر يمثل طريقاً مهماً لحركة ناقلات الطاقة بين مناطق الإنتاج والأسواق.

ولهذا فإن اضطراب باب المندب يمكن أن يؤثر في أسواق الطاقة حتى لو لم يتوقف إنتاج النفط نفسه.

فالمشكلة قد تكون في:

قدرة الناقلات على الوصول إلى الأسواق.

وهذه قاعدة مهمة في الاقتصاد العالمي:

الطاقة لا تساوي الإنتاج فقط؛ بل تساوي الإنتاج + النقل + الأمن + القدرة على الوصول إلى السوق.

 

___ماذا يحدث إذا تعطل باب المندب؟

 

اضطراب محدود

تبدأ الشركات برفع مستوى الحماية، وترتفع تكاليف التأمين، وقد تتأخر بعض السفن.

والأسواق تبدأ فوراً في تسعير المخاطر.

تعطيل واسع

قد تضطر شركات النقل إلى تحويل السفن بعيداً عن البحر الأحمر.

وهنا تبدأ الرحلات الأطول حول أفريقيا.

والنتيجة:

وقت أطول + وقود أكثر + سفن أكثر مطلوبة لنقل الكمية نفسها + كلفة أعلى.

تعطيل طويل الأمد

عند استمرار الأزمة، لا يعود الأمر متعلقاً بسفن محددة.

بل تبدأ آثارها بالظهور في:

الموانئ → سلاسل التوريد → المصانع → التجارة → الأسعار → التضخم.

وهذا ما يجعل باب المندب قضية اقتصادية عالمية، وليس قضية أمنية يمنية أو إقليمية فقط.

 

___هرمز وباب المندب..

العلاقة الاستراتيجية

 

وهنا نصل إلى أهم نقطة.

هرمز وباب المندب ليسا نقطتين متشابهتين تماماً، لكنهما متكاملتان.

هرمز يتحكم في بوابة الخليج.

باب المندب يتحكم في بوابة البحر الأحمر.

وبينهما:

بحر العرب وخليج عدن.

ومن ثم يمكن تصور الطريق الاستراتيجي على الشكل التالي:

النفط والغاز الخليجي

مضيق هرمز

بحر العرب

خليج عدن

باب المندب

البحر الأحمر

قناة السويس

البحر المتوسط

أوروبا.

هذه ليست مجرد خريطة بحرية.

إنها خريطة لسلسلة إمداد استراتيجية تربط الطاقة والتجارة والأسواق العالمية.

 

____ماذا لو تعطّل هرمز وباب المندب معاً؟

 

هنا ترتفع المخاطر بصورة كبيرة.

إذا تعطل هرمز، تتأثر قدرة الخليج على تصدير جزء كبير من الطاقة إلى العالم.

وإذا تعطل باب المندب، تتأثر حركة التجارة والطاقة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس.

أما إذا حدث اضطراب كبير في المضيقين في الوقت نفسه، فإن العالم سيواجه أزمة مركبة:

طاقة + نقل + تأمين + تجارة + سلاسل توريد.

وفي هذه الحالة لن تكون المشكلة مجرد ارتفاع سعر النفط.

بل قد تمتد إلى:

أسعار الغاز، تكاليف الشحن، أسعار الغذاء والسلع، التضخم، حركة التجارة العالمية، وأمن الإمدادات.

وقد تضطر السفن إلى استخدام طرق أطول وأكثر تكلفة، بينما تبحث الدول عن مصادر طاقة وطرق نقل بديلة.

 

___هرمز وباب المندب..

ميزان القوى.

 

هناك اختلاف جوهري بين طبيعة القوى الموجودة في المضيقين.

في هرمز توجد دولة إقليمية قوية هي إيران، تمتلك ساحلاً طويلاً وجزراً ومقدرات عسكرية كبيرة، إلى جانب وجود عُماني وقوى بحرية دولية.

أما باب المندب، فتتوزع البيئة الجغرافية والأمنية بين اليمن والقرن الأفريقي ومداخل البحر الأحمر، مع وجود مصالح وقوى إقليمية ودولية متعددة.

ولهذا فإن التهديد في هرمز يرتبط بصورة أكبر بالتوازن الإيراني-الخليجي والدولي.

بينما يرتبط التهديد في باب المندب بتعقيدات اليمن والبحر الأحمر والقرن الأفريقي والتنافس الإقليمي والدولي.

ومع ذلك، فإن النتيجة الاقتصادية المحتملة واحدة:

تهديد حرية الملاحة يؤدي إلى ارتفاع كلفة التجارة والطاقة.

 

قناة السويس..

الحلقة الثالثة

 

ولا تكتمل الصورة من دون قناة السويس.

فالمسار:

هرمز → باب المندب → البحر الأحمر → قناة السويس

يمثل واحداً من أهم الممرات التي تربط آسيا بأوروبا.

ولهذا فإن أي اضطراب في إحدى حلقاته يؤثر في الحلقات الأخرى.

فإذا أصبح المرور في باب المندب خطراً، قد تتراجع أهمية الطريق عبر قناة السويس بالنسبة لبعض شركات الشحن، ليس لأن القناة فقدت أهميتها، وإنما لأن الوصول إليها أصبح أكثر خطورة.

وهكذا يمكن أن تتحول الأزمة الأمنية في نقطة بحرية صغيرة إلى أزمة في شبكة التجارة العالمية.

 

 

الخلاصة الاستراتيجية.

 

إن مضيق هرمز وباب المندب يمثلان معاً اثنتين من أهم البوابات البحرية في الشرق الأوسط.

هرمز هو عنق الخليج وممر الطاقة.

باب المندب هو بوابة البحر الأحمر وطريق التجارة بين المحيط الهندي وقناة السويس.

والفارق بينهما أن هرمز أكثر ارتباطاً بتصدير الطاقة من الخليج، بينما يرتبط باب المندب بصورة أوسع بحركة التجارة بين آسيا وأوروبا، مع أهمية كبيرة للطاقة أيضاً.

لكن اجتماعهما في منظومة بحرية واحدة يجعل أمنهما قضية تتجاوز حدود الدول المطلة عليهما.

فالجغرافيا هنا صنعت اقتصاداً، والاقتصاد صنع مصالح، والمصالح صنعت صراعاً على الأمن والنفوذ.

ولهذا يمكن اختصار المعادلة في العبارة التالية:

【هرمز يفتح باب الخليج، وباب المندب يفتح باب البحر الأحمر، وقناة السويس تفتح الطريق إلى أوروبا؛ ومن هنا فإن أمن هذه البوابات الثلاث هو جزء من أمن التجارة والطاقة العالمية.】

 

سعيد فارس السعيد

كاتب وباحث استراتيجي مستقل

«صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.»

شارك