الفساد ولبنان… توأمان لا ينفصلان

 

بقلم : أمين السكافي

منذ أن وُلدت الجمهورية اللبنانية الحديثة عام 1943، لم يكن الفساد حادثاً طارئاً على الدولة، ولا ظاهرةً ظهرت مع انهيار الليرة أو بعد الحرب الأهلية. كان الفساد، في أشكاله المختلفة، جزءاً من الطريقة التي أُديرت بها الدولة، يتبدل شكله من عهد إلى عهد، وتتغير أدواته ووجوهه، لكن جذره يبقى واحداً: تحويل الدولة من مؤسسة لخدمة المواطن إلى شبكة مصالح يتقاسمها أصحاب النفوذ.

 

ولعل المفارقة اللبنانية الكبرى أن الفساد لم يكن دائماً سراً. كثيراً ما كان اللبناني يعرف، أو يشك، أو يسمع، ثم يعود في اليوم التالي إلى انتخاب الزعيم نفسه الذي يتهمه بالفساد. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية: المشكلة ليست فقط في وجود الفاسد، وإنما في المجتمع الذي يستطيع أن يغفر للفاسد إذا كان فاسده.

 

منذ الاستقلال، قام النظام السياسي على توازن طائفي دقيق، هدفه منع غلبة جماعة على أخرى. لكن هذا النظام تطور تدريجياً إلى ما تسميه الدراسات الحديثة الاستحواذ النخبوي على الدولة، حيث تتحول الوظيفة العامة والتعيين والمشروع والخدمة إلى أدوات لتثبيت النفوذ السياسي والطائفي. وقد وثّق البنك الدولي أن نظام الحكم الطائفي اللبناني تطور إلى صيغة تعاني من ضعف مؤسسي واستحواذ واسع للنخب. (World Bank⁠)

 

بعد الحرب الأهلية، لم تُبنَ دولة جديدة بالمعنى الكامل للكلمة؛ بل جرى في كثير من الأحيان إعادة توزيع الدولة بين القوى التي خرجت من الحرب أو ورثت نفوذها.

 

وهكذا أصبح لكل عهد مفسدوه، ولكل مرحلة شبكاتها، ولكل وزارة أبوابها الخلفية.

 

في مرحلة، كان الفساد يأخذ شكل المحسوبيات والتوظيف السياسي. وفي مرحلة أخرى صار عبر الصفقات والعقود العامة. ثم دخلت إليه الخصخصة المقنّعة، والعمولات، والسمسرات، والتلزيمات بالتراضي، والمناقصات التي تُفصّل أحياناً على قياس المستفيد. وفي مراحل لاحقة اتسع ليصل إلى الجمارك والتهرب الضريبي والكهرباء والنفايات والاتصالات والمرافئ والمؤسسات العامة والقطاع المالي.

 

وليس هذا مجرد انطباع سياسي.

 

فالتشخيص الذي أعده صندوق النقد الدولي عام 2026 يصف الفساد في لبنان بأنه واسع النطاق ومنهجي، ويربطه بتقادم القوانين، وتجزؤ المؤسسات الرقابية، وضعف سيادة القانون، وشبكات المحاصصة. ويشير تحديداً إلى أن المشتريات العامة من أكثر المجالات تعرضاً لمخاطر الفساد، وأن الرشى والتلاعب بالمناقصات وتضارب المصالح والتلزيم المباشر تشكل مخاطر متكررة.

 

خذوا الكهرباء.

 

أنفقت الدولة مليارات الدولارات على مؤسسة كهرباء لبنان والدعم المرتبط بها، ومع ذلك عاش اللبنانيون سنوات طويلة على العتمة والمولدات الخاصة. وتشير دراسات مكافحة الفساد إلى وجود مصالح سياسية واقتصادية متشابكة حول قطاع الكهرباء والمولدات، وإلى أن ضعف المؤسسة الرسمية سمح باستمرار سوق بديلة ذات نفوذ سياسي .

 

وتأملوا ملف النفايات.

 

أصبحت عقود جمع النفايات والتخلص منها نموذجاً على كيفية تحول الخدمة العامة إلى سوق مصالح. توثق أبحاث الشفافية أن أحد العقود المرتبطة بشركة «سوكلين» جُدّد ثلاث مرات من دون مناقصة مفتوحة، مع ارتفاع الكلفة في كل مرة.

 

ثم جاءت الأزمة المالية لتكشف طبقة أخرى من القصة.

 

لم يكن انهيار 2019 مجرد نتيجة للفساد وحده، فهناك عوامل مالية واقتصادية وسياسية عديدة، لكن سوء الإدارة والحوكمة كانا جزءاً أساسياً من البيئة التي أنتجت الانهيار. وأصبح ملف مصرف لبنان، خصوصاً في ما يتعلق بالحاكم السابق رياض سلامة، أحد أكبر الملفات المالية والقضائية في تاريخ الجمهورية. سلامة يواجه اتهامات وتحقيقات في لبنان وخارجه، وهو ينفي ارتكاب المخالفات. وفي عام 2026 وُجّهت إليه اتهامات جديدة تتعلق باختلاس أموال عامة وإثراء غير مشروع، فيما تستمر التحقيقات. (Reuters⁠)

 

وهنا يجب أن يكون الكلام دقيقاً: الاتهام ليس حكماً قضائياً. لكن مجرد وصول ملفات بهذا الحجم إلى القضاء المحلي والدولي يكشف حجم الخلل الذي تراكم في النظام المالي والرقابي.

 

والسؤال الأصعب ليس: لماذا يفسد بعض السياسيين؟

 

السؤال هو: لماذا يستطيع الفاسد أن يعيش سياسياً بعد انكشاف فساده؟

 

الجواب موجود في الثقافة السياسية والاجتماعية اللبنانية.

