وإنتاج المعنى أ.عامر داوود – مقاربة سوسيولوجية في جدلية الوجود والتحول وإنتاج المعنى

 

تمهيد:

في بداية الحكاية، كان هناك حجر صامت ملقى على حافة نهر، لا يعرف لماذا وُجد ولا إلى أين يمضي . مرت المياه من حوله ملايين السنين، وكانت تغيّر شكله ببطء، من دون أن يسأل الحجر عن معنى هذا التغير . وفي زمن بعيد، خرج من الماء كائن صغير، نظر إلى الحجر وإلى النهر وإلى السماء، ثم بدأ يسأل: لماذا نحن هنا؟ لم يكن يعرف أن السؤال نفسه كان نتيجة تاريخ طويل من المادة والحياة والتحول، وأن الطبيعة كانت قد وصلت، من خلاله، إلى مرحلة أصبح فيها جزء منها قادراً على السؤال عن الطبيعة نفسها. كبر الكائن ، وتطور دماغه، وتعلم أن يسمي الأشياء، ثم اكتشف أن الاسم ليس الشيء، وأن المعنى ليس منفصلاً عن الوجود.

نظر إلى النجوم فرأى فيها قصة الكون، ونظر إلى جسده فرأى فيه قصة الحياة، ونظر إلى عقله فرأى فيه قصة الطبيعة وهي تحاول فهم ذاتها. ثم سأل: هل أنا خارج الطبيعة كي أفسرها، أم أنني جزء منها وقد أصبحت قادراً على التفكير فيها؟

ومنذ ذلك السؤال بدأت رحلة الإنسان من الوجود إلى المعنى، ومن الطبيعة إلى الوعي، ومن محاولة فهم العالم إلى محاولة فهم ذاته.

إن هذه الحكاية، وإن كانت رمزية، تختصر السؤال المركزي الذي يحاول هذه الدراسة مقاربته: كيف انتقل الوجود من مجرد وجود مادي إلى حياة، ومن الحياة إلى وعي، ومن الوعي إلى معنى، ومن المعنى إلى مجتمع وثقافة وتاريخ؟ وهل يمكن فهم الإنسان خارج الطبيعة، أم أن الإنسان هو إحدى أكثر صور الطبيعة تعقيداً، لأنها أصبحت قادرة، من خلاله، على التفكير في ذاتها؟

لا يمكن الحديث عن المعنى من دون الحديث عن الوجود (الطبيعة الاولى) ؛ فالمعنى لا يظهر في الفراغ، ولا يستطيع الإنسان أن يمنح الأشياء معنى ما لم تكن هناك أشياء موجودة أصلاً . ومن هنا تبدأ إحدى أعمق المسائل الفلسفية: ما العلاقة بين الوجود والمعنى؟ وهل المعنى شيء يضيفه الإنسان إلى الطبيعة من خارجها ، أم أنه نتيجة لمسار طويل من التطور جعل الطبيعة قادرة، في مرحلة معينة من تاريخها، على إنتاج كائن يستطيع أن يطرح سؤالاً عن ذاته وعن العالم؟

إن الإنسان يتعرف إلى الطبيعة من خلال حواسه وعقله ولغته ومفاهيمه، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع بناء هذه المفاهيم من دون الاحتكاك بالطبيعة وملاحظتها وتجربتها . نحن نفكر في الطبيعة، لكن قدرتنا على التفكير نفسها نتاج تاريخ طبيعي طويل. وهنا تظهر ثلاثة مفاهيم مترابطة: الوجود، والفكر، والمعنى. ولا يمكن فهم أي واحد منها بصورة كاملة إذا عُزل عن الاثنين الآخرين.

لقد اعتاد الإنسان الحديث ، وخصوصاً في بعض أشكال التفكير العلمي والاجتماعي ، وضع الطبيعة في جهة والمعنى في جهة أخرى . فأصبحت الطبيعة ، وفق التصور الوضعي ، موضوعاً للعلوم الطبيعية، بينما أصبح المعنى موضوعاً للعلوم الإنسانية والاجتماعية . وبذلك بدا وكأن هناك عالمين منفصلين : عالم مادي تحكمه القوانين الفيزيائية، وعالم اجتماعي تنتجه اللغة والثقافة والعلاقات الإنسانية . ولا شك أن هذا التقسيم أدى وظيفة منهجية مهمة في تاريخ المعرفة ، لكنه يصبح إشكالياً عندما يتحول من أداة لتقسيم مجالات البحث إلى تصور نهائي للوجود . فالمجتمع لا يوجد خارج الطبيعة، والإنسان ليس كائناً سقط من خارج الكون، والثقافة ليست قوة منفصلة تماماً عن التاريخ البيولوجي والمادي للإنسان. إن المجتمع يتشكل داخل الطبيعة ومن خلالها، لكنه في الوقت نفسه يعيد تنظيم علاقة الإنسان بها، وينتج مستوى جديداً من الوجود يمكن تسميته، وفق التصور الذي يقدمه المفكر عبد الله أوجلان، بـ«الطبيعة الثانية»؛ أي العالم الاجتماعي والثقافي والرمزي الذي ينتجه الإنسان ضمن الطبيعة الأولى، من دون أن ينفصل عنها. ومن هنا تصبح العلاقة بين الطبيعة والمعنى علاقة تأسيسية؛ فالمعنى، بهذا المنظور، ليس نقيضاً للطبيعة، وإنما أحد المستويات التي ظهرت في مسار تطورها وتعقدها. ولو لم يوجد التطور الفيزيائي والبيولوجي، لما ظهر الإنسان بوصفه كائناً قادراً على اللغة والتجريد والذاكرة والتأويل، وبالتالي لما ظهر السؤال عن المعنى أصلاً. [1]

 

المبحث الأول

جدلية الطبيعة والوجود والتحول

 

إن التفكير في الطبيعة بوصفها شيئاً ثابتاً وساكناً يقود إلى تصور ناقص عنها؛ فالطبيعة ليست مجموعة أشياء موجودة إلى الأبد في صورها الحالية، وإنما هي سيرورة مستمرة من الحركة والتحول والتفاعل. وكل شكل من أشكال الوجود يحمل في داخله إمكانات التحول إلى أشكال أخرى، وكل حالة من حالات الاستقرار ليست سوى لحظة مؤقتة في سيرورة أوسع من الحركة.

