الوهم… ذلك السجن الذي نبنيه بأيدينا ثم نبحث عن مفاتيحه

 

 

بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل.

 

ثمّة لحظةٌ غريبة في حياة الإنسان، لا يسمع فيها صوتًا، ولا يرى بابًا يُغلق، لكنه يشعر فجأةً أنّ العالم من حوله قد ضاق، وأنّ الطريق الذي كان يظنه ممتدًا أمامه لم يكن سوى دائرةٍ ظلّ يدور داخلها طويلًا. يلتفت إلى الوراء، فيكتشف أنّ الجدران التي حاصرته لم تبنها الأيام، وأنّ القيود التي أثقلت روحه لم تكن من صنع الآخرين وحدهم، بل كانت من صنع خوفه، وتعلّقه، وتلك الحكايات التي ظلّ يرويها لنفسه حتى صدّقها. ذلك هو الوهم؛ السجن الذي لا يحتاج إلى سجّان، لأنّ أسيره يحمل مفاتيحه في داخله.

الوهم ليس دائمًا خدعةً واضحة يمكن اكتشافها بسهولة. أحيانًا يأتي إلينا في هيئة حلمٍ جميل، أو حبٍّ نمنحه أكثر مما يحتمل، أو أملٍ نرفض أن نضع له حدودًا. نتعلّق بصورةٍ صنعناها في مخيلتنا، ثم نبدأ بالدفاع عنها كأنّها حقيقةٌ مقدسة، رغم أنّ الواقع يرسل إلينا كل يومٍ إشاراته الصامتة. لكنّ الإنسان حين يحبّ الوهم، لا يعود يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عن أدلةٍ تؤكد ما يريد تصديقه.

وهنا تبدأ المأساة.

أن ترى الحقيقة تقف أمامك، ثم تدير وجهك عنها لأنّها لا تشبه أمنياتك. أن تعرف أنّ بعض الأشخاص تغيّروا، لكنّك تصرّ على الاحتفاظ بالصورة القديمة لهم. أن تدرك أنّ بابًا أُغلق، فتظلّ واقفًا أمامه سنوات، لا لأنّك عاجزٌ عن الرحيل، بل لأنّك تخشى أن تعترف بأنّك انتظرت طويلًا شيئًا لم يكن ينتظرك.

كم من إنسانٍ أضاع عمره وهو يطارد احتمالًا؟ وكم من قلبٍ علّق سعادته على وعدٍ لم يُنفّذ، أو اعتذارٍ لم يأتِ، أو تغييرٍ لم يبدأ؟ الوهم بارعٌ في تأجيل الحياة؛ يجعلنا نضع أيامنا على رصيف الانتظار، ونقنع أنفسنا بأنّ الغد يحمل ما لم يحمله الأمس. وهكذا يمرّ العمر، لا لأنّنا لم نملك الوقت، بل لأنّنا منحناه لشيءٍ لم يكن موجودًا إلا في خيالنا.

إنّ أخطر ما يفعله الوهم أنّه لا يسرق منا الأشياء دفعةً واحدة، بل ينتزعها ببطء. يأخذ من القلب قدرته على الفرح، ومن العقل قدرته على الحكم، ومن الروح شجاعتها على البدء. يجعل الإنسان يعيش بين احتمالين: واقعٍ لا يريد قبوله، وخيالٍ لا يستطيع الوصول إليه. فيبقى معلّقًا بين أرضٍ لا يحبها وسماءٍ لا يملكها.

وقد يكون الوهم أحيانًا أرحم من الحقيقة في لحظته الأولى، لكنه أكثر قسوةً على المدى البعيد. فالحقيقة قد تؤلمنا مرةً، أما الوهم فيعيد الألم كل يومٍ بصورةٍ مختلفة. يمنحنا أملًا مؤقتًا، ثم يسحب منا يقيننا، ويتركنا نبحث عن تفسيرٍ جديد لكل خيبة، وعن عذرٍ جديد لكل غياب، وعن سببٍ جديد يجعلنا نستمر في المكان نفسه.

وليس كل انتظارٍ صبرًا، كما أنّ ليس كل تمسّكٍ وفاءً. هناك انتظارٌ يستهلك الإنسان بدل أن يبنيه، وتمسّكٌ يحوّل الحبّ إلى استنزاف، وصبرٌ يتحول إلى خوفٍ من اتخاذ القرار. أحيانًا لا يكون بقاؤنا دليلًا على قوة مشاعرنا، بل دليلًا على عجزنا عن مواجهة النهاية.

