
آه يا زمان الوصل من يسمع ..!!؟
كتب سليم الخراط
لقد كانوا شرفاء الوطن في سورية الخمسينيات يحملون معظمهم ضمير يقظ حفاظا على الوطن ووحدة شعبه .. فأين هم اليوم مما نراه مماراسات دون حياء ولا ضمير تغوص في تطبيق سياسة دمار شعبنا ..!!؟
حكومة الظل السورية التي كانت ترعى الوطن بشرعية دستورها وقوانينها التي تطبقها وتحميلها ..اين هي اليوم ..!!؟
في وقت تخرج فيه البلاد من مملكة النهب الأسدية، تعود ذاكرة السوريين إلى “مدرسة النزاهة” في الخمسينيات؛ زمن كان فيه المسؤول يخشى فاتورة الهاتف والمواطن يراقب ميزانية القصر ..
تشير الوثائق التاريخية ومذكرات سياسيي تلك الحقبة إلى نموذج “الزهد السلطوي” الذي جسده الرئيس شكري القوتلي .. فقد رفض القوتلي تقاضي راتبه الرئاسي، ووصل به الحرص حد منع عائلته من تناول فائض طعام مأدبة رسمية، آمراً بنقله إلى مأوى للأيتام، معتبراً أموال الدولة ملكاً لضيوفها لا لأسرة الحاكم .
سياسة التقشف : من البرقيات إلى البدلات ..
لم تكن النزاهة شعارات، بل ممارسة يومية كلفت المسؤولين رفاهيتهم .. فارس الخوري، ممثل سوريا في الأمم المتحدة، كان يحذف “حروف الجر” من البرقيات الرسمية لتقليل كلفة الإرسال بالعملة الصعبة .. وفي دمشق، رفض الرئيس ناظم القدسي تجديد خزانة ملابسه من مخصصات القصر، مكتفياً ببدلاته القديمة تحت شعار: “الشعب لا يهتم بما أرتدي، بل بما أقدم” .
هذا الانضباط طال حتى كبار الأثرياء في السلطة ..
خالد العظم، الملقب بـ “الملياردير الأحمر”، كان يضع ثمن مكالماته الهاتفية الخاصة في صندوق معدني بمكتبه الحكومي، ويمنع استخدام سيارات الدولة لنقل أفراد عائلته .. بينما كان رئيس الوزراء معروف الدواليبي يرتاد “البوسطة” العامة للذهاب إلى عمله، تأكيداً على معايشة حياة المواطن العادي ..
حراس الخزينة والقرش الفائض
فرض المسؤولون رقابة ذاتية صارمة سبقت الرقابة القانونية ..
صبري العسلي رفض زيادة ميزانية “التمثيل الرسمي” للوزراء قائلاً : “إذا جاع مواطن واحد، فلا يحق لوزير شرب فنجان قهوة إضافي على حساب الدولة” .. وفي السلك الدبلوماسي، اشتهر الوزير فيضي الأتاسي بإعادة “المصروف النثري” الفائض من رحلاته إلى الخزينة بالقرش، وهو ما عززه وزير الاقتصاد أسعد كوران برفضه القاطع لأي هدايا من التجار، ومداهمة مستودعات المحتكرين حتى لو كانوا أصدقاءه ..
هذه الحالة من “نظافة اليد” شملت السلطة التشريعية أيضاً ..
رشدي الكيخيا، رئيس البرلمان، كان يقطع مكافآت النواب المتغيبين معتبراً المال دون عمل “سرقة”، بينما عاش أكرم الحوراني في شقة متواضعة وخرج من السلطة دون عقارات أو ثروات ..
لماذا ساد الزهد ..!!؟
لم يأتِ هذا السلوك من فراغ، بل نتيجة نظام برلماني شفاف وصحافة حرة .. كان “ديوان المحاسبة” سلطة مستقلة، والنائب يملك صلاحية إسقاط الحكومة إذا أنفقت ليرة واحدة في غير محلها ..
اختفت هذه النماذج بانهيار المؤسسات الرقابية، ليبقى تاريخ هؤلاء الرجال شاهداً على زمن كانت فيه “الخدمة العامة” تعني العطاء لا الجباية ..
المصدر الأصلي لهذه المادة هو “الذاكرة التوثيقية السورية”، وهي تجميع لأحداث حقيقية وردت في المذكرات الشخصية :
أبرزها مذكرات خالد العظم، وأكرم الحوراني، ومعروف الدواليبي .
أرشيف الصحافة السورية : مثل جرائد “القبس” و”الأيام” و”الإنشاء” في الخمسينيات .
المؤلفات التاريخية المعاصرة : وأهمها كتب المؤرخ سامي مبيض مثل “دمشق والقدس” و”غرباء في دمشق” .. التي وثقت حياة هؤلاء القادة بالوقائع والأرقام .. .
بالمختصر ورد مضمون الكلام واقعا وحقيقة عن أمة الجهل في قراءة نقلتها الأستاذة مكية الشريف تحت عنوان :
من الجهل ما قتل ..!!
_ سأل القاضي قاتل الرئيس المصري السابق أنور السادات :
قتلت السادات ليه ..!!؟
قال له : «لأنه علماني».
فرد القاضي : ويعني إيه علماني ..!!؟
فقال القاتل : « ما عرفش »…!!
_ وفي محاولة اغتيال الأديب المصري الراحل نجيب محفوظ، سأل القاضي الرجل الذي طعنه :
لماذا طعنته ..!!؟
فقال الإرهابي : « بسبب روايته أولاد حارتنا » ..!!
فسأله القاضي: هل قرأت رواية أولاد حارتنا ..!!؟
فقال المجرم : «لا» ..!!
_ وسأل قاضٍ آخر الإرهابي الذي قتل الكاتب المصري فرج فودة :
لماذا اغتلت فرج فودة ..!!؟
أجاب القاتل : « لأنه كافر» ..!!
فسأله القاضي : كيف عرفت أنه كافر ..!!؟
أجاب: « من كتبه» ..!!
قال القاضي : ومن أيّ كتبه عرفت ذلك ..!!؟
ردّ القاتل : « أنا لم أقرأ كتبه » ..!!
سأله القاضي : كيف ..!!؟
أجاب : « أنا لا أقرأ ولا أكتب » ..!!
أعزائي ..
عن الجهل نتحدث ..!!
عن جهلٍ لا يكتفي بأن يحرم صاحبه من المعرفة ..
بل قد يحوّله إلى أداةٍ بيد من يلقّنه الكراهية، ويزرع في رأسه حُكماً لم يقرأ عنه، ولم يفهمه، ولم يسأل نفسه يوماً : هل هو حقاً كذلك ..!!؟
هنا تكمن الكارثة :
أن يتحول التلقين إلى قناعة، والقناعة إلى تعصّب، والتعصّب إلى كراهية، والكراهية إلى رصاصة أو سكين ..!!
فليس أخطر على الإنسان من عقلٍ أُغلق بابه أمام السؤال، ثم فُتح على مصراعيه أمام التلقين..!!
اقرأ قبل أن تحكم، واسأل قبل أن تكره، وافهم قبل أن تُصدّق ..
فالأمم لا يقتلها الجهل وحده، بل يقتلها حين يصبح الجهل يقيناً ..!!
حين لا يقرأ الإنسان، قد يقتل من أجل فكرةٍ لم يفهمها ..!!
وأخطر الجهل : أن يتحول إلى يقين ..!!
وأخطر اليقين : أن يُسلَّح ..!! .
عاشق الوطن ..
د. سليم الخراط
دمشق اليوم الجمعة ٢٥ أيلول ٢٠٢٦.