 

فاللبناني الذي يرفض الرشوة عندما يدفعها لشرطي، قد يعتبر دفعها لموظف «تسهيل أمور». والذي يهاجم المحسوبية عندما يحرم منها، قد يطلبها عندما يحتاج إلى وظيفة لابنه. والذي يلعن السياسي لأنه وظّف مئات الأشخاص، قد يعتبر الأمر «خدمة لأبناء الطائفة» عندما يكون المستفيد من جماعته.

 

وهنا تتحول مخالفة القانون إلى شطارة.

 

يقول لك أحدهم: «دبّر حالك».

ويقول آخر: «كل الناس تعملها».

وثالث: «لماذا أكون أنا الغبي الوحيد الذي يدفع؟»

 

وهكذا يصبح القانون شيئاً يُحترم عندما يكون في مصلحة الفرد، ويُتحايل عليه عندما يقف في طريقه.

 

أما المذهبية، فقد أعطت هذه الثقافة حصانة إضافية.

 

فالزعيم عند شريحة من اللبنانيين ليس مجرد سياسي؛ إنه ممثل للطائفة، وحامي الجماعة، وصاحب قدرة على تأمين الوظيفة والخدمة والحماية. ولذلك يستطيع بعض أنصاره أن يغفروا له ما لا يغفرونه لخصمه.

 

إذا فسد زعيم الخصم فهو «فاسد».

 

أما إذا فسد زعيمهم، فهناك دائماً تفسير جاهز:

«الجميع يسرق، لكنه على الأقل يخدم جماعته».

 

وهنا تصبح الطائفية آلية لإعادة إنتاج الفساد.

 

فبدلاً من أن يسأل المواطن: هل سرق؟ هل خالف القانون؟ هل أضاع المال العام؟ يصبح السؤال: لأي طائفة ينتمي؟ ولأي زعيم؟

 

وهذا هو أخطر أنواع الفساد: حين يتحول الفساد من جريمة أخلاقية وقانونية إلى هوية سياسية.

 

ومع ذلك، كيف بقي لبنان واقفاً؟

 

لأن لبنان لم يكن دولة فقيرة بالكامل، بل مجتمعاً غنياً بالموارد البشرية والاغتراب والقطاع الخاص والتحويلات والسياحة والخدمات. ظل اللبنانيون في الداخل والمغتربون يمولون الاقتصاد، وظلت العائلة والشبكات الاجتماعية والدينية والطائفية تؤدي وظائف عجزت الدولة عن القيام بها.

 

لكن هذا الاستمرار كان له ثمن.

 

الدولة اقترضت، والمواطن هاجر، والمودع دفع، والليرة انهارت، والبنية التحتية تآكلت، والدين تراكم.

 

وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الدين العام ظل غير مستدام، وبلغ نحو 155.2% من الناتج المحلي في 2025، فيما بقي لبنان خارج أسواق رأس المال الدولية منذ تعثره عام 2020. (The World Bank Docs⁠)

 

أما اليوم، فلا يستطيع لبنان أن يعالج أزمته الاقتصادية من دون معالجة الفساد نفسه. فصندوق النقد يقول بوضوح إن ضعف الحوكمة والفساد يمثلان عائقاً أمام التعافي والنمو الشامل، وإن إصلاح الإدارة المالية والقضاء والرقابة والمصرف المركزي والمشتريات العامة ضروري لاستعادة الثقة.

 

لكن المعركة الحقيقية ليست قانوناً جديداً فقط.

 

لبنان لديه قوانين لمكافحة الفساد، وهيئات رقابية، وهيئة وطنية لمكافحة الفساد، وقانون للثراء العام. المشكلة أن التنفيذ بقي ضعيفاً، والهيئات الرقابية تعاني نقص الموارد والاستقلالية، بينما تستمر شبكات المحاصصة.

 

لذلك فإن السؤال الذي يجب أن يطرح على اللبناني ليس: من هو الفاسد؟

 

بل: لماذا أحتاج أنا إلى الفاسد كي أحصل على حقي؟

 

حين يصبح المواطن قادراً على الحصول على الوظيفة من دون واسطة، والرخصة من دون رشوة، والكهرباء من دون زعيم، والعلاج من دون بطاقة سياسية، والإنماء من دون طائفة، عندها فقط يبدأ الفساد بالتراجع.

 

فالفساد اللبناني ليس مجرد لص يسرق المال العام.

 

إنه نظام علاقة بين السلطة والمجتمع.

 

والزعيم الذي يفسد يحتاج إلى جمهور يحميه، والموظف الذي يرتشي يحتاج إلى مواطن يقبل الدفع، والسياسي الذي يبيع الوظيفة يحتاج إلى ناخب يطلبها.

 

وهكذا يصبح الفساد توأم لبنان الذي لا ينفصل، لا لأن اللبنانيين فاسدون بطبيعتهم، بل لأن دولة القانون لم تصبح بعد أقوى من دولة الزعيم.

 

وفي اليوم الذي يصبح فيه اللبناني مستعداً لخسارة «خدمة» زعيمه مقابل ربح دولة القانون، يبدأ لبنان الحقيقي بالولادة.

 

ذلك اليوم لم يأتِ بعد.

 

لكن من دونه، ستبقى الجمهورية تدفع ديون الماضي، وتعيش على تحويلات أبنائها، وتستدين من مستقبل أحفادها، بينما يسأل الجميع عن سبب سقوط الدولة، ولا يريد أحد أن يسأل عن حصته الصغيرة في إبقائها ضعيفة.

شارك