
«الرسم الأخير»
خاص الدستور
نقل مراسم الافتتاح الكاتب عصام كحلة
في افتتاح مهرجان سلمية الأول للديودراما، حضرتُ عرض «الرسم الأخير»، في تجربة مسرحية تقوم على شخصيتين تتحركان داخل فضاء منزل فنان تشكيلي، حيث يتحول المكان تدريجياً إلى مساحة مفتوحة للصراع، والتحدي، والبحث عن صورةٍ أخيرة يمكن أن تكتمل داخلها الحكاية.
العرض، من تأليف وتوليف عن نص لعصام نبيل وعدة نصوص أخرى، وسينوغرافيا وإخراج محمد الشعراني، وتمثيل محمد الشعراني وجودي الشعراني، حاول أن يقدم عبر شخصيتيه لوحةً مسرحية تتداخل فيها حدود الواقع والحلم، وتتشابك فيها المحاكاة مع الحقيقة، بحيث يصبح المشاهد أمام سؤال مستمر: أين ينتهي الواقع، وأين يبدأ الحلم؟
ما لفتني في التجربة أن الشخصيتين تحملان داخل حضورهما المسرحي أكثر من مستوى؛ فهما تتحركان وكأنهما تحاولان رسم لوحة كاملة عن الصراع الإنساني، والتحديات، والانكسارات، والرغبة في الوصول إلى صورة مختلفة للحياة.
وهنا تكمن جمالية الفكرة؛ فالفنان التشكيلي يرسم على القماش، بينما الشخصيتان تحاولان أن ترسما من خلال حضورهما وحركتهما وحوارهما لوحةً أخرى، قوامها الإنسان ومشاعره وأسئلته وتناقضاته.
أما الأداء التمثيلي، فقد كان مميزاً ولافتاً.
قدّم محمد الشعراني وجودي الشعراني أداءً مقبولاً ومتماسكاً، وتمكنا من حمل مساحة العرض بشخصيتين فقط، مع حضور واضح في الحركة والتفاعل وتبادل الطاقة على الخشبة. وكان من الجميل متابعة التحولات التي تحدث بينهما، خصوصاً في المساحات التي يقترب فيها الأداء من المحاكاة، أو حين يصبح الحلم امتداداً للواقع.
ومن وجهة نظري، كان يمكن لهذا الأداء أن يصل إلى صورة أكثر اكتمالاً لو مُنح العمل وقتاً إخراجياً أطول؛ لأن الفكرة تحمل إمكانات بصرية ودرامية واسعة، وتستحق اشتغالاً أعمق على إيقاع المشاهد، وانتقالات الشخصيتين، وتفاصيل العلاقة بين الحركة والفضاء واللوحة.
وهنا تأتي مسؤولية المخرج محمد الشعراني في تطوير التجربة أكثر؛ فالعمل يمتلك مادةً تستحق المزيد من البحث والاشتغال، حتى تظهر الفكرة بأجمل صورة ممكنة، ويصل الصراع بين الواقع والحلم إلى أقصى طاقته المسرحية.
«الرسم الأخير» بالنسبة لي يشبه لوحةً ما زالت تبحث عن ضربتها الأخيرة؛ خطوطها موجودة، وألوانها حاضرة، وشخصياتها تحمل الكثير من الأسئلة، وتبقى المساحة مفتوحة أمام المخرج والفنانين لمزيد من الاشتغال، حتى تكتمل اللوحة بالشكل الذي تستحقه.
ولعل أجمل ما يتركه العرض بعد نهايته هو هذا السؤال:
هل نحاول أن نرسم أحلامنا داخل الواقع، أم أن الواقع يعيد رسم أحلامنا كما يريد؟
كل الشكر والتقدير لفريق العمل على هذه التجربة، وللفنانين محمد الشعراني وجودي الشعراني على حضورهما وأدائهما، وللمخرج والسينوغراف محمد الشعراني على هذه المغامرة المسرحية. والشكر موصول إلى إدارة مهرجان سلمية الأول للديودراما على هذا الحضور الثقافي والمسرحي، وعلى منح الخشبة مساحةً لتجارب تحمل أسئلة جديدة، وتدعو الجمهور إلى التأمل والحوار.
نسأل الله أن يبارك كل جهدٍ يبذل من أجل المسرح والفن والجمال، وأن تبقى خشبة سلمية عامرةً بالإبداع.
بقلم المسرح عصام كحلة




















