اعترافات من فوق الهرم

 

كتب رياض الفرطوسي

 

منذ سقوط تمثال الطاغية في التاسع من نيسان عام ألفين وثلاثة، ولد العراق الجديد وهو يحمل في ملفه الرسمي وعداً واحداً يتكرر بصيغ متعددة: القضاء على الفساد. توالى على السلطة رؤساء وزراء من خلفيات مختلفة، أحزاب متصارعة، وتحالفات تُعقد وتُفَك بحسب موازين المصالح لا بحسب برامج الإصلاح، وفي كل مرة كان الوافد الجديد إلى كرسي رئاسة الوزراء يفتتح ولايته بخطاب حازم عن “محاربة الفساد بلا استثناء”، ليختتمها بعد سنوات بحقيبة من الملفات المؤجلة وأرقام متضخمة في تقارير منظمة الشفافية الدولية، التي ظل العراق فيها ضمن أكثر عشرين دولة فساداً في العالم لأكثر من عقدين متتاليين.

 

المفارقة ليست في تكرار الوعد، بل في أن كل من نطق به كان يعرف سلفاً استحالة تحقيقه، لأن النظام السياسي الذي أُسس بعد عام ألفين وثلاثة لم يُبنَ على فكرة الدولة بمفهومها المؤسسي، بل على فكرة المحاصصة: توزيع المناصب والوزارات والدرجات الخاصة على الكتل بحسب أوزانها الانتخابية، لا بحسب الكفاءة. وحين تتحول الوزارة إلى حصة حزبية بدل أن تكون جهازاً خدمياً، يصبح كل تعيين فيها رهينة ولاء سياسي، وكل عقد حكومي بوابة لتمويل الحزب أو الفصيل الذي يقف خلف الوزير. هكذا تحول الفساد من ظاهرة عرضية يمكن ملاحقتها قانونياً، إلى وظيفة أساسية من وظائف النظام نفسه، تماماً كما يحتاج الجسم إلى الدورة الدموية لكي يعيش.

 

الأرقام وحدها تكشف حجم المأساة: عراق يملك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم تقريباً، ومع ذلك تنقطع الكهرباء عن بيوته في قيظ الصيف، وتُصرف عشرات المليارات على وزارة الكهرباء وحدها منذ عام ألفين وثلاثة دون أن تتحول المنظومة إلى منظومة مستقرة. مشاريع وهمية بمليارات الدولارات ظهرت في تقارير هيئة النزاهة ثم اختفت من دون محاسبة تُذكر، وملفات كبرى مثل سرقة القرن التي كشفت عن نهب ما يقارب ثلاثة مليارات ونصف من أموال هيئة الضرائب، لم تُغلق حتى اليوم بحكم قضائي حاسم يطال كبار المتورطين، بل بقيت حبيسة تحقيقات مفتوحة وأسماء متداولة على استحياء.

 

وحين يخرج مسؤول رفيع، أياً كان اسمه أو موقعه، ليصرّح أن تطبيق مكافحة الفساد على الجميع “يعني انهيار النظام”، فهو لا يفشي سراً بقدر ما يصف بدقة نادرة معادلة السلطة القائمة: النظام لا ينهار بسبب الفساد، بل الفساد هو الذي يُبقيه واقفاً، لأنه الرابط الذي يوزع المنافع بين الكتل المتنافسة ويشتري به السلم الأهلي الهش بين مكونات متوجسة من بعضها. من هنا فإن أي محاولة جادة لتفكيك شبكة المحاصصة المالية تصطدم فوراً بمن يملكون القدرة على تعطيل الحكومة، أو سحب الثقة من رئيس الوزراء، أو تجميد قرارات مجلس النواب، لأن الجميع تقريباً شريك في المنظومة ذاتها بدرجات متفاوتة.

 

هذا لا يعني أن الإصلاح مستحيل بالمطلق، لكنه يعني أن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يأتي من داخل الأدوات نفسها التي أنتجت الأزمة. حين تُحال ملفات الفساد إلى هيئات تشرف عليها الكتل السياسية ذاتها المتهمة، وحين يُعيَّن قضاة التحقيق ومديرو الأجهزة الرقابية عبر نفس آلية المحاصصة، فإن النتيجة المنطقية هي دوران في حلقة مفرغة: تحقيقات تبدأ بضجيج إعلامي وتنتهي بتسويات هادئة، وأسماء توضع على قوائم المنع من السفر ثم تُرفع عنها بقرارات لاحقة، وأموال مسترجعة من الخارج تُعلن أرقامها الرسمية لكن مصيرها النهائي يبقى غامضاً.

 

المواطن العراقي، بعد أكثر من عشرين عاماً، لم يعد ينتظر إعلان الحرب على الفساد، بل تحول إلى مراقب متمرس يقيس المسافة بين الخطاب والفعل بدقة الخبير. يعرف أن كل حكومة جديدة ستحمل شعار الإصلاح في أول مئة يوم لها، ويعرف أيضاً أن هذا الشعار سيخفت تدريجياً كلما اقتربت الحكومة من موازين القوى الفعلية داخل البرلمان. وهذه المعرفة الجمعية المتراكمة هي في ذاتها أخطر نتائج الفساد المستشري: ليست فقط الأموال المنهوبة والمشاريع المتوقفة، بل ذلك اليأس الهادئ الذي يجعل جيلاً كاملاً يفقد الثقة بإمكانية أن تصلح الدولة نفسها من الداخل.

 

ولعل أصدق وصف لما يحدث هو أن النظام السياسي العراقي لا يرفض مكافحة الفساد، بل يرفض أن يُطبَّق القانون بمعيار واحد لا يستثني أحداً، لأن هذا التطبيق يعني بالضرورة مساءلة الأعمدة التي يقوم عليها، لا الهوامش فقط. وأي بناء أُقيم على عمود مائل، مهما جُمّل واجهته، سيبقى مهدداً بالسقوط في اللحظة التي يُراد فيها تقويم ذلك العمود بالقوة، لا لأن العدالة خطيرة على الدولة، بل لأن الدولة كما صُممت لم تكن يوماً مبنية لتحتمل عدالة من هذا النوع.

شارك