من هذه الزاوية تكتسب أعمال فريدريك إنجلز حول «جدلية الطبيعة» أهمية تاريخية وفلسفية. فقد حاول إنجلز الربط بين التفكير الجدلي ودراسة الطبيعة، والنظر إلى الحركة والتحول والتناقض بوصفها عناصر أساسية لفهم العالم. ولم يكن مشروع «جدلية الطبيعة» مؤلفاً مكتمل البناء نشره إنجلز في حياته، بل مجموعة من المخطوطات والملاحظات التي تعود أساساً إلى سبعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر، ونُشرت بعد وفاته. ولذلك فإن قيمتها تكمن في كونها مشروعاً فكرياً يحاول بناء صلة بين المنهج الجدلي والمعرفة العلمية في عصره، لا في اعتبارها نظرية علمية نهائية صالحة بكل تفاصيلها للعلوم المعاصرة. [2]

وفي الفكر الماركسي تبلور تمييز بين المادية التاريخية التي تعالج المجتمع والتاريخ، وبين المادية الجدلية التي سعت إلى بناء تصور عام للحركة والتناقض والتغير. وقد رأى هذا التقليد أن المادة ليست جوهراً ساكناً، وأن الطبيعة لا يمكن فهمها بصورة صحيحة من خلال تثبيت الأشياء وعزلها عن علاقاتها وتحولاتها . فالوجود حركة، والحركة علاقة، والعلاقة تفتح إمكان التحول. غير أن أهمية هذا التصور في الحاضر لا تكمن في تحويل ما قاله إنجلز إلى عقيدة مغلقة، وإنما في إبقاء السؤال مفتوحاً: كيف نفهم الطبيعة بوصفها شبكة من العلاقات والتحولات؟ وكيف نفهم الإنسان بوصفه نتيجة لهذا التاريخ الطبيعي وفي الوقت نفسه منتجاً لمستوى جديد من التعقيد هو مستوى المعنى؟ [2][5]

لقد تغيرت العلوم الطبيعية بصورة هائلة منذ القرن التاسع عشر. فما كان يُفهم آنذاك عن المادة والذرة والطاقة لم يعد يحتفظ بالمعنى نفسه في الفيزياء المعاصرة ، لقد اكتشف العلم بنى أعمق من الذرة، وتطورت الفيزياء النووية وميكانيكا الكم ونظرية الحقول، وتغير فهم الإنسان للمادة والطاقة والزمان والمكان . وهذا لا يلغي القيمة الفلسفية للسؤال الذي طرحه إنجلز، لكنه يمنعنا من تحويل تصور تاريخي إلى حقيقة علمية ثابتة. فالجدلية، إذا أرادت أن تبقى منهجاً حياً، يجب أن تكون قادرة على مراجعة مفاهيمها أمام المعارف الجديدة.

وهنا نصل إلى مسألة أساسية: إذا كانت الطبيعة في حركة مستمرة، فإن التغير ليس حادثاً طارئاً عليها، وإنما هو أحد شروط وجودها. ومن ثم لا يكون السؤال الأساسي: لماذا تتغير الطبيعة؟ بل يصبح السؤال: كيف يحدث التحول؟ وما القوانين والعلاقات التي تجعل شكلاً من أشكال الوجود ينتقل إلى شكل آخر؟ إن هذا السؤال يقودنا من مفهوم الطبيعة الساكنة إلى مفهوم الطبيعة كسيرورة، ومن الأشياء المنفصلة إلى العلاقات، ومن الثبات إلى التحول.

وقد كان هذا التحول في النظرة إلى الطبيعة حاضراً بدرجات مختلفة في الفكر الفلسفي، وبلغ عند هيغل مستوى مهماً، حين جعل الحركة والتناقض والتجاوز عناصر أساسية في تطور المفهوم والوعي والتاريخ . ثم حاول إنجلز توسيع مجال التفكير الجدلي ليشمل الطبيعة ، في حين أعاد ماركس توجيه مركز الثقل نحو المجتمع والتاريخ والصراع الاجتماعي . لكن من الضروري هنا ألا نفهم الجدلية باعتبارها مجرد صراع ينتهي دائماً بإلغاء أحد الطرفين؛ فالطبيعة أكثر تعقيداً من ذلك. فالتحول قد يحدث من خلال إعادة تنظيم العلاقات بين عناصر مختلفة، وليس بالضرورة من خلال القضاء على أحدها. [6][2]

ومن هنا يمكن إعادة صياغة الفكرة الجدلية باعتبارها “جدلية التحول“؛ أي أن التناقض ليس غاية في ذاته، بل هو أحد أشكال التوتر التي تفتح إمكانات جديدة للحركة والتغير ، فالطبيعة لا تتوقف عند حالة واحدة ، وإنما تعيد إنتاج نفسها باستمرار من خلال التفاعل والتمايز وإعادة التنظيم . وإذا كان الأمر كذلك، فإن فهم الإنسان لا يمكن أن يبدأ من عزله عن الطبيعة، بل من فهمه بوصفه جزءاً من هذه السيرورة الطويلة.

 

المبحث الثاني

من الكون والمادة إلى الحياة والتطور

 

إذا كانت الطبيعة سيرورة من الحركة والتحول، فإن السؤال التالي يصبح: كيف تشكل الكون الذي نحن جزء منه؟ وفق النموذج الكوني السائد، يعود عمر الكون المرصود إلى نحو 13.8 مليار سنة ، كما لا ينبغي فهم «الانفجار العظيم» باعتباره انفجاراً وقع داخل فضاء فارغ كما يحدث في الانفجار المادي العادي ، بل بوصفه وصفاً لمرحلة مبكرة كان فيها الكون شديد الحرارة والكثافة ، ثم دخل في مسار من التوسع والتبريد وتكوين البنى الكونية . ولا تقدم النظرية الحالية وصفاً نهائياً لما يمكن أن يكون قد حدث عند “البداية”  بمعناها المطلق ؛ فهي تصف أقدم المراحل التي تستطيع النماذج الفيزيائية الحالية مقاربتها ، وتشير المصادر العلمية إلى أن الكون المبكر كان شديد الحرارة والكثافة، وأن الكواركات والغلوونات كانت جزءاً من حالاته الأولى ، ثم تجمعت الكواركات بعد جزء صغير جداً من الثانية لتشكيل البروتونات والنيوترونات، وتشكلت نوى العناصر الخفيفة خلال الدقائق الأولى، ثم ظهرت الذرات بعد نحو 380 ألف سنة عندما أصبح الكون أكثر برودة. [11][12]

