
التكفير…حين تصمت السلطات أمام الخطر
كتب / سعيد فارس السعيد
إذا استمرت السلطات والفعاليات الاجتماعية والنخب الفكرية وقادة الرأي العام في بعض البلدان الإسلامية، ولا سيما في المشرق العربي، في تجاهل أخطار خطابات التكفير وسلوكيات التكفيريين، فإن الخطر لن يبقى محصورًا في حدود الكلام، بل قد يتحول إلى فتنةٍ تضرب المجتمع، وتهدد الدولة، وتدفع الوطن إلى أن يقتل نفسه بنفسه.
فالتكفير لا يبدأ بالرصاصة…
بل يبدأ بالكلمة.
يبدأ حين ينصّب إنسان نفسه قاضيًا على إيمان الآخرين، فيصادر حقهم في الاختلاف، ويحوّل الدين من مساحة للهداية والرحمة إلى أداة للإقصاء والكراهية والتحريض.
وقد وضع القرآن الكريم قاعدة واضحة في التعامل مع الآخرين، فقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾
[النساء: 94]
إنها قاعدة في التثبت، وتحريم التسرع في إصدار الأحكام على الناس، وعدم تحويل الظن إلى إدانة، والاختلاف إلى تكفير.
ويأتي الخطاب القرآني أكثر وضوحًا في حماية كرامة الإنسان من السخرية والإهانة والتنابز:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾
[الحجرات: 11]
ثم يرسم القرآن قاعدة أوسع للعلاقة بين البشر:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
[الحجرات: 13]
فالتنوع بين الناس ليس دعوة إلى الاقتتال، والاختلاف ليس مبررًا للإلغاء، والانتماء الديني أو المذهبي أو القومي لا يمنح أحدًا حق إهدار كرامة الآخر أو دمه.
مسؤولية السلطات… قبل أن تقع الكارثة
هنا تقع المسؤولية الأولى على عاتق الدولة.
فالسلطات تملك القانون، والقضاء، وأجهزة إنفاذه، والمؤسسات التعليمية والإعلامية، وتملك القدرة على التدخل قبل أن يتحول خطاب الكراهية إلى عنف، وقبل أن يتحول التحريض إلى جريمة.
ولا يجوز أن تنتظر الدولة وقوع الدماء حتى تكتشف خطورة الخطاب الذي سبقها.
ولا يجوز أن تتعامل مع التكفير وفق حسابات سياسية أو انتقائية؛ فتواجهه حين يخدم خصومها، وتتغاضى عنه حين يصدر عن جهات قريبة منها أو متحالفة معها.
القانون يجب أن يكون واحدًا على الجميع.
وفي الوقت نفسه، فإن مواجهة التكفير لا تعني مصادرة الدين، ولا قمع الفكر، ولا تجريم الاختلاف، وإنما تعني وضع حد واضح بين حرية الاعتقاد والتعبير وبين التحريض على الكراهية والعنف وإهدار حقوق الآخرين.
فالدولة التي تحمي حرية الناس يجب أن تحميهم أيضًا من خطاب يحرض على قتلهم أو إقصائهم.
لا كراهية تبرر الظلم
والقرآن لا يترك للخصومة مجالًا لتبرير الظلم:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾
[المائدة: 8]
فالعدل لا يتجزأ، والإنسان لا يفقد حقوقه لأنه يختلف في مذهبه أو دينه أو رأيه أو انتمائه.
وحين يتحول الاختلاف إلى كراهية، والكراهية إلى تكفير، والتكفير إلى تحريض، فإن المجتمع يدخل منطقة خطرة لا يمكن معرفة نهايتها.
ولهذا يحذر القرآن من الفتنة التي لا تصيب أصحابها وحدهم:
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾
[الأنفال: 25]
وهذه ليست مسألة دينية مجردة، بل قضية وطنية وأمنية واجتماعية بامتياز.
عندما يصبح التكفير مشروعًا للقتل
أخطر ما في التكفير أنه لا يتوقف عند إصدار حكم على الآخر، بل قد يتحول إلى نزع إنسانيته وحقوقه، ثم إلى تبرير الاعتداء عليه.
ومن هنا تأتي خطورته الكبرى.
فحين يُقنع خطاب التكفير أتباعه بأن الآخر ليس مجرد مخالف، بل عدو أو كافر أو خارج عن الجماعة، يصبح الانتقال من الكلمة إلى الفعل أسهل، ويصبح العنف في نظر المتطرفين وكأنه نتيجة طبيعية لذلك الخطاب.
ولهذا قال تعالى:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾
[الإسراء: 33]
حماية الإنسان ليست تفصيلًا ثانويًا في بناء الدولة؛ إنها أساس وجود الدولة نفسها.
المسؤولية ليست على الدولة وحدها
لكن السلطات ليست وحدها أمام هذا الخطر.
فالأسرة، والمدرسة، والجامعة، والمؤسسة الدينية، والإعلام، والمثقفون، والنخب، وقادة الرأي العام، جميعهم مسؤولون عن بناء ثقافة ترفض الكراهية والتكفير والتحريض.
والمؤسسة الدينية تحديدًا مطالبة بأن تؤكد أن الاختلاف المذهبي والفكري لا يعني العداء، وأن الدين لا يمكن أن يكون غطاءً لإهانة الإنسان أو استباحة دمه.
كما أن الإعلام مطالب بألا يتحول إلى منصة لترويج خطاب الكراهية، وألا يمنح أصحاب الخطابات التكفيرية مساحة مجانية لتوسيع دائرة التحريض.
أما النخب الفكرية، فعليها أن تتحدث قبل انفجار الأزمات، لا بعد سقوط الضحايا.
الإنذار واضح
إن أخطر الأخطاء أن تتعامل الدول والمجتمعات مع خطاب التكفير باعتباره مجرد كلام.
فالكلمات قد تصنع وعيًا، والوعي قد يصنع سلوكًا، والسلوك قد يصنع جماعة، والجماعة قد تتحول إلى قوة تهدم الاستقرار.
ولهذا فإن مواجهة التكفير يجب أن تبدأ من منبعه: من خطاب الكراهية، ومن التحريض، ومن التمييز، ومن تحويل الاختلاف إلى عداوة.
ولا ينبغي انتظار الجريمة كي تتحرك الدولة، ولا انتظار الفتنة كي تبدأ المؤسسات في التحذير.
فحين تصمت السلطات أمام التكفير، فإنها لا تؤجل مواجهة الخطر، بل تفتح له الطريق؛ ومواجهة هذا الخطر اليوم مسؤولية، أما تركه للغد فقد يجعل ثمن الصمت وطنًا بأكمله.



