قوتان لا تُقهران قوة الله وقوة الشعب

 

صفحات التاريخ، في مختلف الأزمنة والعصور ومراحل التاريخ، تقدم لنا درسًا يتكرر كثيرًا: الحاكم أو القائد الذي يبتعد عن الواقع، وينفصل عن شعبه ومحبيه، ويعيش خلف الحواجز وبين دوائر الحماية والأجهزة، يفقد تدريجيًا صلته بالحقيقة.

وعندما تأتي لحظة المواجهة الحقيقية، ويقترب الخطر من شخصه ومن أمنه المباشر، قد يكتشف أن القوة التي أحاط نفسه بها لم تكن كافية لحمايته؛

لأن من يبتعد عن شعبه في أيام القوة، قد يجد نفسه وحيدًا عندما تأتي أيام الاختبار.

فالحاكم الذي يبتعد عن الواقع وعن شعبه، ويخشى لقاء الناس ومعرفة أحوالهم ومعايشة همومهم وآلامهم وآمالهم، يختار العزلة بدل المواجهة.
والإستكبار بل التواضع .

فالتواضع شجاعة؛
لأن المتواضع لا يخشى أن يسمع الحقيقة، ولا يخاف أن يرى آلام الناس، ولا يحتاج إلى جدران تفصله عنهم.

ومعايشة آلام الناس وهمومهم، ومعرفة أحوالهم وآمالهم، كرم ومسؤولية؛

لأن من يقترب من الناس يحمل شيئًا من أعبائهم، ومن يبتعد عنهم قد يعيش في عالم مختلف عن عالمهم.

ولهذا فإن
【الشجاعة والكرم يلتقيان في التواضع】:

【تواضع الحاكم أمام شعبه، وتواضعه أمام مسؤولية الأمانة التي يحملها】.

أما الاستكبار، فليس قوةكما قد يتوهم صاحبه، بل قد يكون ستارًا للخوف والعزلة؛
وهو أعلى درجات الضعف والجبن .

فالاستكبار عنوان يتكرر عند من يخشى الحقيقة، ويخشى الناس، ويخشى أن يرى الواقع كما هو.

ومن هنا يمكن قراءة نهاية حكم بشار الأسد؛

فمع مرور السنوات، اتسعت المسافة بين رأس السلطة وبين الواقع المحيط به، وضاقت دائرة الثقة والقرار، حتى جاءت لحظة المواجهة الأخيرة، فانتهى الأمر بمغادرته المفاجئة والسريعة للبلاد وسقوط السلطة التي كان يقودها.

لكن العبرة السياسية الأهم لا تكمن فقط في رحيل الحاكم،

بل في سقوط السلطة نفسها عندما تفقد قدرتها على الاستمرار، وتنهار أدواتها التي كانت تمنحها السيطرة.

وهنا لا بد من التمييز بوضوح بين السلطة والدولة؛

فهما ليسا شيئًا واحدًا، ولا ينبغي أن يصبح مصير إحداهما مرتبطًا بمصير الأخرى.

السلطة هي من يحكم، والدولة هي الكيان الذي يحكمه هؤلاء.

السلطة أشخاص ومواقع وقرارات وأجهزة وآليات حكم، ولذلك تتغير وتسقط وتنتقل من مجموعة إلى أخرى.

___【أما الدولة فهي الشعب والأرض والمؤسسات والقانون والسيادة، وهي الإطار الذي يفترض أن يستمر مهما تغير الحكام】.

فالحاكم يتولى السلطة، لكنه لا يملك الدولة.

والسلطة تُمارس باسم الدولة، لكنها ليست الدولة نفسها.

ولهذا فإن سقوط السلطة يعني انتهاء منظومة حكم أو رحيل من كان يمسك بمقاليدها، ولا يعني بالضرورة سقوط الدولة.

والخطر يبدأ عندما تكون الدولة قد أُفرغت من مؤسساتها، وربط وجودها بشخص الحاكم أو ببقاء السلطة؛
(عندها يصبح سقوط السلطة أزمةً تصيب الدولة نفسها).

【أما حين تكون الدولة قائمة على مؤسسات مستقرة وقانون وسيادة، فإنها تستطيع أن تتجاوز سقوط سلطة وتنتقل إلى مرحلة سياسية جديدة.】

وهنا يصبح الإيمان مفتاحًا لفهم سقوط السلطة:

فالسلطة البشرية، مهما بلغت من القوة، ليست قوة مطلقة،

والحكم مهما طال ليس قدرًا دائمًا.