ومن هذه البدايات البسيطة تطورت البنى الأكثر تعقيداً ، فقد ساعدت فروق الكثافة الصغيرة في الكون المبكر، إلى جانب الجاذبية، على تكوين التكتلات التي أصبحت لاحقاً أساساً للنجوم والمجرات ، ومع تشكل النجوم بدأت العمليات النووية التي أنتجت عناصر أثقل من الهيدروجين والهيليوم، ثم انتشرت هذه العناصر في الفضاء لتصبح جزءاً من أجيال لاحقة من النجوم والكواكب ، وبذلك فإن المادة التي يتكون منها الإنسان اليوم مرتبطة بتاريخ كوني طويل سبق ظهور الحياة بمدة هائلة. [12]

وهذه القصة الكونية تحمل دلالة فلسفية عميقة، لا بمعنى أن العلم يثبت غاية مسبقة للكون، وإنما بمعنى أن ما يبدو لنا اليوم عالماً بالغ التعقيد لم يظهر دفعة واحدة، بل تشكل عبر مستويات متتابعة من التنظيم – الجسيمات، والذرات، والجزيئات، والنجوم، والمجرات، والكواكب، والكائنات الحية، والدماغ، واللغة، والمجتمع؛ كلها تمثل مستويات مختلفة في تاريخ طويل من التحول والتعقيد ، ومن هنا يصبح السؤال الفلسفي أكثر إثارة: هل يمكن النظر إلى هذا التاريخ بوصفه مساراً تتولد فيه مستويات جديدة من التنظيم؟ وهل يسمح لنا ذلك بفهم الإنسان باعتباره مرحلة من مراحل تاريخ الطبيعة، وليس كائناً منفصلاً عنها؟

لقد كان مفهوم الذرة في الفلسفة اليونانية القديمة مفهوماً افتراضياً يدل على ما لا يمكن تقسيمه ، أما العلم الحديث فقد كشف أن الذرة نفسها بنية مركبة، وأنها تتكون من نواة وإلكترونات، وأن النواة تتكون من بروتونات ونيوترونات، وأن البروتونات والنيوترونات نفسها مرتبطة ببنى أعمق ، وهكذا تحولت الذرة من نهاية افتراضية لسلسلة التقسيم إلى محطة في طريق طويل نحو فهم أعمق للمادة. وهذه الرحلة تكشف حقيقة معرفية مهمة: كثيراً من المفاهيم التي اعتقد الإنسان في مرحلة معينة أنها نهائية، تحولت لاحقاً إلى مراحل مؤقتة في تاريخ المعرفة.

ومن هنا يمكن العودة إلى سؤال المعنى ، فالمعنى لا يوجد فقط في النتيجة، وإنما أيضاً في عملية الكشف نفسها ، فالإنسان الذي اكتشف الذرة، ثم اكتشف مكوناتها، ثم اكتشف البنى الأعمق، لم يكن يكتشف العالم فقط ، بل كان يعيد اكتشاف حدود معرفته ، ولهذا فإن المعرفة ليست امتلاكاً نهائياً للحقيقة، وإنما حركة مستمرة بين السؤال والجواب، وبين ما نعرفه وما نكتشف أننا لا نعرفه.

وقد كان التصور الميكانيكي الكلاسيكي، الذي بلغ ذروة تأثيره مع نيوتن، شديد القوة في تشكيل صورة الإنسان عن الكون ، فقد بدا الكون وفق هذا التصور أقرب إلى آلة ضخمة يمكن فهمها من خلال قوانين الحركة والقوى والعلاقات الرياضية. لكن القرن العشرين أحدث تحولاً عميقاً في هذه الصورة؛ فقد أعادت النسبية صياغة فهم العلاقة بين المكان والزمان والمادة والطاقة، بينما أعادت فيزياء الكم صياغة فهم المستوى الميكروي للواقع. ومن أشهر العلاقات التي أصبحت رمزاً لهذا التحول معادلة أينشتاين E=mc²، التي تعبر عن التكافؤ بين الكتلة والطاقة ضمن النسبية الخاصة. ولا يعني ذلك أن «المادة والطاقة شيء واحد» في كل معنى فلسفي، وإنما يعني وجود علاقة فيزيائية عميقة بينهما. [9]

وقد ساهمت هذه التحولات في تجاوز الصورة البسيطة للكون بوصفه آلة ساكنة ، غير أن القول بأن الفيزياء الحديثة «أثبتت أن الكون حي» يحتاج إلى التمييز بين الوصف العلمي والتأويل الفلسفي . فالعلم يصف عمليات وتفاعلات وبنى ديناميكية، أما وصف الكون بأنه “حي” فهو تأويل فلسفي لهذه الديناميكية، وليس نتيجة علمية مباشرة ، ومع ذلك فإن هذا التأويل يفتح سؤالاً مشروعاً: إذا كان الكون في حركة مستمرة، وإذا كانت المادة والطاقة والبنى والعلاقات تتغير باستمرار، فهل يمكن أن نعيد التفكير في معنى “الحياة” و”الحركة” و”التنظيم” بصورة تتجاوز التصور الميكانيكي البسيط؟

توجد في تاريخ الفكر الإنساني تصورات قديمة رأت الطبيعة بوصفها حية وممتلئة بالقوى والأرواح . وفي بعض أشكال الأرواحية كان يُنظر إلى الموجودات الطبيعية باعتبارها ذات حضور وحياة وقوة خاصة بها ، ثم جاءت الحداثة العلمية بمناهج جديدة جعلت الطبيعة موضوعاً للملاحظة والقياس والتجربة . وقد كان لهذا التحول أثر هائل في تاريخ المعرفة ، لكنه ساهم في بعض صوره في فصل الإنسان عن الطبيعة وتحويلها إلى موضوع خارجي للمراقبة والسيطرة. والمفارقة هنا أن العلم الذي ساعد الإنسان على اكتشاف عمق الطبيعة قد ساهم أحياناً في بناء تصور للإنسان يقف خارجها ، ولذلك تبرز الحاجة إلى تجاوز ثنائية “الطبيعة في جهة والإنسان في جهة أخرى” . فالإنسان ليس مراقباً خارج الكون، وإنما هو جزء من التاريخ الذي يدرسه، والعقل الذي يحاول فهم الطبيعة هو نفسه نتاج لمسار طبيعي.

