الآليات الدستورية لمحاسبة الحكومات في لبنان

 

مركز إنشاء للمعلومات

 

د. أكرم حمدان/صحافي لبناني معتمد في مجلس النواب

أكرم حمدان

 

 

طرحت جلسة المناقشة العامة لسياسة الحكومة، التي عقدها البرلمان اللبناني على مدى يومين في 15 و16 أيلول الحالي، وتجديد الثقة بالحكومة كنتيجة لهذه الجلسة، الكثير من الأسئلة حول آليات وأدوات الرقابة والمحاسبة التي يتمتع بها البرلمان على أعمال الحكومة كسلطة تنفيذية، وكذلك الجدوى من إنعقاد هكذا جلسات طالما لم تسجل أي سابقة بأن هذا النوع من جلسات المحاسبة قد يؤدي إلى إسقاط الحكومة أو أقله طرح الثقة بوزير معين وفرض إستبداله بآخر كحد أدنى.

 

إن الإجابة على هذه الأسئلة والتساؤلات تقتضي التوضيح للآليات المعتمدة وفقاً

 

للدستوراللبناني والنظام الداخلي لمجلس النواب.

 

فالدستور والنظام الداخلي يحددان آليات وأدوات المحاسبة البرلمانية من خلال عقد جلسات تُخصص للأسئلة والأجوبة أوالإستجوابات أو المناقشة العامة تمهيداً لطرح الثقة بالحكومة أو بوزيرمعين.

 

وتعرف جلسات الأسئلة والأجوبة من خلال توجيه النواب أسئلة خطية أو شفهية إلى الوزراء حول ملفات أو وزارات معينة، ويتعين على الحكومة الإجابة عنها ضمن مهل محددة.

 

أما جلسات الاستجواب فتعتبرأدنى سقفاً من طرح الثقة ولكنها تتيح للنائب مساءلة الحكومة أو وزير معين حول سياسة عامة أوأمرخطير، وتُناقش في الهيئة العامة.

 

وكذلك الأمربالنسبة لجلسات المناقشة العامة، فهيجلسات تخصص لمناقشة أداء الحكومة أو سياستها في ملفات معينة (مثل الكهرباء، الموازنة، الأمن، الوضع المعيشي والإقتصادي).

 

وفي الحالات الثلاث يُتيح النظام الداخلي للمجلس طرح الثقة بالحكومة أو بوزير أو عدد من الوزراء في نهاية الجلسات التي تُختتم بالتصويت على تجديد الثقة أو حجبها، وغالباً ما يتحول هذا النوع من الجلسات في لبنان من النقاش التقني والخدماتي البحت إلى مناقشات سياسية واسعة ومناكفات تتعلق بالخيارات الكبرى أو الملفات الإقليمية والأمنية.

 

فماذا يقول النص الدستوري ونص النظام الداخلي في هذه الحالات؟

 

تنص المادة 32من الدستورعلى اجتماع مجلس النواب في عقدين عاديين سنوياً، مما يتيح متابعة أعمال الحكومة ومحاسبتها بانتظام، وتُعطي المادة 37 لكل عضو من أعضاء مجلس النواب حق ابداء الرأي في أعمال الحكومة، وتضمن حرية إبداء الرأي والمساءلة خلال دورات الإنعقاد، بينما تنص المادة 68 على أنه “في كل مرة يطرح فيها موضوع الثقة بالحكومة أو بأحد الوزراء، يجب أن تجري المناقشة بعد خمسة أيام على الأقل من تاريخ طرحه”، وتحدد هذه المادة آلية منح أو حجب الثقة.

 

في المقابل تحدد المادة 69 حالات سقوط الحكومة، ومنها إذا استقال رئيس مجلس الوزراء، أوفقد أكثرية أعضاء الحكومة، أو بسبب طرح الثقة بها من قبل المجلس النيابي وفق الأصول الدستورية، ومن المواد التي لا بد التذكير بها وتتعلق بآليات المراقبة والمحاسبة للحكومة أيضاً المادة 87 التي تتحدث عن وجوب عرض حسابات الإدارة المالية النهائية لكل سنة على المجلس ليوافق عليها، أي (قطع الحساب) قبل نشرموازنة السنة الثانية التي تليها.

 

أما مواد النظام الداخلي للمجلس المتعلقة بالجلسات والمناقشة فيمكن التذكير بها وفقاً لما ورد في الباب الثالث من هذا النظام تحت عنوان “الرقابة البرلمانية”، ولكن قبل عرضها لا بد من الإشارة إلى المادتين 50 و58 من هذا النظام حيث تُحدد الأولى صلاحيات رئيس المجلس في إدارة الجلسات، ومنحه الإذن بالكلام أو منعه، وتنظيم توجيه الأسئلة التي تقتضيها إدارة الجلسة، بينما تمنح الثانية رئيس المجلس حق حفظ الأمن والنظام داخل القاعة، وتطبيق النظام الداخلي بحذافيره على المتحدثين.

