
لَحْنُ الخَلاص… حين يصبح العبث مرآةً للواقع
من أجواء حضوري العرض المسرحي «لحن الخلاص»، عن مسرحية «نهاية اللعبة» للكاتب الإيرلندي صموئيل بيكيت،، ومن المسرح العبثي الذي يضع الإنسان أمام أسئلته الكبرى: الانتظار، الخوف، المصير، الموت، ومعنى الاستمرار.
تبدو الحياة كأنها لعبة تقترب من نهايتها، وشخصياتها عالقة في فضاء ضيق، تتشبث بما تبقى من الوقت، وتبحث عن معنى وسط عالم فقد يقينه.
اكتشف بيكيت كل شيء… في العدم.
ومن يكتشف كل شيء، في لحظة من لحظاته، يصل إلى سكونٍ ما… إلى موتٍ ما… إلى آخر لعبة من نهايات اللعبة.
ومن هنا تأتي قوة المسرح العبثي؛ فهو لا يمنح المتلقي إجابات جاهزة، إنما يدفعه إلى مواجهة أسئلته الخاصة.
نرى الانتظار، فنفكر في كل ما انتظرناه ولم يأتِ.
نرى تكرار الأيام، فنشعر هالزمن حين يتحول إلى دائرة مغلقة.
نسمع الحديث عن الخلاص والموت، فنجد أنفسنا أمام أسئلة تشبه واقع الإنسان في أزمنة الخوف والأزمات والفقد.
وفي واقعنا المعاصر، تبدو بعض مشاهد بيكيت قريبة على نحو مؤلم من الإنسان الذي يعيش بين الانتظار والقلق، وبين الرغبة في الاستمرار والإحساس بأن الطريق يضيق من حوله.
ومن أكثر لحظات النص قسوة:
«إن قتلتهم… ما نفع وجودك؟ وكيف للحياة أن تستمر بك وحدك؟ وإن لم تقتلهم سيتحكمون بك… وبالتالي ستموت أيضًا… فاختر الميتة التي تحب.»
كلمات ثقيلة، حملها الممثلون إلى الخشبة بتركيز واضح، ومنحوها إحساسًا جعلها تصل إلى الجمهور كأنها سؤال شخصي يخص كل واحد منا.
🎭 وكان لافتًا خلال العرض حجم التفاعل بين الممثلين والجمهور.
كانت الخشبة مشدودة إلى القاعة، والقاعة مشدودة إلى الخشبة؛ صمتٌ في لحظات، وترقبٌ في لحظات أخرى، واهتمام واضح بتفاصيل الأداء والحوار والحركة.
ومع تقدم المشاهد، بدا أن الجمهور لم يعد متلقيًا بعيدًا عن الحدث، فقد أصبح جزءًا من الحالة المسرحية نفسها، يتابع انفعالات الشخصيات، يترقب تحولات الموقف، ويتفاعل مع اللحظات التي تتصاعد فيها حدة الأسئلة والصراع.
وقد استطاع الممثلون بجدية وإيمان وثقة بالنفس أن يحملوا روح النص، وأن يوصلوا رؤية صموئيل بيكيت إلى الجمهور، رغم صعوبة العمل وخصوصية لغته المسرحية.
خلدون شهاب في دور «هام»،
مصطفى الحاج في دور «كلوف»،
كريم زينو في دور «ناغ»،
وحنان عابد في دور «…»،
قدموا حالة متماسكة، اعتمدت على الحضور الداخلي، والتفاعل، والإيقاع، والصمت بقدر اعتمادها على الحوار.
وراء هذا العمل جهد كبير، وتدريبات طويلة، وإصرار من مجموعة من شباب المسرح في سَلَميّة على إبقاء الخشبة نابضة بالحياة، رغم محدودية الإمكانيات.
الإعداد: خلدون شهاب
المخرج المساعد: فادي حداد
الإخراج: مهتدي مصطفى غالب
النص: صموئيل بيكيت – «نهاية اللعبة»
وبعد العرض، كان من الجميل أن نسمع رأي أحد الحضور الذي قال:
«إنهم شباب مبدعون، استطاعوا إثبات وجودهم فعلًا. إنهم فنانون حقيقيون وبحاجة إلى الدعم.»
ربما تختصر هذه الكلمات جانبًا مهمًا من التجربة؛ فحين يخرج الفنان إلى الخشبة في ظروف صعبة، ويجد أمامه جمهورًا يصغي ويتفاعل ويشعر، يصبح استمرار المسرح مسؤولية مشتركة بين الفنان والجمهور والمجتمع.
المسرح مساحة للتفكير، ومكانٌ تُطرح فيه الأسئلة التي قد يصعب قولها في الحياة اليومية.
وفي «لحن الخلاص»، كان السؤال حاضرًا منذ اللحظة الأولى حتى إسدال الستارة:
هل نحن من نلعب اللعبة؟
أم أن اللعبة هي التي تلعب بنا؟
وربما كان الخلاص الحقيقي في تلك اللحظة التي اجتمع فيها الممثلون والجمهور حول خشبة واحدة؛ حيث يصبح الصمت كلامًا، والحركة معنى، والنظرة سؤالًا، والتصفيق اعترافًا بأن المسرح ما زال قادرًا على لمس الإنسان.
كل التحية والتقدير لفريق العمل، ولكل من يصر على أن يبقى المسرح حيًّا. ..
بقلم الفنان المسرحي عصام كحلة