وهنا يصبح السؤال أكثر عمقاً: إذا كان العقل نتاجاً للتطور الطبيعي، فكيف استطاعت الطبيعة أن تنتج كائناً قادراً على طرح السؤال عن الطبيعة؟ هذا السؤال يقودنا من الكون والمادة إلى الحياة.

يُعد سؤال الحياة من أعقد الأسئلة التي واجهها الإنسان . كيف ظهرت الحياة؟ وكيف انتقلت المادة غير الحية إلى نظم قادرة على التنظيم والتكاثر والتكيف والتطور؟ لا يقدم العلم جواباً نهائياً واحداً عن أصل الحياة ، وما تزال أبحاث واسعة تجري في هذا المجال ، لكن نظرية التطور قدمت تحولاً حاسماً في فهم تنوع الكائنات الحية ، ففي عام 1859 نشر تشارلز داروين كتابه “أصل الأنواع ” ، الذي قدم فيه تفسيراً للتنوع والتغير في الكائنات الحية من خلال آليات، أهمها الانتخاب الطبيعي . ثم نشر عام 1871 كتابه “نشوء الإنسان والانتخاب في علاقته بالجنس” ، وناقش فيه أصول الإنسان ضمن إطار التطور. [7]

كانت أهمية داروين تتجاوز تفاصيل النظرية في القرن التاسع عشر؛ فقد غيّر السؤال نفسه ، فبدلاً من النظر إلى الأنواع باعتبارها كيانات ثابتة، أصبح بالإمكان فهمها بوصفها نتائج تاريخ تطوري طويل . وقد تطورت نظرية التطور بصورة كبيرة مع ظهور علم الوراثة والبيولوجيا الجزيئية وعلم الأحياء التطوري ، كما أن بعض القراءات الاجتماعية والسياسية اللاحقة ، مثل “الداروينية الاجتماعية ” ، لا ينبغي الخلط بينها وبين النظرية البيولوجية نفسها . ومع ذلك يبقى التحول الأساسي الذي أحدثه داروين هو إدخال التغير والتاريخ والتكيف إلى صميم فهم الحياة. [7][8]

إذا كان التغير أساساً في الطبيعة ، فإن الموت ليس نقيض الحياة بصورة مطلقة ، وإنما أحد أبعاد دورة التحول ، فالكائن الحي يتشكل وينمو ويتغير ثم يموت ، لكن موته لا يعني اختفاء كل ما كانه ؛ فالمادة والعناصر والطاقة تدخل في مسارات أخرى ، وحتى داخل الجسد الحي لا توجد حالة سكون مطلق ؛ فالخلايا تتشكل وتعمل وتموت وتتجدد ضمن أنظمة معقدة ، ومن هنا يمكن النظر إلى الحياة باعتبارها حالة ديناميكية من التنظيم المستمر.

إن الكائن الحي لا يعيش لأنه “موجود” فقط، وإنما لأنه يحافظ على علاقات مستمرة مع محيطه ومع مكوناته الداخلية ، فالخلية ليست جزيرة منفصلة ، والكائن الحي ليس كياناً مستقلاً عن بيئته ، وإنما هو استمرار لعلاقات متبادلة معها ، وهنا يظهر سؤال فلسفي واجتماعي مهم : إذا كانت الحياة نفسها تقوم على العلاقات والتنظيم ، فهل يمكن أن تساعدنا هذه الحقيقة بالتفكير في الإنسان بوصفه كائناً اجتماعياً؟ لا يجوز الانتقال بصورة ميكانيكية من البيولوجيا إلى علم الاجتماع والقول إن المجتمع نتيجة مباشرة للجينات، لكن يمكن طرح سؤال أكثر دقة : هل توجد استمرارية ما بين قدرة الكائنات الحية على بناء العلاقات وبين تطور الإنسان نحو أشكال أكثر تعقيداً من التعاون والتواصل والتنظيم؟ إن السؤال نفسه جدير بالتأمل.

 

المبحث الثالث

الدماغ والوعي وإنتاج المعنى

 

إذا كان المعنى يحتاج إلى جهاز قادر على إنتاجه، فإن الدماغ يمثل إحدى أكثر النتائج تعقيداً في التاريخ التطوري الذي نعرفه ،  فالدماغ ليس مجرد آلة للتفكير، وإنما منظومة حيوية شديدة التعقيد تنظم الحركة والإحساس والذاكرة والانفعال والتخطيط واتخاذ القرار واللغة وغيرها من الوظائف. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الدماغ البشري يحتوي على نحو 86 مليار خلية عصبية، وهو رقم أكثر دقة من التقدير الشعبي القديم الذي كان يتحدث عن مئة مليار خلية عصبية. [10]

ومن المهم هنا تصحيح بعض التصورات الشائعة حول بنية الدماغ ، فقد انتشر نموذج “الدماغ الثلاثي” الذي يقسمه إلى “دماغ زاحف” ، و” دماغ حوفي” ، و” قشرة حديثة” ، واستُخدم هذا النموذج لتفسير السلوك على أساس طبقات تطورية منفصلة ، إلا أن علم الأعصاب المعاصر لا يتعامل مع هذا النموذج باعتباره وصفاً تشريحياً دقيقاً لتطور الدماغ أو طريقة عمله ، فالدماغ يعمل بوصفه شبكة مترابطة ومعقدة، وتتداخل فيه الوظائف الحيوية والعاطفية والمعرفية . ولذلك فإن الاستفادة من هذا التقسيم ينبغي أن تبقى في المستوى المجازي أو التفسيري، لا أن تُقدم باعتبارها حقيقة عصبية حرفية.

