
من هرمز إلى باب المندب… من يمسك مفاتيح الإقليم؟
بقلم : أمين السكافي .
لم يعد السؤال في الشرق الأوسط اليوم: من يربح المعركة؟ بل أصبح أكثر تعقيداً: من يملك القدرة على التحكم بممرات المعركة، وبالطاقة، وبالبحر، وبالوقت الذي تحتاجه الدول كي تستمر في الحرب أو تنتقل إلى التفاوض؟
فمن مضيق هرمز في الخليج، إلى باب المندب في جنوب البحر الأحمر، تبدو المنطقة وكأنها انتقلت إلى مرحلة جديدة من الصراع؛ مرحلة لم تعد فيها الجغرافيا مجرد مساحة للحرب، بل أصبحت هي نفسها سلاحاً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. وما جرى خلال الأسبوع الأخير يؤكد أن إيران والولايات المتحدة واليمن ودول الخليج لم تعد تتحرك في ساحات منفصلة، بل داخل منظومة واحدة تتصل فيها طهران ببغداد، والخليج بالبحر الأحمر، واليمن بمصر، وتركيا بباكستان والسعودية.
في هرمز، بقيت العقدة الأساسية في مكانها. إيران طرحت في الأمم المتحدة خطة لإعادة فتح المضيق خلال سبعة أيام إذا التزمت الولايات المتحدة بشروطها، لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن في 26 أيلول رفض المقترح الإيراني. وبذلك بقي المضيق، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية، في قلب المواجهة بين الطرفين.
وهنا تكمن أهمية هرمز: إيران لا تحتاج بالضرورة إلى إغلاق المضيق إغلاقاً كاملاً حتى تستخدمه كورقة ضغط. يكفي أن يصبح المرور فيه أكثر كلفة وخطورة، وأن تضطر السفن إلى الانتظار أو تغيير مساراتها، حتى تتحول الجغرافيا إلى ضغط على الأسواق والحكومات. وقد انعكس ذلك بالفعل على أسعار النفط وحركة ناقلات الطاقة، في وقت تحاول فيه واشنطن إعادة تنظيم حركة الملاحة عبر وجودها البحري المباشر.
لكن المفاجأة الأكبر جاءت من الجنوب.
ففي اليمن، حقق أنصار الله تقدماً واسعاً على الساحل الغربي، وسيطروا على مناطق ومواقع استراتيجية وصولاً إلى محيط باب المندب، الأمر الذي نقل المواجهة اليمنية من إطار الحرب الداخلية إلى مستوى إقليمي ودولي أكثر وضوحاً. وقد تحدثت تقارير عن السيطرة على مناطق ساحلية وجزر قريبة من المضيق، بينما أصبح باب المندب نفسه جزءاً من الحسابات العسكرية والسياسية للصراع.
وهنا تصبح الصورة أكثر إثارة للاهتمام: إذا كان هرمز هو البوابة الشرقية للخليج، فإن باب المندب هو البوابة الجنوبية للبحر الأحمر. ومن يملك القدرة على تهديد أحدهما يستطيع التأثير في الآخر، لأن تعطيل الطريق الأول يدفع الدول إلى البحث عن طرق بديلة، بينما يؤدي اضطراب الطريق الثاني إلى ضرب قناة السويس وشبكات التجارة بين آسيا وأوروبا.
وهذا تحديداً ما يفسر القلق المصري.
القاهرة لا تنظر إلى باب المندب باعتباره أزمة يمنية بعيدة. فكل اضطراب طويل الأمد في البحر الأحمر يعني ضغطاً مباشراً على قناة السويس، وعلى عائداتها، وعلى حركة التجارة التي تشكل جزءاً أساسياً من الاقتصاد المصري. ولهذا برز التنسيق المصري–السعودي، كما بحث وزير الخارجية المصري مع نظيره العُماني تطورات إيران والبحر الأحمر وباب المندب.
أما السعودية، فتجد نفسها أمام معادلة مختلفة: حرب مع أنصار الله في اليمن، وضغوط على منشآتها ومصالحها، ومشكلة أمن الملاحة، وفي الوقت نفسه ضرورة تجنب تحول المواجهة إلى حرب إقليمية مفتوحة.
ومن هنا جاءت أهمية التحرك السعودي مع تركيا وباكستان.
في 22 أيلول، اجتمع وزراء خارجية السعودية وتركيا وباكستان ومصر على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأكدوا حق السعودية في الدفاع عن نفسها، وشددوا على أمن الملاحة ودعم استقرار اليمن. وبعد ذلك اجتمع رؤساء أركان السعودية وتركيا وباكستان في الرياض لبحث سبل دعم المملكة في إطار اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعتها الدول الثلاث في مكة في آب الماضي.
هذه التطورات لا تعني بالضرورة ولادة حلف عسكري جديد في مواجهة إيران، لكنها تكشف اتجاهاً مهماً: دول المنطقة بدأت تبحث عن ترتيبات أمنية متعددة الأطراف، بدلاً من الاعتماد على مظلة واحدة فقط.
وهنا تدخل تركيا بقوة.
