«نادي الضحك»… حين يصبح القناع سؤالًا، ويصبح الضحك طريقةً أخرى لمواجهة الألم.

«نادي الضحك»…
من أجواء  اليوم الثالث من مهرجان سَلَميّة الأول للديودراما 2026
في اليوم الثالث من فعاليات مهرجان سَلَميّة الأول للديودراما 2026، كان الجمهور على موعد مع عرض مسرحي بعنوان «نادي الضحك»، من تأليف عمار نعمة جابر، وإخراج الفنان مهند زيداني، وبمساعدة في الإخراج الفنان فادي ياسين، وتمثيل الفنانين محمد التلاوي ومهند زيداني بدور «الجوكر».
منذ اللحظات الأولى، يضع العرض المتلقي أمام شخصية لا يمكن قراءتها من زاوية واحدة؛ فالجوكر هنا ليس مجرد شخصية مسرحية، وإنما يتحول إلى علامة مفتوحة على قراءات متعددة، وأسئلة تتصل بالإنسان والرغبة والوهم والاختيار وعلاقة الفرد بالجماعة.
يستفيد العرض من أكثر من اتجاه ومدرسة مسرحية، فيمزج بين الحوار النفسي، والتعبير الجسدي، والحركة، وتقنيات القناع، ضمن بناء درامي يجعل الشخصية في حالة تحوّل مستمر.
ويحضر في بعض مستوياته أثر مدرسة ديلارتي في الاهتمام بالجسد والإيماءة والتعبير الحركي، إلى جانب توظيف القناع بوصفه أداةً للكشف والإخفاء في آن واحد؛ فالقناع هنا لا يخفي الشخصية فقط، وإنما يكشف طبقاتها الداخلية ويمنحها القدرة على الانتقال بين حالات نفسية وفكرية متعددة.
وتتطور الشخصية خلال العرض عبر مراحل متتابعة؛ تبدأ بحالة من التفرّد والانفصال عن المألوف، ثم تدخل في حالة من التقييد والتأثر بالمحيط، قبل أن تتجرد تدريجيًا من بعض ملامحها الأولى، وتصبح أكثر انقيادًا للإغراءات والأفكار التي تحيط بها، وصولًا إلى العنف بوصفه نتيجةً لتراكم الضغط والانقياد والتفكير الغوغائي.
وهنا تصبح رحلة الشخصية بحد ذاتها محورًا أساسيًا في العرض:
من التفرّد إلى التقييد، ومن الاختيار إلى الانقياد، ومن الرغبة إلى العنف.
اعتمد العرض على شخصية الجوكر بوصفها أداة درامية وفكرية في الوقت نفسه. فالجوكر يمكن أن يكون فردًا، أو جماعة، أو صورةً لجزء خفي من الإنسان.
والحوار بين الشخصيتين بدا في بعض لحظاته وكأنه حوار داخل الذات؛ إنسان يحاول فهم رغباته، ويبحث عن مخرج من شبكة الإغراءات التي تحاصره.
وهذه الإغراءات يمكن قراءتها بوصفها صورًا للمال والسلطة والمتعة والوهم والمعتقدات والأحلام السهلة، وصولًا إلى تلك الوعود الوهمية التي تجعل الإنسان يتخلى تدريجيًا عن استقلاله الفكري.
ومن هنا يطرح العرض سؤالًا عميقًا:
هل نحن من نصنع رغباتنا، أم أن رغباتنا تُصنع لنا؟
من أبرز ما يتركه العرض أن الإنسان قد يبدأ متفرّدًا في أفكاره وخياراته، ثم يجد نفسه تحت تأثير الجماعة والضغوط والإغراءات.
وهنا يظهر التفكير الغوغائي بوصفه حالة تُضعف الفرد، وتدفعه إلى تبنّي أفكار أو سلوكيات لمجرد أنها تحظى بقوة الجماعة أو إغراءاتها.
ومع تطور الشخصية، يصبح الانقياد أكثر وضوحًا، وصولًا إلى لحظة يتحول فيها العنف إلى نتيجة طبيعية لمسار طويل من التقييد والإغراء وفقدان القدرة على الاختيار الحر.
ومن هذه الزاوية، يحمل عنوان «نادي الضحك» مفارقة لافتة؛ فالضحك قد يبدو في ظاهره فرحًا، لكنه قد يخفي خوفًا أو قهرًا أو ألمًا، وقد يتحول إلى وسيلة للسخرية من واقع أكثر قسوة.
جاءت السينوغرافيا بسيطة ومحمّلة بالدلالة، مع توظيف الفضاء المسرحي لخدمة الحالة النفسية والفكرية.
كما أسهمت الإضاءة في الانتقال بين الحالات المختلفة، بينما جاء الديكور مقتصدًا، تاركًا مساحة أكبر للجسد والصوت والحركة والأداء.
وكان التفاعل بين الشخصيتين من العناصر اللافتة في العرض؛ فالحوار جاء منسجمًا مع إيقاع التحولات، وجعل المتلقي قريبًا من الحالة النفسية للشخصيات، حتى يشعر في بعض اللحظات أنه لا يراقبها من الخارج، وإنما يدخل إلى عمق صراعها ويعيش قلقها وأسئلتها.
يُحسب للفنانين محمد التلاوي ومهند زيداني قدرتهما على التعامل مع نص متعدد المستويات، وتقديم شخصيات قابلة للقراءة والتأويل، خصوصًا في المساحات التي اعتمد فيها العرض على الحوار النفسي والصراع الداخلي.
وكان أداء «الجوكر» تحديدًا غنيًا بالتحولات، فهو شخصية ساخرة في ظاهرها، لكنها تحمل في داخلها القلق والتمرد والانكسار، وكأن الضحك أصبح قناعًا يخفي وراءه صراعًا أعمق مع الذات والواق
«نادي الضحك» عرض ممتع، لكنه يتجاوز حدود الإمتاع إلى طرح أسئلة فكرية ونفسية واجتماعية.
إنه عرض يمكن قراءته بوصفه صراعًا مع الرغبات، ومواجهةً مع الوهم، وتأملًا في علاقة الفرد بالجماعة، ومساءلةً للضغوط التي قد تدفع الإنسان من التفرّد إلى التقييد، ومن التقييد إلى الانقياد، وصولًا إلى العنف.
وهنا تكمن إحدى جماليات الديودراما؛ شخصيتان فقط، لكن خلفهما عالم واسع من الأسئلة والصراعات والتحولات.
كل الشكر والتقدير لفريق العمل على هذه التجربة المسرحية، وللفنانين محمد التلاوي ومهند زيداني على أدائهما اللافت، وللمخرج مهند زيداني، ومساعد المخرج فادي ياسين، وللمؤلف عمار نعمة جابر على هذا النص الذي ترك مساحة واسعة للتأويل والقراءة.
«نادي الضحك»… حين يصبح القناع سؤالًا، ويصبح الضحك طريقةً أخرى لمواجهة الألم.
بقلم: عصام كحلة
من أجواء اليوم الثالث من مهرجان سَلَميّة الأول للديودراما 2026

شارك