ومع ذلك، فإن الفكرة التي يحاول هذا التقسيم التعبير عنها تبقى ذات أهمية فلسفية : السلوك الإنساني لا يصدر عن التفكير المجرد وحده ، وإنما تتفاعل فيه الوظائف الحيوية والانفعالات والذاكرة والإدراك والتخطيط واللغة ، فالإنسان لا يتخذ قراراته بعقله التحليلي وحده ، وإنما تتداخل في قراراته خبراته السابقة وحاجاته ومشاعره وتوقعاته وعلاقاته الاجتماعية. ولهذا يمكن النظر إلى الإنسان باعتباره نظاماً لإقامة العلاقات ، ليس فقط في المجتمع ، وإنما أيضاً داخل جسده ودماغه.

وإذا كانت الحياة تقوم على العلاقات ، فإن الدماغ يمثل مستوى بالغ التعقيد من تنظيم هذه العلاقات ، فالاتصال بين الخلايا العصبية ، وتكوين الشبكات العصبية ، والتفاعل بين مناطق الدماغ ، كلها تجعل التفكير والذاكرة والإدراك عمليات ديناميكية وليست وظائف منعزلة ، ومن هنا لا ينبغي أن نفهم الدماغ على أنه مركز منفصل عن بقية الجسد والعالم ، بل بوصفه جزءاً من منظومة حيوية واجتماعية أوسع.

وهنا نصل إلى مفهوم الوعي ، فالوعي لا يظهر بوصفه شيئاً منفصلاً عن المادة والحياة ، وإنما يظهر في سياق تطور طويل أدى إلى ظهور جهاز عصبي قادر على معالجة المعلومات ، وبناء تمثيلات عن العالم ، وربط التجارب السابقة بالحاضر، والتخطيط للمستقبل ، ومع تطور اللغة والقدرة على التجريد، أصبح الإنسان قادراً ليس فقط على الاستجابة للبيئة، بل على إنتاج عالم رمزي كامل.

الإنسان لا يكتفي بأن يعيش؛ إنه يسأل لماذا يعيش . ولا يكتفي بأن يرى العالم؛ بل يسأل ما الذي يعنيه العالم . ولا يكتفي بوجود الأشياء ، بل يبحث عن دلالاتها . وهنا يظهر الفرق بين الوجود والمعنى دون أن يعني ذلك انفصالهما . فالوجود هو الشرط الأول، لكن المعنى يظهر عندما تصبح هناك قدرة على التمييز والتجريد واللغة والذاكرة والتأويل.

ومن هنا يمكن النظر إلى الإنسان باعتباره «طبيعة تفكر في ذاتها» . فالطبيعة أنتجت ، عبر مسار طويل من التطور، كائناً قادراً على دراسة الطبيعة . وهذه واحدة من أعظم المفارقات الفلسفية : الطبيعة أصبحت قادرة على إنتاج وعي يسأل عن الطبيعة . وإذا كان الإنسان جزءاً من الطبيعة، فإن معرفة الإنسان للطبيعة يمكن أن تُفهم بوصفها شكلاً من أشكال عودة الطبيعة إلى ذاتها عبر الوعي، من دون أن يعني ذلك أن الكون كله يمتلك وعياً إنسانياً أو أن الطبيعة ذاتها كائن واعٍ.

إن إنتاج المعنى لا يحدث داخل الدماغ بمعزل عن المجتمع ، فاللغة التي يفكر بها الإنسان نتاج تاريخ اجتماعي ، والرموز التي يستخدمها نتاج علاقات بشرية ، والذاكرة الفردية مرتبطة بذاكرة جماعية ، والقيم التي يعتنقها تتشكل في سياقات تاريخية وثقافية ، ولذلك فإن المعنى لا يمكن اختزاله في عملية عصبية فقط ، كما لا يمكن فصله عن الأساس البيولوجي الذي يجعل إنتاجه ممكناً.

ومن هنا يصبح المجتمع امتداداً لمشكلة المعنى ، فالإنسان لا يصبح مجتمعاً بمجرد تجمع الأجساد، وإنما عندما تنشأ شبكة من المعاني المشتركة التي تجعل التعاون واللغة والذاكرة والقواعد والمؤسسات ممكنة ، وبذلك يتحول المعنى من تجربة فردية إلى قوة اجتماعية . وعندما تدخل المعاني في اللغة والثقافة والمؤسسة والذاكرة ، تصبح قادرة على تنظيم السلوك وإنتاج الهوية وبناء العلاقات وتحديد صورة الإنسان عن نفسه وعن الآخرين. [1]

وهنا تبرز فكرة “الطبيعة الثانية” ، فإذا كانت الطبيعة الأولى هي العالم الفيزيائي والبيولوجي الذي يوجد فيه الإنسان ، فإن الطبيعة الثانية هي العالم الاجتماعي والرمزي الذي ينتجه الإنسان من خلال اللغة والثقافة والمؤسسات والمعاني . غير أن الطبيعة الثانية لا تنفصل عن الأولى ؛ فهي تظهر داخلها وتستند إليها، ثم تعود لتؤثر فيها وفي الإنسان نفسه . الإنسان ينتج المجتمع، والمجتمع يعيد إنتاج الإنسان؛ والإنسان ينتج المعنى، ثم تصبح المعاني التي ينتجها قوة تؤثر في سلوكه ومؤسساته وتصوراته. [1]

وهذا هو المكان الذي يلتقي فيه سؤال الطبيعة بسؤال المجتمع. فإذا كان الوعي نتيجة لمسار طبيعي، وإذا كان المعنى نتيجة لقدرة الإنسان على التجريد واللغة والتأويل، فإن المجتمع يصبح المستوى الذي تتحول فيه المعاني إلى علاقات وقيم وقواعد ومؤسسات. ومن هنا فإن فهم المجتمع يتطلب عدم قطعه عن الطبيعة، كما أن فهم الطبيعة الإنسانية يتطلب عدم اختزالها في البيولوجيا وحدها.