أنقرة ليست دولة خليجية، لكنها دولة إقليمية كبرى تمتلك جيشاً وقدرات عسكرية وشبكة علاقات واسعة مع الخليج وإيران والعراق وباكستان. وهي تحاول في الوقت نفسه أن تحافظ على قنوات الاتصال مع طهران، وأن توسع تعاونها الأمني مع الرياض وإسلام آباد. لذلك فإن موقع تركيا في هذه المعادلة لا يمكن اختزاله في الاصطفاف مع طرف ضد آخر؛ فالمصلحة التركية الأساسية تكمن في منع تمدد الحرب إلى حدودها وممراتها التجارية، مع تعزيز موقعها في أي نظام أمني إقليمي جديد.
أما باكستان، فإن دخولها بهذه الصورة إلى معادلة الخليج والبحر الأحمر يضيف بعداً آخر. فهي تمتلك علاقة دفاعية عميقة مع السعودية، وقد أصبحت شريكاً في اتفاقية مكة الثلاثية مع السعودية وتركيا. لكن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف شدد أيضاً على ضبط النفس والحوار، مؤكداً أن الاتفاق الدفاعي لا يستهدف دولة بعينها.
وفي العراق، تبدو الصورة أكثر تعقيداً.
فبغداد تقع بين إيران والخليج والوجود الأميركي، ولا تستطيع التعامل مع الأزمة باعتبارها خارج حدودها. وقد فتحت السلطات العراقية تحقيقاً بعد هجمات بطائرات مسيّرة على السعودية، مع إغلاق مؤقت لبعض المعابر مع إيران بعد اكتشاف مواقع إطلاق مسيّرات داخل الأراضي العراقية. وفي الوقت نفسه تواجه الحكومة العراقية تحدياً داخلياً يتعلق بالسلاح خارج مؤسسات الدولة وعلاقة الفصائل المسلحة بإيران والولايات المتحدة.
وهنا تظهر أهمية العراق كحلقة وصل لا كساحة هامشية.
فإذا توسعت الحرب، فإن العراق سيكون من أكثر الدول حساسية لأي انتقال للصراع بين إيران والولايات المتحدة أو بين إيران ودول الخليج. ولهذا فإن الاتصالات الإيرانية–العراقية والتركية خلال الأسابيع الأخيرة ركزت على منع توسع الحرب والحفاظ على أمن الحدود والاستقرار الإقليمي.
وفي المقابل، تبدو واشنطن أمام معادلة شديدة التعقيد: تريد إبقاء الضغط على إيران، لكنها تواجه واقعاً أصبحت فيه حماية الملاحة مكلفة، بينما تستطيع إيران التأثير في هرمز، ويستطيع حلفاؤها في اليمن التأثير في باب المندب. والأسوأ بالنسبة إلى واشنطن أن أي توسع إضافي للحرب قد يحول حماية طرق الطاقة من عملية عسكرية محدودة إلى التزام طويل ومكلف.
ومن هنا يمكن فهم أهمية الموقف الأميركي من اليمن أيضاً. فترامب تحدث عن اتصالات مع أنصار الله، بينما أكدت تقارير أن واشنطن لم تقدم التزاماً عسكرياً مباشراً للحكومة اليمنية في مواجهة التقدم الحوثي نحو باب المندب.
وهذا يقودنا إلى السؤال الأكبر.
هل نحن أمام إعادة تشكيل للنظام الأمني في الشرق الأوسط، أم أمام جولة جديدة من حرب النفوذ على الممرات والطاقة والبحار؟
ربما الاثنان معاً.
فهرمز لم يعد مجرد مضيق بين إيران وعُمان، وباب المندب لم يعد مجرد ممر بين اليمن وجيبوتي وإريتريا. كلاهما أصبح عقدة في شبكة دولية تمتد من آسيا إلى أوروبا، ومن الخليج إلى المتوسط. ومصر معنية بقناة السويس، والسعودية بالطاقة وأمنها الوطني، وتركيا بالممرات والتجارة، وباكستان بأمن الخليج وعلاقاتها الدفاعية، والعراق بموقعه بين إيران وأميركا، وإيران بقدرتها على استخدام الجغرافيا كورقة ضغط، والولايات المتحدة بمحاولة إبقاء النظام البحري مفتوحاً تحت نفوذها.
لذلك فإن المعركة الحقيقية قد لا تكون على المضيق وحده، بل على من يملك حق تعريف قواعد المرور فيه، ومن يستطيع تعطيله، ومن يستطيع إعادة فتحه، ومن يدفع ثمن إغلاقه.
من هرمز إلى باب المندب، إذن، لا تتحرك السفن وحدها. تتحرك معها الجيوش، والتحالفات، وأسعار النفط، والاقتصادات، والرسائل الدبلوماسية، وحسابات واشنطن وطهران والرياض وأنقرة والقاهرة وإسلام آباد وبغداد.
وهنا يصبح البحر نفسه خريطة سياسية.
ومن يملك مفاتيح الممرات، لا يملك بالضرورة الإقليم كله، لكنه يمتلك شيئاً لا يقل أهمية: القدرة على التأثير في إيقاعه، وفي كلفة الحرب، وفي شروط التفاوض، وفي اللحظة التي يمكن فيها أن يتحول الصراع من نار مفتوحة إلى صفقة سياسية