الأمل، في جوهره، يختلف عن الوهم. الأمل يرى الواقع كما هو، ثم يؤمن بإمكانية تغييره. أما الوهم فيرفض الواقع، ويطلب من الأيام أن تتغير نيابةً عنه. الأمل يدفعنا إلى العمل، بينما الوهم يجعلنا نكتفي بالانتظار. الأمل يفتح لنا نافذةً نحو المستقبل، أما الوهم فيرسم على جدار السجن نافذةً لا تؤدي إلى الخارج.

ولعلّ أكثر الأوهام ظلمًا تلك التي نصنعها عن أنفسنا. أن نختصر قيمتنا في رأي شخصٍ واحد، أو نختصر قدراتنا في تجربةٍ فاشلة، أو نختصر مستقبلنا في بابٍ أُغلق أمامنا. كم من إنسانٍ صدّق أنّه لا يستطيع، حتى أصبح العجز جزءًا من شخصيته؟ وكم من موهبةٍ دفنت نفسها قبل أن تجد فرصةً للحياة، لأنّ صاحبها أقنعها بأنّ الفشل قدرٌ لا مفرّ منه؟

إنّ الإنسان قد يُهزم في الواقع مرة، لكنه يستطيع أن يهزم نفسه آلاف المرات في خياله. يضع أمامه حدودًا لم تضعها الحياة، ويخاف من أبوابٍ لم يطرقها، ويمنح الفشل سلطةً على مستقبله قبل أن يمنحه فرصةً واحدة للنجاح.

لكنّ التحرر من الوهم يبدأ حين نمتلك الشجاعة لنقف أمام أنفسنا بلا أقنعة. أن نسأل بصدق: هل ما أتمسّك به يستحق كل هذا العناء؟ هل أنا أعيش الحقيقة أم أحاول حماية صورةٍ أحببتها؟ هل هذا الطريق يقودني إلى السلام، أم أنّني أخشى فقط أن أعترف بأنّه كان خطأ؟

قد تكون الإجابات موجعة، لكنها ضرورية. فالوعي لا يأتي دائمًا ناعمًا، وأحيانًا لا يولد إلا من صدمةٍ توقظنا من نومٍ طويل. ومع ذلك، فإنّ لحظة الحقيقة، مهما كانت قاسية، تبقى أكثر رحمةً من سنواتٍ نعيشها داخل وهمٍ جميل.

حين نتحرر من الوهم، لا نفقد أحلامنا، بل نعيد ترتيبها. لا نتوقف عن الحب، بل نتعلم أن نحبّ دون أن نفقد أنفسنا. لا نفقد الثقة بالناس، بل نمنحها بوعيٍ لا بسذاجة. ولا نصبح قساةً لأنّنا عرفنا الحقيقة، بل نصبح أكثر قدرةً على حماية قلوبنا من أن تتحول إلى أرضٍ خصبةٍ لكل سراب.

فالحياة لا تطلب منا أن نكون معصومين من الخيبة، لكنها تمنحنا فرصةً كي نتعلم منها. وكل خيبةٍ تكشف لنا شيئًا لم نكن نراه، وكل سقوطٍ يعلّمنا أنّ الوقوف في المكان الخطأ ليس قدرًا دائمًا. أحيانًا يكون الرحيل بدايةً، ويكون الفقد تحريرًا، ويكون الاعتراف بالحقيقة أول انتصارٍ حقيقي على أنفسنا.

وفي النهاية، ربما لا يكون الوهم أقوى منا، بل نحن من نمنحه القوة حين نرفض أن نرى. نحن من نبني له الجدران حين نبرر، ونغلق أبوابه حين نخاف، ونبحث عن مفاتيحه في الخارج بينما هي معلقةٌ في أعماقنا.

فلا تجعل من الوهم وطنًا دائمًا، ولا تمنحه من عمرك أكثر مما يستحق. لا تسمح لسرابٍ عابر أن يحدد شكل حياتك، ولا لصورةٍ قديمة أن تمنعك من رؤية الحقيقة الجديدة. فقد يكون أقسى ما يفعله الإنسان بنفسه أن يعرف الطريق، ثم يختار أن يبقى في السجن لأنّه اعتاد جدرانه.

إنّ الحرية الحقيقية لا تبدأ حين تنفتح الأبواب من الخارج، بل حين نمتلك الشجاعة لنفتح أعيننا من الداخل.

شارك