
الأحزاب..بين التحلل التنظيمي والتحلل الفكري
بقلم محمد فياض
قليلٌ من التأمل والاسترخاء الذهني نحتاجه بإلحاحٍ لازم للمراجعة. في التجربة الحزبية المصرية نفرّق بين مناخات سياسية مرت بها الأحزاب ومرت الأحزاب عليها. إن المتابع الجيد يمكنه أن يضع عدة عناوين لدراسة الحالة واستخلاص التشخيص الملائم .وفي حالة التجرد ومهما كان إصطفاف أو حتى إعتناق ناحية من نواحي الممارسة. يمكن حصر العلل ووصف الدواء. يعلو الهتاف كثيراً للمطالبة بتداول سلمي للسلطة. وماغاية الأحزاب السياسية في مصر كغيرها من بلدان العالم سوى الوصول للحكم. لغايةٍ لاتحتاج إلى تناضل لفهمها وهي أن الحزب السياسي يسعى إلى رأس السلطة لتنفيذ برنامجه الذي يراه الأصلح لشعب مصر..وشعب مصر في حال تزاحم البرامج السياسية للأحزاب ليس بالضرورة أن يرضى عن كل البرامج حيث البداهة تفترض أن أحزاب اليمين تحمي في برامجها طبقة إجتماعية وأحزاب اليسار برامجها لصالح طبقة مغايرة..ولكل طبقة في برامج الحزب..ليبرالي أو يساري مصالح ربما تتجسد في حزمة من الحقوق. ولاضير في ذلك أبداً.. أن تتصارع الأحزاب بكتلتيها اليمين واليسار للوصول إلى الحكم وفق قواعد حاكمة.. لا نطالب أن تتطابق مع نظيرتها في بلدان أخرى..حيث مانطلبه ونرضاه أن تكون هذه القواعد متوافق عليها داخل مصر..وبين الأحزاب السياسية وانطلاقاً من دستور ونصوص تردنا جميعاً إلى الإحتكام إليها واحترامها.وبينما لم تُقَصِر الدساتير – ربما – ولم تنضج الممارسة للغاية المنشودة التي تم صياغة النصوص الدستورية لأجلها. الأمر الذي وضعت الممارسات الدستور جانباً وتم صياغة أفضلية لقواعد حاكمة أفضل مايمكن وصفها أنها عشوائية تعبر عن إفلاس سياسي.
وهذا الإفلاس السياسي – في تقديري – لا تُساءَل عنهالحكومات أو نظام الحكم من دون مساءلة أوسع للأحزاب السياسية التي مرّ على حضورها نصف قرن نحتفل اليوم باليوبيل الذهبي للتجربة الحزبية الثانية.
وربما أكون مُحِقاً وأنا أوجه الإتهامات الأكثر إلى الأحزاب ولا أبريء نظام الحكم من تهمة تكدير الحياه الحزبية والسياسية وتجريفها في البلاد..
وكان ينبغي ومازالت نداءاتنا إلى طرفي الحكم..الموالاة والمعارضة أن تسهم الدولة في إزلالة الإنسدادات السياسية المتراكمة في طريق العمل السياسي الحزبي وأن تبذل جهداً حقيقياً مستحقاً وتتحمل تكاليفه لغاياته الأسمى والأنبل.
وإلا..هل يستطيع الحكم أن يضع لنا إجابة شافية يقبلها شعبنا للسؤال الحتمي المتكرر والأزلي: كيف يتم تغيير الحكم في مصر..؟ وهل هناك سيناريو واحد أم تنفتح الأبواب على سيناريوهات؟! وهل هناك ضمانات شعبية كناتج لحالة الرضا المجتمعي والمستند إلى قواعد آمرة مكتوبة أن تخلوا هذه السيناريوهات من سيناريو للفوضى..؟؟!
كيف يحدث التغيير..التغيير بشكل مطلق في اي بلد في العالم..للتغيير طريقان أحدهما الصندوق والثاني العنف.
ومصر لا تحتمل العنف..والتغيير عبر الأخيرة لايصنع أمناً ولا يؤسس لثمة إستقرار وبالتالي لا محل للحديث عن التنمية أو حتى عن النمو والإستقلال الوطني..وتتغير مفاهيم هذه المفردات بتغير الغايات وإن كانت لها مفهوم واحد..لكن يظل هذا مرهون بالأهداف الكبرى..هل النظام والحكومات من أجل مصالح مصر الشعب والأرض أم أن الشعب والأرض من أجل مصالح النظام والحكومات..!!
وهنا لن نقبل كما كنا دائماً وبُحَّ صوتنا نناضل لوضع القواعد موضع التطبيق وتعديل مايلزم لنذهب إلى تواتر واستقرار آلية الصندوق طريقاً وحيداً للتغيير .. ونبذل الجهد لتنقية هذا الطريق من العثرات الكبرى وصولاً مع الوقت والممارسة الجادة إلى إزالة العثرات الصغرى..وهذه العثرات يعرفها جيدا نظام الحكم وتعرفها الأحزاب..
