أشرف التهامي.

في قاعدة عسكرية بوسط إسرائيل، يعمل فريق منتقى من جنود وضباط ومدنيين -كانت مهاراتهم لتدر عليهم ثروات طائلة في القطاع الخاص- داخل مبانٍ متواضعة، لكنهم في الواقع هم العقول المدبرة لـ “مديرية الميركافا والمركبات المدرعة”. لقد ظل هؤلاء المهندسون بعيداً عن الأنظار حتى كشفوا اليوم عن دورهم المحوري الذي بدأ منذ السابع من أكتوبر؛ والمتمثل في اختراق “الصناديق السوداء” للدبابات وناقلات الجند المتضررة، ليكونوا أول من يستمع إلى الثواني الأخيرة في حياة الجنود، ونداءات الاستغاثة اليائسة عبر اللاسلكي، في محاولة مضنية لإعادة بناء المعارك الدامية واستخراج أي خيط يقود إلى معلومات عن الرهائن.
لقد كشفت “يديعوت أحرونوت” اليوم عن الدور المحوري الذي اضطلع به هؤلاء منذ السابع من أكتوبر؛ والمتمثل في اختراق “الصناديق السوداء” للدبابات وناقلات الجند المتضررة التي خاضت معارك ضارية ، و الذي نقدمه لكم من خلال هذا التقرير في السطور التالية:
نص التقرير الإسرائيلي :
يستخرج مهندسو وزارة الدفاع الإسرائيلية الصوت والفيديو وبيانات القياس عن بُعد من دبابات ميركافا وناقلات نامر المدرعة ومركبات إيتان المتضررة، ويعيدون بناء المعارك الدامية، ويبحثون عن أدلة بشأن الرهائن، ويحولون أدلة ساحة المعركة إلى أنظمة حماية جديدة.
للوهلة الأولى، لا تبدو القاعدة الواقعة في وسط إسرائيل وكأنها منشأة سرية تُتخذ فيها قرارات مصيرية.
ولكن، داخل مبانيها المتنقلة المتواضعة، يعمل أولئك الأشخاص الذين لولاهم لظل جانب كبير من صورة ساحة المعركة غامضاً؛ إنهم جنود وضباط وموظفون مدنيون في وزارة الدفاع، يمتلكون مهارات هندسية وخوارزمية كانت لتدرّ عليهم رواتب طائلة في القطاع الخاص، إلا أنهم آثروا بدلاً من ذلك أن يكونوا العقول المدبرة التي تقف وراء “مديرية الميركافا والمركبات المدرعة” التابعة للوزارة.

"سماع اللحظات الأخيرة": مهندسون إسرائيليون يفككون شيفرة "الصناديق السوداء" للدبابات المدمّرة بحثاً عن أدلة بشأن الرهائن وحقيقة ما دار في المعركة. 5173
من اليمين: الرائد “تي”، والرائد “إم”، والموظف المدني “أ”، والمقدم “تي”.

لقد ظلوا بعيداً عن الأنظار إلى حد كبير حتى الآن، لكنهم يتحدثون اليوم عن الدور المحوري الذي لعبوه منذ السابع من أكتوبر؛ والمتمثل في استخراج وتحليل وفك رموز بيانات “الصناديق السوداء” الخاصة بدبابات “ميركافا” وناقلات الجند المدرعة “نمر” ومركبات “إيتان” المدرعة التي تضررت خلال المعارك.
إنهم من أوائل من يستمعون إلى الثواني الأخيرة في حياة الجنود، وإلى نداءات الاستغاثة اليائسة عبر اللاسلكي، ويعملون على تحديد الزوايا التي انطلقت منها نيران العدو وأصابت تلك الآليات.
مهندسون إسرائيليون في مواجهة التحديات.
