«أنت لست غارا»…  «المسرح لا يعكس الواقع كما هو، وإنما يجعلنا نعيد النظر فيه.»

 

على خشبة مسرح أدونيا شاهدتُ عرض «أنت لست غارا»، عن نص الكاتب التركي عزيز نيسين، بإعداد وإخراج رائد الجندالي؛ نص يعود إلى ستينيات القرن الماضي، ويحمل في جوهره سخرية نيسين اللاذعة من صناعة البطولة الزائفة وتزييف الحقيقة.

تدور الحكاية حول «غارا»، الرجل الذي يتحول، بفعل رواية مختلقة، إلى بطل قومي تُبنى حوله الأسطورة ويُخلّد اسمه، بينما تكشف عودته الحقيقة التي حاول أصحاب المصالح إخفاءها. ومن هنا تتجاوز الشخصية حدودها الدرامية لتصبح رمزاً لصناعة الوهم، وتزييف الوعي، وتحويل الإنسان إلى أداة في صراعات السلطة والمجتمع.

وهذا ما منح العرض بعده السياسي والإنساني؛ فالنص، رغم كتابته في سياق تاريخي مختلف، يحمل إسقاطات يمكن أن تتقاطع مع تجارب شعوب كثيرة عاشت الحروب والصراعات، وشهدت صناعة الرموز والأبطال، وتقديم الرواية التي تخدم أصحاب النفوذ والمصالح.

وقد استطاع رائد الجندالي أن يعيد قراءة النص من منظور معاصر، ويسقط دلالاته على واقعنا، مع حضور واضح له في مختلف تفاصيل العمل؛ من إدارة الممثلين إلى بناء المشهد وتوظيف السينوغرافيا والديكور والإضاءة بصورة جمالية خدمت المعنى والحالة الدرامية، وجعلت الصورة جزءاً من التعبير المسرحي.

أما الممثلون الرائعون، فقد قدموا أداءً متماسكاً وحضوراً لافتاً، وأسهم انسجامهم في حمل الفكرة وإيصال مفارقات النص إلى الجمهور، الذي كان تفاعله الواضح دليلاً على قدرة العرض في خلق حوار حي بين الخشبة والصالة.

«أنت لست غارا» سؤال مفتوح عن الحقيقة حين تُزاح جانباً، وعن الوهم حين يتحول إلى حقيقة يتداولها الناس ويؤمنون بها.

كل الشكر والتقدير لكامل فريق العمل، ممثلين وفنيين، وللمخرج رائد الجندالي، على هذه التجربة المسرحية التي جمعت بين قوة النص، ووعي الإخراج، وجمال الصورة، وحضور الممثل، وتفاعل الجمهور.

بقلم  الفنان المسرحي عصام كحلة

شارك