ومادامت قناعاتنا تتوحد عند التغيير بالصندوق..فهذا يفرض عند الممارسة عبر الإنتخابات العامة برلمان بغرفتيه ورئاسة مع تطوير الحالة وإدخال المناصب المسؤوليات القيادية المحلية المدنية تحت خيمة التداول.
الأمر الذي لايمكن تصور وجوده دون منافسة سياسات وبرامج سياسية حزبية يتم طرحها على الشعب الناخب لتعظيم اختيار دون آخر..وهذا سوف يضع فساد إستخدام المال السياسي في سلة النفايات دفعة واحدة تتخلص منها مصر خلال زمنٍ مرئي..وممكن وتستحق.
وكيف يمكننا طرح البرامج على الناخب احتراماً لحقوقه وكشف غبار الإرتباك عن وعيه وكرامته من دون تنافس البرامج الحزبية في مواسم ومراسم سباقات الإنتخابات العامة.
وهنا ربما يرى البعض أنه لابد أن تتوافر مقاعد للمستقلين..وهذا مردود عليه إن كان الراغب في الترشح يعمل في العام من دون مشروع فكري ويؤسس لإعادة إستخدام المال فلاحق له في الترشح من خارج الأحزاب.. وإن ادعى أن اكثر من 104 حزب في مصر لا تستوعب فكره وبرامجها تخلو من التعبير عن مشروعه الوطني إن كان لديه حقاً ثمة مشروع فليذهب ويؤلف الحزب رقم 105 والقانون يسمح..
وعندما ننتصر إلى تجربة حزبية حقيقية تسهم في الإستقرار الوطني والسياسي في مصر لمصلحة شعب عظيم يحصل على الحد الأدنى من حقوقه بكرامة ويوصد الأبواب أمام الفساد ويعطي الشعب مصلحة مباشرة وحقيقية في حصار الفساد والإسهام في تجفيفه لأجل وطن متعافي وقوي للشعب نصيب عادل من ثرواته.وكل هذا لن يتحقق بدون إرادة سياسية حقيقية تذهب بالقواعد والممارسة إليها وتدفع الدولة استحقاقاته من تعديل مايلزم من التشريعات وسداد كلفة نضج التجربة الحزبية إذا اقتنع الحكم أنها – الأحزاب الوطنية – المقاتل الحقيقي الآمن لصياغة مصر التي نعوذها في تصدرها للجماهير كشريك في الحكم وجزء من النظام.وهنا يصبح الصندوق هو الوسيلة المثلى والآمنة للتغيير..
وعندما يعتمد الحكم الصندوق وسيلة وحيدة للتغيير..نذهب هنا إلى الأحزاب السياسية..كيف تصبح من الجاهزية للمنافسة..وهل تملك حقاً برامج وسياسات ولديها إنحيازات واضحة جلية مفترضة تناضل – المفروض – من أجلها وتسعى للوصول إلى الحكم لتطبيق برامجها وتحصيل رضا عام شعبي يترجمه الشعب في صناديق الإقتراع عند إختياره لنوابه بعد سجال ونقاش مباشر بين جمهور الناخبين وبين المرشحين الحزبيين للتعرف على إنحياز البرامج ومدى تقاطعها مع المصالح المباشرة الجمعية للناخبين.. ونرى أنه طالما نطالب الحكومة ونظام الحكم أن يدلي بدلوه في السياقات المطلوبة..فإننا نطالب الأحزاب التي صارت بأعداد لا تحتملها التجربة الحزبية وتعتبر واحدة من عثرات التطور السياسي وبالتالي الإجتماعي في البلاد..فلتذهب الأحزاب الليبرالية اليمينية إلى اندماج يستوعبها جميعاً وجميعهم في حقيقة الأمر برنامج واحد يتم ممارسة لعبة القص واللزق عبرها لتتوالد من الأحزاب أحزاباً تتباين وفق مصلحة شخصية لفرد او لحزمة من الأفراد..ليس من بين هذا التباين الفكر او الوطن.والشعب .
ولتذهب الأحزاب اليسارية إلى الإندماج..واندماج ثالث لحزب الوسط..لنصبح أمام ثلاثة مدارس سياسية موجوب عليها إنشاء مدارسها وفتح فصولها للتعلم والتدريب..وأمامنا تجربة الولايات المتحدة الأمريكية في المعهد الجمهوري والمعهد الديموقراطي..
ومانطرحه الآن يعطي طريقة لترميم التحلل الفكري الذي أصاب معظم التكوينات الحزبية الليبرالية واليسارية..اللهم إلا أن يتم تقييم تجربة ليبرالية حزب الوفد..ويسارية حزب التجمع..ودورهما في الحياه السياسية المصرية وإسهاماتهما الفكرية عبر خمسين عاماً.
وتظل مثل هذه الأطروحات طريقة لوأد معارك استهدفت وتستهدف الحالات التنظيمية للأحزاب بغية طرحها خارج الفعل فتتكاثر هشاشة التجربة الحزبية لإسقاطها دعماً لتيارات الثيوقراط الديني والتأسلم العنيف للسيطرة على مفاصل الدولة المصرية وعقلها الجمعي.لتسليمها للعدو وفاءاً لوعود لم تعد سراً