في الأوقات العادية، تُعد هذه المديرية الهيئة الوطنية المسؤولة في إسرائيل عن تطوير وإنتاج وتجديد المركبات القتالية المدرعة؛ غير أنه عند اندلاع الحرب، أُسندت إليها مهمة استثنائية ذات نطاق غير مسبوق.
يستذكر المقدم “م”، رئيس فرع البرمجيات والفضاء السيبراني في المديرية، قائلاً:
“إن اللقطات المصورة من المركبات المدرعة التي خاضت المعارك الدفاعية الأولية -تلك اللقطات التي شاهدتموها لاحقاً في وسائل الإعلام- كانت نتاج عمل دؤوب وشاق قام به أفرادنا خلال الأيام الأولى للحرب. لكن خلف البيانات التي قمنا باستخراجها، كانت هناك عملية معقدة وخطيرة نُفذت تحت النيران في قلب منطقة القتال بالقرب من غزة؛ فقد تلقينا مهمة عاجلة تتطلب الوصول فعلياً إلى ناقلات الجند المدرعة من طراز ‘نمر’ (Namer) والدبابات في الميدان، واستخراج ملفات الفيديو والصوت وبيانات القياس عن بُعد (telemetry) من أنظمتها الحيوية. وكان الهدف يتمثل في العثور على أي خيط يقودنا إلى معلومات حول الرهائن، وإعادة تكوين صورة دقيقة لما دار في المعركة”.
شكّل المقدم “م” فريقاً متخصصاً ، وانطلق الفريق -الذي ضم الرائد “مايكل” ​​(رئيس قسم الأنظمة الكهربائية) وضباطاً متخصصين في البرمجيات والأمن السيبراني- نحو الجنوب، بعد أن ارتدوا الدروع الواقية والخوذات وحملوا أسلحتهم وأجهزة الكمبيوتر المحمولة ومعدات الاتصال ووحدات تخزين البيانات (الأقراص الصلبة) .
قال المقدم “م”: “بالتأكيد، هذا ليس أمراً يتدرب عليه مهندسو البرمجيات خلال الخدمة الروتينية”. ونظراً للمخاطر المحدقة، تطلب إرسال كبار الضباط التقنيين مباشرة إلى منطقة القتال الحصول على تصريح استثنائي رفيع المستوى.
وفور وصولهم إلى الجنوب، صعد المهندسون إلى المركبات التي خاضت معارك ضارية وربطوا أجهزتهم بأنظمة الكمبيوتر الخاصة بتلك المركبات. وفي اليوم التالي، وردت تقارير تفيد بتضرر المزيد من ناقلات الجند المدرعة من طراز “نمر” (Namer) جراء القتال العنيف؛ لذا تم تكليف عنصرين من جهاز “الشاباك” (جهاز الأمن العام) وفصيل من القوات المقاتلة بحماية المهندسين أثناء عملهم في مناطق مكشوفة ومعرضة للخطر.
وفي داخل مقصورات الطاقم المظلمة والمتضررة، أجرى الفريق ما وصفه الأعضاء بـ “الجراحة التقنية”؛ حيث استخرجوا كامل محتويات “الصناديق السوداء” للمركبات وأرسلوا البيانات مباشرة إلى قائد المنطقة الجنوبية والفرق المعنية بتحديد مواقع المفقودين.
ووفقاً للمديرية، لم تكتفِ هذه المعلومات بتقديم مؤشرات بالغة الأهمية حول المفقودين والرهائن فحسب، بل ساعدت أيضاً في إثبات أن الأطقم داخل المركبات قد خاضت قتالاً ضارياً، مما دحض الشائعات التي انتشرت وسط حالة الارتباك في الأيام الأولى والتي زعمت أن بعض المواقع قد أُخليت ببساطة.
كيفية إعادة بناء تفاصيل المعركة.
بعد انقضاء الأيام الأولى من القتال، أصبحت عملية التحقيق أكثر تنظيماً، وجرى إنشاء مركز عمليات مخصص لهذا الغرض.
