
ترامب وإيران… حربٌ بدأت بضربة وانتهت بأزمة عالمية
بقلم : أمين السكافي
في 28 شباط/فبراير 2026، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً مفتوحة على إيران، تحت عناوين معلنة تتعلق بالبرنامج النووي والصاروخي والقدرة العسكرية الإيرانية، فيما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في مراحل مبكرة، فكرة أن يؤدي الضغط العسكري إلى إضعاف النظام الإيراني وربما دفعه إلى الانهيار. بعد سبعة أشهر، تبدو الصورة أكثر تعقيداً بكثير من الحسابات التي رافقت الضربة الأولى.
حققت واشنطن بالفعل نتائج عسكرية لا يمكن إنكارها. فقد أصابت الضربات منشآت عسكرية وصاروخية وبنى قيادة وسيطرة إيرانية، وألحقت أضراراً كبيرة بالبحرية الإيرانية التقليدية، كما قُتل عدد من كبار القادة الإيرانيين، وفي مقدمتهم السيد علي خامنئي. لكن الهدف السياسي الأكبر لم يتحقق: الجمهورية الإسلامية لم تسقط، والقيادة انتقلت إلى مجتبى خامنئي، فيما بقيت الدولة الإيرانية قادرة على مواصلة القتال وإطلاق الصواريخ والمسيّرات وإعادة إنتاج جزء من قدراتها. ويشير تقرير خدمة أبحاث الكونغرس إلى أن تقديرات استخبارية أشارت إلى احتفاظ إيران بجزء كبير من منصات إطلاق الصواريخ ومخزونها الصاروخي، بينما بدأت إعادة تشغيل إنتاج الصواريخ في منشآت تحت الأرض.
وهنا تظهر المفارقة الأولى في الحساب الأميركي: الضربة العسكرية نجحت أكثر مما نجح المشروع السياسي الذي كان يفترض أن تأتي به الضربة.
أما بالنسبة إلى ترامب، فقد حصل على مكاسب محددة: أظهر قدرة الولايات المتحدة على تنفيذ عمليات جوية بعيدة المدى، وأثبت استمرار التفوق الأميركي في الاستطلاع والضربات الدقيقة، وأعاد تأكيد الشراكة العسكرية مع إسرائيل. لكنه في المقابل دخل حرباً استنزفت المال والسلاح والجاهزية. فقدّر مكتب الميزانية في الكونغرس كلفة العمليات العسكرية بنحو 38 مليار دولار حتى الأول من آب، بينما رفعت القيادة المركزية الأميركية لاحقاً التقدير إلى نحو 43.6 مليار دولار حتى أوائل أيلول، من دون احتساب كامل كلفة إعادة بناء القواعد المتضررة.
والأهم أن الخسارة ليست مالية فقط. فقد قُتل عدد لا بأس به من الجنود الأميركيين وأصيب أكثر من 800، فيما تعرضت قواعد أميركية في المنطقة لأضرار واسعة. وتحدثت تقارير عن تضرر أو تدمير مئات المنشآت والمباني، وعن خسائر في الطائرات والمسيّرات؛ بل إن ضربات إيرانية أصابت قاعدة موفق السلطي في الأردن وألحقت أضراراً بنحو ثماني طائرات F-15 وطائرة A-10. كما أصبحت مخزونات الذخائر الدقيقة والدفاعات الصاروخية الأميركية موضع قلق استراتيجي، وأشار تقرير رقابي إلى أن الاستهلاك أدى إلى نقص في المخزون وعرّض قاعدة التصنيع العسكري الأميركية لاختناقات في إعادة الإمداد.
وهذا يقود إلى مسألة الهيبة. فالولايات المتحدة لم تفقد تفوقها العسكري، لكن صورة القاعدة الأميركية المحصّنة التي لا يمكن الوصول إليها تضررت. إيران لم تستطع هزيمة الجيش الأميركي في معركة تقليدية، لكنها استطاعت إثبات أن الانتشار الأميركي الواسع في الخليج والعراق والأردن وسائر المنطقة يمثل شبكة أهداف يمكن ضربها، وأن التفوق الجوي الأميركي لا يعني حصانة القواعد والمنشآت والمصالح الأميركية.
وهنا كانت إيران أكثر نجاحاً في توسيع مساحة الحرب من تحويلها إلى مواجهة ثنائية بين واشنطن وطهران. فالصواريخ والمسيّرات طالت إسرائيل والقواعد الأميركية، بينما أصبح الخليج نفسه جزءاً من المعركة، وتحوّل مضيق هرمز إلى واحدة من أخطر أوراق القوة الإيرانية. وبحسب خدمة أبحاث الكونغرس، أدت التهديدات والهجمات الإيرانية على الملاحة إلى تراجع كبير في حركة السفن عبر المضيق وارتفاع أسعار النفط والغاز.
وهنا انتقلت المعركة من «من ينتصر عسكرياً؟» إلى سؤال أخطر: من يستطيع تحمل كلفة الحرب على الاقتصاد العالمي؟
فمضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي إيراني أو خليجي؛ إنه شريان عالمي للطاقة. وقبل الحرب كان يمر عبره نحو خمس النفط العالمي، ولذلك فإن اضطراب الملاحة فيه لا يرفع سعر البنزين فقط، بل ينعكس على النقل والكهرباء والصناعة والغذاء والأسمدة وسلاسل الإمداد والتضخم في عشرات الدول. وقد ارتفع سعر خام برنت من نحو 72 دولاراً قبل اندلاع الحرب إلى أكثر من 118 دولاراً في مراحلها الأولى، ثم عاد للتذبذب مع تطورات المواجهة.