 

المبحث الرابع

جدلية الاختلاف والتحول والإنسان والمجتمع

 

تكتسب الجدلية هنا معنى أوسع من مجرد الصراع ، ففي الفلسفة الحديثة ارتبطت الجدلية خصوصاً بهيغل، الذي جعل الحركة والتناقض والتجاوز عناصر أساسية في تطور المفهوم والوعي والتاريخ. أما إنجلز فقد حاول توسيع التفكير الجدلي إلى دراسة الطبيعة، في حين جعل ماركس التناقض الاجتماعي والصراع الطبقي محوراً أساسياً لفهم التاريخ . وقد أصبحت مقولة «تاريخ كل المجتمعات القائمة حتى الآن هو تاريخ صراع الطبقات» من أشهر العبارات التي صاغ بها ماركس رؤيته لحركة التاريخ الاجتماعي. [6][2][4]

لكن من الضروري التمييز بين مفهوم التناقض ومفهوم الإلغاء ، فالجدلية لا تعني بالضرورة أن أحد طرفي العلاقة يجب أن يقضي على الطرف الآخر ، وإذا نظرنا إلى الطبيعة وجدنا أن كثيراً من التحولات لا تحدث من خلال محو أحد العناصر بصورة بسيطة ، وإنما من خلال إعادة تنظيم العلاقات بينها . فالاختلاف والتنوع والتفاعل والتكيف وإعادة التنظيم يمكن أن تكون كلها آليات للتحول ، ولذلك فإن اختزال الجدلية في فكرة “إلغاء الآخر” يحولها من منهج لفهم التحول إلى عقيدة للصراع.

وهذه النقطة ذات أهمية اجتماعية وسياسية عميقة ، فإذا تحولت الجدلية الاجتماعية إلى عقيدة تقول إن المجتمع لا يتقدم إلا بإلغاء جماعة لجماعة ، فقد تحولت من أداة لفهم الواقع إلى أداة لتبرير العنف ، والتجارب التاريخية التي حاولت تطبيق تصورات شاملة عن المجتمع عبر الإلغاء القسري للاختلاف تكشف مخاطر تحويل النظرية إلى عقيدة مغلقة ، ومن هنا ينبغي أن نعيد صياغة مفهوم التناقض باعتباره علاقة توتر وتحول ، لا باعتباره حكماً مسبقاً بالإبادة أو الإلغاء.

إن الطبيعة نفسها تقدم لنا درساً مختلفاً ، فالاختلاف ليس حادثاً هامشياً، وإنما شرط للتنوع ، لم تكن الكائنات الحية موجودة دائماً في صورها الحالية ؛ فتاريخ الحياة هو تاريخ تغير وتفرع وتكيف وانقراض وظهور أشكال جديدة ، وبالتالي فإن الاختلاف لا يمثل خطأ في الطبيعة، بل هو أحد شروط استمرارها ، فالنوع نفسه لم يظهر خارج التاريخ ، وإنما هو نتيجة تاريخ طويل من التغيرات والاختلافات والانتقاء والتكيف.

كل شكل من أشكال الحياة يفتح إمكانات جديدة للتفاعل مع البيئة ، ويمكن أن يقود ذلك إلى ظهور تنوع أكبر ، ومن هنا يمكن القول إن الطبيعة لا تنتج الوحدة من خلال القضاء على الاختلاف ، وإنما تنتج أشكالاً متعددة من التنظيم من خلال الاختلاف ، فالتنوع ليس نقيض النظام بالضرورة، بل يمكن أن يكون شرطاً من شروط النظام الأكثر تعقيداً.

وهذه الفكرة تكتسب أهمية اجتماعية أيضاً ، فالمجتمع الذي يحاول إزالة الاختلاف بصورة كاملة قد يفقد القدرة على التطور، بينما المجتمع الذي يستطيع تنظيم الاختلاف وإدارته ضمن علاقات سلمية وتشاركية يفتح المجال أمام الإبداع والتعلم والتجدد ، ومن هنا يمكن أن يصبح الاختلاف قيمة اجتماعية وليس مشكلة ينبغي القضاء عليها.

وإذا انتقلنا من الحياة إلى الكون، فإن السؤال نفسه يعود في صورة أخرى: هل الكون في تمدد دائم؟ وهل يمكن أن يتوقف أو ينكمش؟ لقد طرحت الفيزياء الكونية سيناريوهات مختلفة لمستقبل الكون، لكن المعطيات الحالية لا تسمح بتحويل أحد هذه السيناريوهات إلى حقيقة نهائية ، وتشير الملاحظات الحالية إلى أن تمدد الكون يتسارع ، وهو ما يرتبط بما يسمى ” الطاقة المظلمة ” ، التي ما زالت طبيعتها غير معروفة بصورة كاملة ، كما أن المادة المظلمة ليست مادة معروفة في المختبر حتى الآن، وإنما يُستدل على وجودها من آثارها الجاذبية في حركة الأجرام وبنية الكون. وتشير التقديرات الحالية إلى أن المادة العادية تمثل نحو 5% من محتوى الكون، والمادة المظلمة نحو 27%، والطاقة المظلمة نحو 68% تقريباً، مع استمرار البحث في طبيعتها. [13]

وهذا يعني أن الصورة التي نملكها عن الواقع ليست مكتملة ، وكلما تعمقت المعرفة ظهرت أمام الإنسان مناطق جديدة من المجهول ، وقد تكون هذه النتيجة أهم من أي إجابة نهائية؛ لأن العلم لا يفقد قيمته بسبب وجود المجهول، بل إن وجود المجهول هو الذي يجعل العلم ممكناً ، فكلما توسعت المعرفة ، اتسعت معها حدود الأسئلة.