وأوضح المقدم “ت”، رئيس فرع التحكم في المديرية، أن الفرق المرسلة إلى الميدان قُسّمت إلى مجموعتين:
“تتولى المجموعة الأولى -المكونة من مهندسي البرمجيات والكهرباء- استخراج المعلومات الخام وبيانات الملاحة والتسجيلات، بينما تقوم المجموعة الثانية -المكونة من مهندسي الميكانيكا وعلوم المواد- بإجراء تحليل باليستي ميداني لتحديد زاوية الارتطام، ونوع السلاح الذي استخدمه العدو، ومسافة الإطلاق”.
وقد أدت هذه النتائج إلى إدخال تغييرات تقنية فورية؛ فعندما رصدت الوحدة تزايد استخدام حركة حماس للطائرات المسيرة التي تُسقط متفجرات خلال المراحل الأولى من الحرب، طوّرت المديرية هيكلاً واقياً يُعرف بـ “البرغولا” (pergola) ليُثبّت فوق المركبات المدرعة، وهو ما تقول المديرية إنه قضى تماماً على التهديد الذي كانت تشكله تلك الطائرات المسيرة على المركبات.
وخلف الكواليس، قام المهندسون أيضًا بتطوير برامج ذكاء اصطناعي متقدمة قادرة على الجمع بين الصوت والفيديو والقياس عن بعد في بيئة تحقيقية واحدة.

"سماع اللحظات الأخيرة": مهندسون إسرائيليون يفككون شيفرة "الصناديق السوداء" للدبابات المدمّرة بحثاً عن أدلة بشأن الرهائن وحقيقة ما دار في المعركة. 5243
دبابة متضررة تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي عند حدود غزة خلال هجوم 7 أكتوبر.

قال “أ.”، وهو مهندس حاسوب مدني يعمل في المديرية: “في الأيام الأولى، كان يصلنا هنا نحو 40 صندوقاً أسود يومياً. في البداية، كنا نقوم بتفريغ البيانات يدوياً، ساعةً تلو الأخرى؛ أما البرنامج الذي طورناه فيُنشئ محاكاةً زمنيةً ويسرد القصة الكاملة للمعركة”.
بالنسبة لعائلات الجنود الذين سقطوا في المعارك، قد تحمل عملية إعادة البناء التكنولوجي للأحداث دلالات عميقة ، يقول الرائد “ت”، رئيس قسم أنظمة التحكم في النيران، إن المهندسين لا يتواصلون مباشرة مع العائلات الثكلى، لكنهم يدركون مدى حاجتهم الملحّة لفهم ما حدث في اللحظات الأخيرة لأحبائهم.
ويضيف قائلاً: “إنهم يطلبون كل معلومة متاحة؛ فالأمر أشبه بأحجية متكاملة يقضون شهوراً في تجميع أجزائها، وفجأة يجدون القطعة المفقودة لدينا”.
كما أن التعرض اليومي للمواد الرقمية المتعلقة بالأدلة الجنائية ينطوي على ثمن نفسي باهظ ، يقول الرائد “م”: “في النهاية، أنت تستمع إلى شخص في الثواني الأخيرة من حياته؛ إنه يتحدث عبر اللاسلكي ولا أحد يجيبه، فلا يوجد سوى ضجيج التشويش. إنها لحظة صعبة للغاية تظل عالقة في ذاكرتي، حيث ينادي بأسماء رفاقه الذين كانوا قد فارقوا الحياة بالفعل”.
أملٌ في عدم التعرف على الصوت.
نظراً لحساسية هذه المواد، لا يتم عادةً إطلاع المهندسين على أسماء الجنود؛ إذ تُعرّف التسجيلات أصحابها فقط من خلال مواقعهم العملياتية، مثل قائد الدبابة أو السائق أو الملقّم.