أما الحلفاء العرب لواشنطن، فقد وجدوا أنفسهم في وضع بالغ الحساسية. فالدول الخليجية التي تستضيف القواعد الأميركية أصبحت في الوقت نفسه جزءاً من منظومة الرد الإيراني. والمنشآت النفطية والمطارات والقواعد والموانئ أصبحت جميعها معرضة لتداعيات الحرب. وهذا يعني أن الولايات المتحدة، التي جاءت لتوسيع أمن حلفائها، وجدت نفسها مطالبة بحماية هؤلاء الحلفاء من آثار الحرب التي شاركت في إشعالها.
هل وصل ترامب إلى قناعة بأنه ارتكب خطأ استراتيجياً؟
لا توجد حتى الآن أدلة موثوقة تسمح بالقول إن ترامب أعلن أو اعترف بذلك صراحة. لكن سلوك الإدارة الأميركية يكشف أن كلفة الحرب أصبحت عاملاً مركزياً في الحسابات السياسية. فقد طرحت واشنطن خيارات تتراوح بين استمرار الضربات، ووقف أو تعليق القتال، والتصعيد، والعودة إلى التفاوض. كما أن ترامب نفسه تحدث في أيلول عن إمكانية انتهاء الحرب بعد انتخابات منتصف الولاية، بينما كانت الإدارة تواجه ضغوطاً بسبب أسعار الطاقة واستنزاف الذخائر.
وفي الداخل الأميركي بدأت الحرب تتحول إلى مشكلة سياسية للجمهوريين. فقد أظهر استطلاع لمركز بيو في آذار أن 61% من الأميركيين كانوا غير موافقين على طريقة ترامب في إدارة الحرب، وإن كان التأييد داخل الجمهوريين أنفسهم أعلى بكثير. ومع استمرار الحرب، بدأت تظهر اعتراضات جمهورية في الكونغرس، بما في ذلك تصويت نواب جمهوريين على تقييد قدرة ترامب على مواصلة العمليات من دون موافقة الكونغرس.
أما إيران، فقد دفعت ثمناً أيضا : خسائر بشرية ومادية، اغتيال قيادات، تدمير منشآت عسكرية، أضرار اقتصادية، وضغط هائل على الطاقة والبنية التحتية. لكن ما لم تخسره هو الدولة نفسها. وهذا بحد ذاته أصبح أحد أهم عناصر القوة السياسية الإيرانية في الحرب ، ويكفي صمودها وثباتها أمام أقوى قوة عظمى في العالم .
إيران خسرت مواقع، لكنها احتفظت بالقدرة على الرد. خسرت قادة، لكنها أعادت تشكيل القيادة. خسرت جزءاً من قدراتها العسكرية، لكنها أبقت الصواريخ والمسيّرات وأوراقها الإقليمية. والأهم أنها استطاعت نقل المعركة من أراضيها إلى البيئة الاستراتيجية المحيطة بها: إسرائيل، القواعد الأميركية، الخليج، هرمز، الملاحة والطاقة، وأخرها باب المندب .
وهكذا تبدو الحرب اليوم أقل شبهاً بحرب خاطفة وأكثر شبهاً بحرب استنزاف متبادلة. الولايات المتحدة تملك التفوق العسكري والقدرة على إلحاق أضرار أكبر، لكن إيران تملك القدرة على رفع كلفة ذلك التفوق. والولايات المتحدة تستطيع ضرب إيران، لكن إيران استطاعت أن تجعل ضرب إيران مشكلة أميركية داخل أميركا، ومشكلة إسرائيلية داخل إسرائيل، ومشكلة خليجية داخل الخليج، ومشكلة اقتصادية تمتد إلى العالم.
لذلك فإن الخيارات أمام ترامب أصبحت ثلاثة مسارات رئيسية: التصعيد والمخاطرة بحرب أوسع، أو تسوية تفاوضية تتيح له إعلان نهاية الحرب، أو إبقاء الصراع في مستوى استنزاف منخفض من دون حسم. ولا يحمل أي من هذه الخيارات انتصاراً نظيفاً.
المفارقة الكبرى أن الحرب التي بدأت بهدف تغيير ميزان القوة في الشرق الأوسط انتهت بتوسيع دائرة عدم الاستقرار. وفي الحساب الاستراتيجي، قد تكون هذه هي الخسارة الأعمق لواشنطن: ليس أن أميركا لم تعد القوة الأقوى، بل أن القوة الأقوى اضطرت إلى إنفاق عشرات المليارات، واستنزاف جزء من مخزونها العسكري، وتعريض قواعدها وحلفائها للخطر، ثم البحث عن مخرج تفاوضي من حرب لم تحقق حتى الآن هدفها السياسي النهائي.
أما إيران، فليست دولة منتصرة بالمعنى التقليدي أيضاً؛ فقد دفعت ثمناً بشرياً وعسكرياً واقتصادياً هائلاً. لكنها أثبتت أن إسقاط نظامها بالقوة ليس مسألة سهلة، وأن امتلاك القدرة على تعطيل طرق الطاقة والملاحة يجعل أي حرب ضدها حرباً تتجاوز حدودها.
وهنا تكمن خلاصة المشهد: أميركا استطاعت أن تضرب إيران، لكن إيران استطاعت أن تجعل ثمن ضربها عالمياً.