ومن هنا ينبغي النظر بحذر إلى بعض التصورات التي تتحدث عن نهاية الكون من خلال التمدد الأبدي أو الانكماش العظيم أو الموت الحراري ، هذه كلها سيناريوهات ونماذج مرتبطة بفرضيات عن طبيعة الكون والطاقة المظلمة والجاذبية وبنية الفضاء والزمن ، وليست حقائق نهائية . إن مستقبل الكون لا يزال من الأسئلة الكبرى في علم الكونيات، ولا يمكن تحويل السيناريوهات النظرية إلى يقين فلسفي أو علمي. [13]

وهذا يقودنا إلى نتيجة معرفية أساسية : الإنسان الذي يعتقد أنه وصل إلى الحقيقة النهائية يتحول سريعاً إلى أسير لعقيدته، أما الإنسان الذي يدرك حدود معرفته فيبقى قادراً على السؤال. ولذلك تلتقي الفلسفة والعلم في نقطة أساسية هي مقاومة الوهم بأن ما نعرفه اليوم يمثل نهاية المعرفة . لقد تغير مفهوم المادة، وتغير مفهوم الذرة، وتغير فهم المكان والزمان، وتغير فهم الحياة والوراثة والدماغ والكون ، وهذا يعني أن تاريخ المعرفة هو أيضاً تاريخ إعادة بناء المفاهيم.

ومن هنا لا ينبغي أن ننظر إلى العلم باعتباره مجموعة عقائد ثابتة، وإنما باعتباره عملية مفتوحة للاختبار والتصحيح ، ولا ينبغي أيضاً أن نضع الفلسفة في مواجهة العلم ، بل أن نبحث عن العلاقة بينهما : العلم يحاول الكشف عن آليات العالم، والفلسفة تسأل عن دلالات هذه الاكتشافات وحدود مفاهيمها وآثارها في تصور الإنسان لذاته والعالم.

وإذا كان الإنسان جزءاً من الطبيعة، فإن المجتمع لا يمكن أن يكون منفصلاً عنها ، لكنه في الوقت نفسه ليس مجرد تكرار للطبيعة ، فالمجتمع مستوى جديد من التنظيم يقوم على اللغة والرموز والقواعد والذاكرة المشتركة والمؤسسات والمعاني ، ومن هنا تصبح «الطبيعة الثانية» مفهوماً يساعدنا على فهم العلاقة بين الطبيعي والاجتماعي : فالإنسان لا يكتفي بالتكيف مع الطبيعة ، وإنما يبني عالماً من الرموز والمؤسسات والمعارف، ثم يصبح هذا العالم مؤثراً فيه. [1]

وبذلك تنشأ علاقة جدلية بين الإنسان والمجتمع : الإنسان ينتج المجتمع، والمجتمع يعيد إنتاج الإنسان؛ والإنسان ينتج المعنى، ثم تصبح المعاني التي ينتجها قوى اجتماعية تؤثر في سلوكه ومؤسساته وتصوراته ، وهنا لا يكون المعنى مجرد فكرة داخل الرأس ، وإنما يتحول إلى قوة اجتماعية عندما يدخل اللغة والثقافة والمؤسسة والذاكرة. [1]

إذا عدنا الآن إلى السؤال الأول : ما العلاقة بين الطبيعة والمعنى؟ يمكن أن نقول إن المعنى ليس شيئاً منفصلاً عن الوجود، بل هو مستوى من مستويات تطوره التاريخي والإنساني ، فالطبيعة موجودة قبل أن يستطيع الإنسان وصفها ، ثم ظهر الإنسان داخلها ، وتطور دماغه وقدرته على التجريد ، ثم ظهرت اللغة، ومع اللغة ظهرت القدرة على تسمية الأشياء وتصنيفها وتذكرها وربط الماضي بالمستقبل والتخطيط للمستقبل . ومن هنا ظهر عالم المعنى.

بهذا المعنى يمكن النظر إلى الإنسان باعتباره «طبيعة تفكر في ذاتها». لكن هذه العبارة لا تعني أن الطبيعة كلها تمتلك وعياً إنسانياً، ولا تثبت أن الكون يمتلك وعياً شبيهاً بوعي الإنسان؛ إنها تعني أن الطبيعة، عبر مسار تطوري طويل، أنتجت كائناً يستطيع أن يجعل الطبيعة موضوعاً للوعي والمعرفة والتأويل.

ومن هنا يصبح المعنى أحد أهم عناصر التمجتمع (التحول الى مجتمع) . فالإنسان لا يصبح مجتمعاً بمجرد تجمع الأجساد، وإنما عندما تنشأ شبكة من المعاني المشتركة التي تجعل التعاون واللغة والذاكرة والقواعد والمؤسسات ممكنة ، وبذلك يتحول الوعي من ظاهرة فردية إلى أساس لعالم اجتماعي كامل.

ومنذ بدايات التفكير الفلسفي ظل الإنسان يحاول فهم موقعه بين الأنواع والكائنات ، لكنه ليس إلا نوعاً واحداً من أنواع الحياة التي ظهرت على الأرض ، والأهم أن ظهور الأنواع نفسه مرتبط بالاختلاف ، فلو لم يحدث الاختلاف لما كان هناك تطور، ولو لم توجد القدرة على التكيف والتغير لما استمرت الحياة في صورها المتعددة.

إن الاختلاف ليس ضد الوحدة، بل قد يكون شرطاً لنشوء أشكال جديدة من الوحدة ، ومن هنا يمكن صياغة مبدأ فلسفي يلخص هذه الرؤية: ” لا حياة بلا اختلاف، ولا تطور بلا تحول ” . فالكون الذي نعرفه ليس كتلة واحدة متجانسة، وإنما شبكة من الفروق والعلاقات والمستويات ، ومن هذه الفروق نشأت النجوم والمجرات والعناصر والكائنات الحية ، ومن الاختلاف البيولوجي ظهر التنوع ، ومن التعقيد العصبي ظهر الوعي الإنساني ، ومن الوعي ظهرت اللغة ، ومن اللغة نشأ عالم المعنى.

وعليه فإن الاختلاف ليس مجرد نتيجة للتطور، وإنما أحد شروط إمكانه ، وهذا الاستنتاج لا ينطبق على الطبيعة وحدها، بل يفتح أمامنا إمكانية التفكير في المجتمع أيضاً. فإذا كانت الحياة تتطور عبر التنوع، وإذا كان الوعي يتطور عبر التفاعل، وإذا كان المجتمع يتشكل عبر الاختلاف والعلاقات، فإن المجتمع الديمقراطي لا ينبغي أن يسعى إلى إلغاء الاختلاف، بل إلى تنظيمه وتحويله إلى مصدر للإبداع والتعايش والتطور.