ومن يؤمن بأن قوة الله فوق كل قوة يدرك أن الحاكم لا يملك مصيره السياسي إلى الأبد،

وأن أدوات القوة التي تحمي السلطة لا تمنحها الخلود.

قد تتماسك السلطة سنوات أو عقودًا، ثم تأتي لحظة ينتهي فيها تماسكها وتسقط منظومتها، فتظهر حدود القوة البشرية مهما بلغت.

سقوط السلطة، بهذا المعنى،
يذكّر بأن القوة البشرية لها حدود، وأن ما يبدو ثابتًا يمكن أن ينتهي عندما تتغير موازين الواقع والتاريخ.

【لكن سقوط السلطة لا يعني سقوط الوطن】.

(الذي يسقط هو حكم انتهت قدرته على الاستمرار؛)

___ أما الدولة فيجب أن تبقى، والشعب يجب أن يبقى، والوطن يجب أن يبقى.
وهنا يلتقي الإيمان بالمعنى الوطني والسياسي للعنوان:

【قوة الله لا تسقط بسقوط سلطة، وقوة الشعب لا تنتهي بانتهاء حاكم】.

فقوة الشعب تظهر عندما لا يسمح بأن يتحول سقوط السلطة إلى سقوط للدولة، وعندما يصبح الانتقال من حكم الأشخاص إلى حكم المؤسسات والقانون هو جوهر المرحلة الجديدة.

___ومن آمن بالله وأخلص لشعبه، لا يجعل السلطة حصنًا يحتمي خلفه من الناس، بل يدرك أنها مسؤولية مؤقتة، وأن قيمتها في ما تقدمه للوطن والمجتمع.
وهكذا يصل المقال إلى جوهر عنوانه:
قوتان لا تُقهران.
قوة الله؛ التي لا تتغير بسقوط حاكم أو صعود حاكم، ولا ترتبط ببقاء سلطة أو زوالها.
وقوة الشعب؛ حين تتحول إرادته إلى وعي ومسؤولية، وحين يدرك أن السلطة ليست الدولة، وأن الحاكم ليس الوطن، وأن الدولة ملك لجميع أبنائها.

فالقوة التي تحاول أن تحمي السلطة بالعزلة والحواجز والأجهزة قد تستطيع تأخير نهايتها، لكنها لا تستطيع أن تجعلها أبدية.

أما الدولة التي تقوم على المؤسسات والقانون، فهي التي تستطيع أن تتجاوز سقوط الحكام والسلطات.

وهنا تتضح الخلاصة التي يختصرها العنوان كله:
السلطة تسقط،
لأن السلطة البشرية مؤقتة. الحاكم يرحل،
لأن الحكم ليس ملكًا شخصيًا.

【 أما الدولة، فلا يجوز أن ترحل برحيل الحاكم】.
فالدولة ليست القصر الذي يسكنه الحاكم، ولا الأجهزة التي تحمي سلطته، ولا الأشخاص الذين يمسكون بمفاصل الحكم.

【الدولة هي الشعب والأرض والمؤسسات والقانون والسيادة؛】

ولهذا فإن سقوط سلطة لا يبرر سقوطها.
ومن هنا يصبح الإيمان جزءًا من فهم هذه الحقيقة: قوة الله لا تتغير بسقوط سلطة أو صعود أخرى، ولا تمنح أي حاكم حقًا دائمًا في الحكم.
أما قوة الشعب، فتظهر عندما يحمي دولته ووطنه، ويرفض أن يكون مصيرهما مرتبطًا بمصير شخص أو سلطة عابرة.

لهذا لا تكون نهاية السلطة نهاية الوطن،
ولا سقوط الحاكم سقوط الدولة.

بل تكون الحقيقة الحاسمة:
تسقط السلطة.
يبقى الشعب.
تبقى الأرض.
تبقى الدولة.
ويبقى الوطن.

قوة الله فوق كل سلطة، وقوة الشعب حين تحمي دولتها ووطنها لا تُقهر.

【(قوتان لا تُقهران
: قوة الله، وقوة الشعب)】.

سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل متخصص في قضايا الأمن الاجتماعي والوطني

«صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.»

شارك