
«نحن والآخر… صراع العلاقة في المسرح»
ضمن فعاليات مهرجان سلمية الأول للديو دراما 2026، قدّم الدكتور عجاج سليم، عضو الهيئة العربية للمسرح، محاضرة فكرية بعنوان «نحن والآخر… صراع العلاقة في المسرح»، تناول فيها علاقة «الأنا والآخر» بوصفها واحدة من القضايا العميقة في الفكر والفعل المسرحي.
لم تكن المحاضرة تتناول القراءة في تاريخ المسرح فقط ، وإنما رحلة فكرية في مفهوم «الآخر»، وكيف تشكلت العلاقة معه عبر الزمن، وما حملته من تنوع وصراع وتبدلات، وكيف تطورت هذه العلاقة واتخذت أشكالًا متعددة تبعًا للتحولات الاجتماعية والفكرية والفنية.
استعرض الدكتور عجاج محطات من تاريخ المسرح العربي والعالمي، بدءًا من المسرح اليوناني، مرورًا بمختلف المدارس والاتجاهات المسرحية، وصولًا إلى المسرح الحديث، موضحًا كيف بقي الإنسان وأسئلته في قلب التجربة المسرحية، وكيف ظل «الآخر» حاضرًا بوصفه المختلف، والمنافس، والخصم، والمهمَّش، والحاكم، والمحكوم.
ومن خلال هذا المسار، تعمّق في البعد النظري للعلاقة بين «الأنا والآخر»، موضحًا أن الصراع لا يظهر دائمًا بصورة مباشرة، وإنما قد يتخذ أشكالًا رمزية وفكرية واجتماعية، وأن المسرح استطاع عبر تاريخه أن يحوّل هذا الصراع إلى مادة للتأمل والحوار والإبداع.
وتوقف عند نماذج مسرحية بارزة، منها شخصية شايلوك في مسرحية «تاجر البندقية» لشكسبير، وما تطرحه من أسئلة حول الهوية والاختلاف والعدالة والصورة النمطية، مستشهدًا بأداء آل باتشينو للشخصية، الذي فتح إمكانات جديدة لقراءة «الآخر» وفهم دوافعه وتعقيد تجربته.
كما تناول تجربة سعد الله ونوس في «الملك هو الملك»، حيث يصبح تبدّل المواقع والأدوار مدخلًا لطرح أسئلة السلطة والحاكم والمحكوم، وكيف يمكن للموقع الاجتماعي والسياسي أن يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالآخر وبذاته.
وفي جوهر المحاضرة، ظهر المسرح بوصفه مساحة للتعدد والحوار؛ فهو لا يطلب منا أن نتفق مع الآخر، وإنما أن نمنحه حق الحضور والصوت، وأن نسمعه قبل أن نحكم عليه.
وهنا يتحول الاختلاف إلى تنوع، والصراع إلى معرفة، والحوار إلى إمكانية للتفاهم والتعايش.
وقد أغنت مداخلات الحضور هذا اللقاء الفكري، فتحولت المحاضرة إلى حوار حي تتقاطع فيه الأسئلة والتجارب والرؤى، لتؤكد أن المسرح لا يحتفي بالفرجة وحدها، وإنما بالفكر والإنسان أيضًا.
وربما يبقى السؤال الأعمق الذي يتركه المسرح لنا:
ماذا يحدث لنا حين نجرؤ على رؤية الآخر كما هو، ونسمح له أن يرانا كما نحن؟
عندها تصبح الخشبة مساحة للقاء، ويصبح المسرح جسرًا بين المختلفين، ومرآة نكتشف فيها الآخر… ونكتشف ذواتنا أيضًا. 🎭
كل التقدير للدكتور عجاج سليم على هذا الحضور الفكري والثقافي الثري، ولإدارة مهرجان سلمية الأول للديو دراما 2026، التي جعلت من المهرجان مساحة تلتقي فيها الخشبة بالفكرة، والفن بالحوار، والإنسان بالإنسان.
بقلم: المسرحي عصام كحلة