 

خاتمة :

إن سؤال الطبيعة يقودنا في النهاية إلى سؤال الإنسان، وسؤال الإنسان يقودنا إلى سؤال المعنى. فالطبيعة ليست مجرد مادة خام أمام الإنسان، والإنسان ليس كائناً خارج الطبيعة. إنه نتيجة لمسار طويل من التحول، لكنه في الوقت نفسه كائن يستطيع أن يعيد تنظيم علاقته بالطبيعة وبذاته وبالآخرين. ومن هنا فإن المعنى ليس إضافة خارجية إلى الوجود، بل هو أحد أشكال تطور الوجود عندما يصل إلى مستوى يصبح فيه قادراً على الوعي بذاته .

إن جدلية الطبيعة لا تتوقف عند المادة، بل تستمر في الحياة، ثم في الجهاز العصبي، ثم في الوعي، ثم في اللغة، ثم في المجتمع، ثم في الفكر والثقافة. وفي هذه السلسلة لا ينبغي أن نبحث عن نقطة نهائية؛ فكل إجابة تفتح سؤالاً جديداً، وكل اكتشاف يكشف جهلاً جديداً، وكل شكل من أشكال الوجود يحمل إمكانات جديدة للتحول . لذلك فإن الإنسان لا يكون إنساناً لأنه امتلك الحقيقة النهائية، وإنما لأنه قادر على السؤال . ولا تكون الطبيعة ذات معنى لأنها أعطتنا جواباً نهائياً، بل لأنها جعلت السؤال ممكناً.

وإذا كانت الطبيعة قد أنتجت الإنسان، والإنسان أصبح قادراً على التفكير في الطبيعة، فإننا أمام واحدة من أعظم المفارقات الفلسفية: الطبيعة التي ندرسها هي نفسها التي منحتنا القدرة على دراستها. ومن هنا يمكن أن نفهم الإنسان باعتباره «طبيعة تفكر في ذاتها»، والمعنى باعتباره استمراراً لهذه الجدلية.

فالوجود يسبق المعنى من حيث الشرط، لكن المعنى يعود ليعيد تشكيل الوجود الإنساني. والطبيعة تنتج الإنسان، لكن الإنسان يعيد تفسير الطبيعة. والاختلاف يولد التنوع، والتنوع يفتح الطريق أمام التعقيد، والتعقيد يفتح الطريق أمام الوعي، والوعي يفتح الطريق أمام المعنى، والمعنى يتحول بدوره إلى أساس للغة والثقافة والمجتمع.

وبذلك فإن جدلية الطبيعة ليست مجرد نظرية في المادة، وإنما يمكن أن تكون مدخلاً لفهم العلاقة بين الوجود والحياة والوعي والمجتمع والمعنى . إنها دعوة إلى التفكير في العالم لا بوصفه شيئاً مكتملاً، بل بوصفه سيرورة مفتوحة؛ لا بوصفه كتلة جامدة، بل شبكة من العلاقات؛ ولا بوصفه حقيقة انتهت، بل حقيقة تتشكل باستمرار.

ومن هنا يمكن أن نصل إلى النتيجة المركزية للبحث: الإنسان ليس خارج الطبيعة لكي يمنحها المعنى، بل هو أحد أشكال تطورها التي أصبح فيها الوجود قادراً على الوعي بذاته، وأصبح المعنى نتيجة تاريخ طويل من العلاقات والتحولات. ولذلك فإن فهم الإنسان يتطلب فهم الطبيعة، وفهم المجتمع يتطلب فهم الإنسان، وفهم المعنى يتطلب فهم العلاقة الجدلية بين الوجود والحياة والوعي والمجتمع.

وعلى هذا الأساس، فإن مهمة الفكر ليست بناء عقيدة نهائية عن العالم، وإنما إبقاء القدرة على السؤال مفتوحة، ومقاومة تحويل المعرفة إلى قوالب مغلقة ، والنظر إلى الطبيعة والمجتمع والإنسان بوصفها سيرورات متحركة قابلة للتغير وإعادة التنظيم . فالحقيقة ليست شيئاً جامداً نمتلكه مرة واحدة ، وإنما علاقة متجددة بين الإنسان والعالم، وكلما اتسعت معرفتنا اتسعت قدرتنا على اكتشاف حدودها.

 

تنويه : هذا البحث مستقى في أساسه الفكري من كتاب « مانفيستو المجتمع الكومينالي الديمقراطي » للمفكر عبد الله أوجلان .

المراجع

  1. 1. عبد الله أوجلان . ( مانفيستو المجتمع الكومينالي الديمقراطي ).
  2. 2. فريدريك إنجلز . جدلية الطبيعة. ترجمة عربية، ضمن الأعمال والمؤلفات المختارة لفريدريك إنجلز.
  3. 3. فريدريك إنجلز . أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة.
  4. 4. كارل ماركس ، وفريدريك إنجلز. البيان الشيوعي.
  5. 5. كارل ماركس . مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي .
  6. 6. غيورغ فيلهلم فريدريش هيغل. فينومينولوجيا الروح.
  7. 7. تشارلز داروين. أصل الأنواع عن طريق الانتخاب الطبيعي.
  8. 8. تشارلز داروين. نشوء الإنسان والانتخاب في علاقته بالجنس.
  9. 9. ألبرت آينشتاين. حول الكهروديناميكا للأجسام المتحركة، 1905، وهو البحث الذي قدم فيه الأساس للنسبية الخاصة والعلاقة بين الكتلة والطاقة.
  10. 10. هيركولانو-هوزيل، سوزانا. «الدماغ البشري بالأرقام: دماغ رئيسيات متضخم خطياً». Frontiers in Human Neuroscience، المجلد 3، 2009.
  11. 11. المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (سيرن). الكون المبكر. مواد علمية حول الكواركات والغلوونات وتكوّن البروتونات والنيوترونات والنوى في المراحل المبكرة للكون.
  12. 12. وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا). تاريخ الكون والانفجار العظيم. مواد علمية حول عمر الكون وتوسعه وتشكل الذرات والنجوم والمجرات.
  13. 13. وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا). ما هي الطاقة المظلمة؟ مواد علمية حول تسارع تمدد الكون وطبيعة الطاقة المظلمة والمادة المظلمة.

عامر داوود

شارك