ثمن الوقت الصيني

 

كتب رياض الفرطوسي

 

حين هبطت طائرة شي جينبينغ في واشنطن، كان في استقباله على المدرج الرئيس الامريكي لا يفعل ذلك عادة. ثم جاء عشاء رسمي حضره أباطرة التكنولوجيا والمال، وشاي مع الزوجتين، وجولة في الأرشيف الوطني. لكن الحصيلة الفعلية، بحسب التغطية الأمريكية، ثلاثة أيام من الود والاحتفال دون اتفاقات ملموسة تُذكر. أبرز ما خرج به الطرفان تمديد الهدنة التجارية شهرين فقط، حتى العاشر من يناير، وموعدان جديدان للقاء قبل نهاية العام، على هامش قمة آبيك في الصين وقمة العشرين في ميامي. ووصف أحد محللي معهد كاتو(مركز أبحاث ليبرالي في واشنطن) الزيارة بأنها ضجيج كثير بلا مضمون.

 

الوصف دقيق، لكنه يفوّت النقطة. فحين تُرحَّل الملفات كلها إلى ما بعد نوفمبر، يصبح التأجيل هو الصفقة نفسها. والصين لا تشتري بذلك رحمة ترامب، بل تشتري الوقت، وهي أقدر الأطراف على الانتظار.

 

فلننظر إلى موقع كل طرف. الحرب الأمريكية على إيران شارفت على شهرها السابع بعد أن وعد ترامب بإنهائها في ستة أسابيع، وما زال مضيق هرمز، الذي كان يمرّ عبره خُمس نفط العالم وغازه، مخنوقاً. وثمن ذلك يظهر في محطات الوقود قبل أي مكان آخر، وتتوقع التحليلات انتخابات نصفية قاسية على الجمهوريين بسبب أثر الحرب التضخمي. في المقابل، بنت بكين على مدى سنوات أكبر مخزون نفطي في العالم، نحو 1.4 مليار برميل، وجعلت الاكتفاء الطاقي بنداً في خطتها الخمسية. أي أن ترامب يحتاج إلى النتيجة قبل موعد محدد، والصين تستطيع أن تنتظر إلى ما بعده.

 

من هنا لا يبدو سؤال (هل تنقذه بكين أم تتركه؟) دقيقاً. الخيار الثالث هو الأرجح: أن تعطيه ما يكفي كي يبقى على الطاولة، وتمنع عنه ما يكفي كي يبقى محتاجاً إليها. وقد رأينا نموذجه في قمة بكين في مايو. قال ترامب حينها إن شي عرض المساعدة، لكنه أضاف أن الرئيس الصيني سيواصل شراء النفط الإيراني وإن عارض تسييس المضيق أو فرض رسوم عبور عليه. وذكر بيان البيت الأبيض رغبة صينية في شراء مزيد من النفط الأمريكي لتقليل الاعتماد على المضيق. هذه هدية تكلّف بكين قليلاً، وتمنح ترامب عنواناً يعرضه على مزارعيه ومنتجي طاقته.

 

أما ما يتخيله ترامب من ضغط صيني حاسم على طهران فتحدّه حسابات بكين. فهي تشتري أكثر من 80 في المئة من صادرات إيران النفطية البحرية، ولذلك تملك الرافعة، لكن استعمالها يعني خسارة ورقة تفاوض أثمن من أي مكسب آني. ويرى محللون أن الثمن المطلوب سيكون في تايوان، وقد ذكر بعضهم صفقة سلاح للجزيرة بقيمة 14 مليار دولار أقرّها الكونغرس ولم يوقّعها ترامب بعد. وكلما طال أمد الحرب زاد ما تكسبه الصين استراتيجياً. فقد استنزفت الحرب أكثر من 38 مليار دولار من البنتاغون، وخلا غرب المحيط الهادئ من حاملة طائرات أمريكية لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، بحسب ما نقلته أويل برايس (موقع متخصص في أخبار الطاقة).

 

وللمنطقة العربية في هذا كله حصة لا تظهر في البيانات الرسمية. فدول الخليج تدفع فاتورة المضيق أولاً، وتجد نفسها بين واشنطن التي تخوض الحرب دون أن تحسمها، وبكين التي تتحدث عن الاستقرار وتشتري النفط من الخصم. ولا يبدو أن أحداً في العاصمتين يضع وقف الحرب قبل حساباته الخاصة. أما لبنان وغزة والسودان وليبيا فلم تكن على جدول القمة أصلاً، إذ كانت الأولوية لعقود المزارعين وبنود الرقائق، وستبقى ملفات الإقليم مؤجلة ما دام يمكن إدارتها بلا ثمن.

 

الخلاصة أن بكين لن تنقذ ترامب انتخابياً ولن تسقطه. ستقدّم له ابتسامة وتمديداً وشحنة فول صويا، وتحتفظ بالباقي إلى ما بعد الثالث من نوفمبر، حين يصبح الرئيس الأمريكي، أياً كانت نتيجة الانتخابات، أكثر استعداداً للدفع.

شارك