لكن في ظل الترابط الاجتماعي الوثيق في إسرائيل، تصبح المواجهات المؤلمة أمراً لا مفر منه أحياناً ، ويشير “أ” إلى وجود مخاوف دائمة من أن يتعرف أحد أعضاء الفريق على صوت مألوف، وقد تحول هذا الخوف إلى حقيقة في إحدى المرات.
يقول: “كان أحد أقارب قادة الفرق لدينا داخل دبابة تعرضت للإصابة ، وفور إدراكنا للأمر، أُبعد قائد الفريق فوراً عن أي عمل يتعلق بتلك المركبة”.
وإلى جانب إعادة بناء تفاصيل المعارك وتطوير أنظمة حماية جديدة، اكتسبت نتائج عمل المديرية أهمية في التحقيقات الدولية والقانونية؛ فقد قدم تحليلها لزوايا الإطلاق ومسارات المقذوفات أدلةً في تحقيقات حساسة – بما في ذلك التحقيق في قذيفة الدبابة التي أصابت منزل “بيسي” في كيبوتس “بئيري” – كما استُخدمت هذه النتائج في صياغة الردود الرسمية للجيش الإسرائيلي على المزاعم الموجهة ضد إسرائيل في الخارج.
كما عكف المهندسون على فحص بعض أكثر حوادث الحرب دموية؛ ففي إحدى الحالات، قُتل 11 جندياً من لواء “غيفعاتي” التابع للجيش الإسرائيلي إثر إصابة ناقلة الجند المدرعة من طراز “نمر”، وقد ساعد التحقيق الهندسي المفصل في تحديد ملابسات ما حدث ، قال الرائد “م”، رئيس قسم البرمجيات: “إنه حدثٌ مروّع لا يغيب عن بالي؛ فقد ظللتُ لأيامٍ بعده أفكر فيما جرى هناك، وما إذا كانت الأنظمة التي طوّرناها تفتقر إلى الكفاءة المطلوبة. وفي النهاية، أدركنا أن الأمر كان مرتبطاً بزاوية إطلاق محددة للغاية. إنها قضيةٌ تلازمني باستمرار وأنا أعمل على تعزيز حماية الجنود”.
قالت: “هناك مهندسون ومطورون هنا يمكنهم جني مبالغ طائلة في الحياة المدنية، لكن -على حد تعبير أحدهم- لن نجد في أي مكان آخر ذلك المعنى الذي نجده هنا”.
و ختاماً ، و خلف الكواليس، أدى هذا الجهد التقني إلى تطوير فوري لأنظمة الحماية الميدانية في جيش الإحتلال مثل “البرغولا” لمواجهة الطائرات المسيرة، وإلى تقديم أدلة حاسمة في التحقيقات القانونية الدولية.
ومع ذلك، فإن التعرض اليومي لهذه المواد الرقمية، والاستماع المتكرر لشخص ينادي بأسماء رفاقه الذين فارقوا الحياة بالفعل بينما لا أحد يجيبه سوى ضجيج التشويش، يترك ندوباً نفسية عميقة لا تُمحى، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى التعرف على صوت مألوف لقريب داخل إحدى الدبابات.
وأمام هذه المعادلة المؤلمة بين حماية الجنود الإسرائيليين في الميدان والتعويض العاطفي لعائلاتهم بكشف الحقائق، يطرح السؤال الجوهري نفسه:
في ظل هذا الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي ومحاكاة الساعات الأخيرة لتجميع قطع “الأحجية”، هل تسعى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية حقاً لفهم الدروس المستفادة لحماية جنودها، أم أنها تحاول جاهدة هندسة “رواية بطولية” نهائية تدفن معها أي مسؤولية أخلاقية أو قانونية عن إرسال هؤلاء الجنود إلى معارك كانوا فيها فريسة سهلة لإطلاق نار المقاومة التي لن ينسى الكيان معركتها المباركة في عملية ” طوفان الإقصى” المجيدة؟
المصدر / https://www.ynetnews.com/article/bjre11wmife