 

كما أن المادة 73 تُحدد مدة الكلام للنائب والحكومة كما يأتي:

 

– في الاستجواب: ربع ساعة للمستجوب لشرح استجوابه وربع ساعة للحكومة وخمس دقائق لكل من النواب الآخرين.

– في السؤال: عشردقائق لكل من السائل والوزيرالمختص.

– في الموازنة ومناقشة البيان الوزاري: ساعة لكل نائب.

– بصورة خاصة تجوزتلاوة الخطابات بإذن الرئيس شرط أن لا تتعدى مدة التلاوة نصف الساعة.

– وفي الحالات الأخرى يحدد رئيس المجلس مدة الكلام لكل نائب وفقاً للضرورة.

تجري مناقشة البيان الوزاري في جلسة تعقد بعد 48 ساعة على الأقل من جلسة التلاوة ما لم يكن قد وزع البيان الوزاري على النواب قبل هذه الجلسة بمدة مماثلة.

 

بعد ذلك تأتي المواد من 124 حتى 138 لتفصل آليات توجيه الأسئلة الشفوية أو الخطية والإجابة عليها من قبل الحكومة وتحديد مهلة 15 يوماً لذلك وحق النائب في تحويل السؤال إلى إستجواب، إضافة إلى آليات إنعقاد جلسات مخصصة للأسئلة والأجوبة، وكذلك للإستجواب.

 

على أن الأهم هو ما ورد في المادة 136 التي تقول:”بعد كل ثلاث جلسات عمل على الأكثر في العقود العادية والاستثنائية تخصص جلسة للأسئلة والأجوبة أو جلسة للاستجوابات أو للمناقشة العامة مسبوقة ببيان من الحكومة”.

 

وتُحدد المادة 137 آلية تعيين هذا النوع من الجلسات حيث تنص على أن “تعين جلسة لمناقشة الحكومة في سياستها العامة بطلب من الحكومة أو بطلب من عشرة نواب على الأقل وموافقة المجلس”.

 

وينتهي الفصل الرقابي بالمادة 138 التي تقول:”للحكومة ولكل نائب أن يطلب طرح الثقة بعد إنتهاء المناقشة في الإستجوابات أو في المناقشة العامة، كما يحق للحكومة أن تعلّق الثقة على إقرار مشروع قانون تقدمت به، وفي هذه الحال يعتبر رفض المشروع نزعاً للثقة بالحكومة.

 

أما إذا كان الطلب مقدماً من أحد النواب فلا تعتبرالثقة معلقة على قبول المشروع إلا إذا وافقت الحكومة على الطلب، وفي هذه الحال يحق لكل من الحكومة والنائب طلب تأجيل المناقشة بالمشروع والتصويت عليه لمدة خمسة أيام على الأكثر.

 

ويحق لكل وزيرأن يطرح الثقة بنفسه منفرداً أو أن يعلقها على أي مشروع قيد المناقشة كما يحق لكل نائب أن يطلب طرح الثقة بشخص الوزيروذلك وفقاً للأصول المبينة أعلاه”.

 

إن ما تقدم قد يشرح الآليات الدستورية وآليات النظام الداخلي لمجلس النواب التي تحكم هذا النوع من الجلسات، ولكنه لا يُعطي جواباً شافياً حول الأسئلة المطروحة تجاه جدوى وفاعلية هذه الجلسات، لأن طبيعة التركيبة اللبنانية المعقدة لا تُتيح ممارسة اللعبة الديموقراطية التي نص عليها النظام البرلماني الذي يتسم به لبنان.

 

ويؤكد أكثرمن مصدرنيابي لـ”مركزإنشاء للمعلومات والأخبار”، لا بل يعترف هؤلاء بأن قرارإسقاط الحكومة هو قرارسياسي ويُتخذ خارج قاعة البرلمان، ولكن ذلك لا يجب أن يُلغي الإلتزام بالأصول الدستورية لجهة إنعقاد جلسات محاسبة ومراقبة الحكومة التي قد تُساعد على الإضاءة على بعض الملفات والقضايا الحياتية للمواطن بإنتظارالوصول إلى مرحلة تُصبح فيها ممارسة العملية الرقابية منتجة وقد تؤدي إلى الإطاحة بالحكومة أوأحد الوزراء.

 

 

شارك