العراق هو الاستثناء من كل دول العالم .

بوصلة المواقف …

ان العراق ليس كأي دولة عابرة في محيطها الإقليمي، ولا مجرد جار جغرافي لإيران تفصل بينهما حدود سياسية يمكن أن تجعل العلاقة بين البلدين محكومة بحسابات المصالح العابرة. فالعراق وإيران تجمعهما شبكة بالغة التعقيد من الروابط التاريخية والاجتماعية والثقافية والدينية والاقتصادية، حتى باتت العلاقة بين الشعبين تتجاوز في كثير من جوانبها مفهوم العلاقات الدولية التقليدية.

ولهذا فإن التعامل مع العراق وإيران بالمنطق نفسه الذي يمكن أن تنظر به الدول إلى علاقاتها مع أي دولتين أخريين، هو تجاهل لخصوصية استثنائية لا يمكن إلغاؤها بقرار سياسي أو إجراء إداري.

ومن أبرز مظاهر هذه الخصوصية، حركة الزيارة الدينية الواسعة بين البلدين. فالعراق يحتضن مراقد وعتبات مقدسة يقصدها ملايين الزائرين من إيران وغيرها، كما أن العراقيين يقصدون المدن والمراقد المقدسة في إيران، في حركة دينية واجتماعية امتدت لعقود طويلة، وأصبحت جزءا من الحياة الثقافية والدينية لشعوب المنطقة.

ومن هنا فإن أي قرار يؤدي إلى حظر أو تعطيل حركة الطيران بين العراق وإيران لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد إجراء يتعلق بالطيران المدني. فآثاره تمتد إلى حياة ملايين الناس، وإلى الزيارات الدينية، وصلة العائلات، والتبادل الثقافي، والحركة الاقتصادية، ومصالح المسافرين والطلبة والمرضى والتجار والزائرين.

إن الطيران المدني في مثل هذه الحالة ليس مجرد وسيلة نقل، بل هو أحد الجسور التي تربط مجتمعين متداخلين تاريخيا ودينيا واجتماعيا.

والأكثر خطورة أن يتحول العراق إلى طرف في تنفيذ حصار اقتصادي مفروض على دولة أخرى، في وقت لا ينبغي فيه أن تكون الشعوب هي التي تدفع ثمن الخلافات السياسية بين الحكومات والقوى الدولية.

فالحصار الاقتصادي، عندما يتجاوز استهداف إجراءات محددة إلى التضييق على حياة الناس وحركتهم ومعاملاتهم، يفتح نقاشا واسعا حول مشروعيته وآثاره الإنسانية والقانونية. ولذلك فإن على الدولة العراقية أن توازن بين التزاماتها الدولية وبين مصالح شعبها وسيادتها وخصوصية علاقاتها مع جيرانها، وأن لا تسمح بأن تتحول أراضيها ومؤسساتها إلى أدوات لتنفيذ سياسات خارجية على حساب مصالح العراقيين.

العراق هنا ليس كأي دولة أخرى.

فهناك حدود مشتركة، ومصالح اقتصادية متبادلة، ومدن دينية يقصدها ملايين الزائرين، وروابط عائلية واجتماعية عميقة، وتاريخ طويل من التفاعل بين الشعبين. وهذه الحقيقة تجعل من الصعب، بل ومن غير المنطقي، التعامل مع العراق باعتباره مجرد دولة يمكن مطالبتها بقطع شريان من شرايين التواصل مع إيران دون أن تكون لذلك تداعيات واسعة على المجتمع العراقي نفسه.

إن استقلال القرار العراقي، يعني أن تكون بغداد قادرة على تحديد ما ينسجم مع مصالح العراق وشعبه، وأن تكون علاقاتها الخارجية قائمة على احترام السيادة والمصالح المتبادلة وعدم تحويل العراق إلى ساحة لتنفيذ إرادات الآخرين.

والعراق، بما يمثله من مركز ديني وحضاري في المنطقة، يمتلك خصوصية لا يمكن تجاهلها. فمدن النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء ليست مجرد مدن عراقية بالمعنى الإداري، وإنما هي مراكز دينية عالمية يرتبط بها وجدان ملايين المسلمين. وحركة الزائرين إليها ليست ملفا تجاريا أو سياحيا محضا، بل هي جزء من ثقافة دينية راسخة.

ان احترام الخصوصية للبلد، يعني أن تكون الإجراءات متناسبة مع الضرورات الحقيقية، وألا تتحول الظروف السياسية الدولية إلى ذريعة لقطع التواصل الطبيعي بين الشعوب.

إن العراق يستطيع أن يكون جسرا للحوار، لا جدارا للحصار.

وفي عالم تتحدث فيه الدول عن الانفتاح والحوار والتعايش والتبادل بين الشعوب، سيكون من المفارقات أن يصبح العراق، الذي تربطه بإيران كل هذه الروابط، جزءا من سياسة تؤدي إلى عزل شعب عن شعب، وزائر عن مزار، وعائلة عن عائلة، وتاجر عن سوق، وطالب عن جامعته، ومريض عن علاجه.

إن الموقف العراقي من هذه المسألة سيبقى حاضرا في الذاكرة السياسية والشعبية، لأن التاريخ لا يسجل فقط الحروب والمعاهدات، بل يسجل أيضا مواقف الدول عندما توضع أمام اختبار السيادة والإنسانية والمصالح الوطنية.

ولهذا فإن تماشي العراق مع أي حصار ظالم أو إجراءات تستهدف الشعب الإيراني، من دون مراعاة لخصوصية العلاقات العراقية الإيرانية وللمصالح العراقية المباشرة، سيكون موقفا قابلا للنقاش التاريخي والأخلاقي والقانوني، وقد يرى فيه كثيرون ابتعادا عن الدور الذي يفترض أن يؤديه العراق في المنطقة.

العراق لا يحتاج إلى أن يكون تابعا لمحور، كما لا يحتاج إلى أن يكون خصما لمحور آخر. ما يحتاجه هو قرار عراقي مستقل، يضع العراق أولا، ويحمي سيادته، ويحافظ على مصالح شعبه، ويحترم علاقاته التاريخية والدينية مع الشعوب المجاورة.

فالعراق هو الاستثناء من كل دول العالم في هذه العلاقة؛ ليس لأن له امتيازا سياسيا على غيره، وإنما لأن الجغرافيا والتاريخ والدين والمجتمع صنعت بينه وبين إيران واقعا خاصا لا يمكن اختزاله في لغة العقوبات والحصار وإغلاق الأجواء.

وحين يصبح القرار السياسي سببا في قطع طريق الزائرين، وتعطيل صلات العائلات، وإرباك مصالح التجار والطلبة والمرضى، فإن السؤال لا يعود متعلقا بالطيران وحده، بل يصبح سؤالا عن معنى السيادة، وحدود الالتزام، ومصلحة الشعب، وموقعها العراق في محيطه.

وان العراق يستطيع أن يحترم قوانينه والتزاماته الدولية، وفي الوقت نفسه يحافظ على خصوصية علاقاته مع جيرانه، ويبحث عن الاستثناءات والآليات التي تحمي مصالح شعبه، بدلا من أن يتحول إلى حلقة إضافية في سلسلة من العقوبات التي لا يدفع ثمنها أصحاب القرار وحدهم، وإنما يدفع ثمنها المواطنون أولا.

والتاريخ، مهما طال الزمن، لا ينسى مواقف الدول في اللحظات التي كان عليها أن تختار بين أن تكون صاحبة قرار مستقل، أو مجرد منفذ لقرار صاغه الآخرون.

 

بقلم جليل هاشم البكاء

شارك