هل سينهي التطبيع مع هيمنة الدولار السيادة العراقية؟

… بوصلة المواقف …

 

لا تُقاس سيادة الدول بامتلاكها علماً ودستوراً ومؤسسات فحسب، بل بقدرتها على اتخاذ قراراتها الاقتصادية بعيداً عن الضغوط الخارجية. ومن هنا يبرز السؤال: هل يؤدي استمرار اعتماد العراق على الدولار الأمريكي إلى تآكل سيادته، ويجعل اقتصاده أكثر عرضة للتأثيرات الخارجية؟

 

اقتصاد يعتمد على الدولار …

 

يعتمد الاقتصاد العراقي بدرجة كبيرة على عائدات النفط، التي تُحصّل بالدولار، وعلى الاستيراد لتلبية معظم احتياجات السوق المحلية. وهذا يجعل تدفق الدولار شرياناً أساسياً للاقتصاد، ويمنح الجهات المؤثرة في قنواته المالية قدرة على التأثير في حركة التجارة والتحويلات الخارجية.

 

وتزداد خطورة هذا الاعتماد عندما لا يمتلك العراق قاعدة إنتاجية قوية وبدائل اقتصادية كافية، فيصبح استقرار السوق وسعر صرف الدينار مرتبطين بتوافر الدولار وانسيابية التحويلات، أكثر من ارتباطهما بقدرة الاقتصاد الوطني على الإنتاج والتصدير.

 

الدينار العراقي وسيادة القرار …

 

الدينار العراقي عملة محلية، ولا يحظى بتداول دولي واسع خارج العراق، ويظل استخدامه خارج الحدود محدوداً، مع وجود تداول له في إيران. وهذه المحدودية تعكس الفجوة بين امتلاك الدولة عملتها الوطنية وبين قدرتها على جعلها عملة مؤثرة في التجارة الخارجية.

 

فإصدار العملة الوطنية لا يكفي وحده لتحقيق الاستقلال المالي، ما دام الاقتصاد يعتمد على الدولار في تسوية جانب أساسي من معاملاته الخارجية. وعندما تصبح العملة الأجنبية ضرورة لتمويل الاستيراد وإدارة التجارة، فإن أي قيود أو اضطرابات في تدفقها يمكن أن تنعكس على السوق المحلية وسعر الصرف والقدرة الشرائية للمواطنين.

 

المشكلة، إذن، ليست في استخدام الدولار بحد ذاته، بل في تحول الاعتماد عليه إلى نقطة ضعف استراتيجية تحدّ من الخيارات المتاحة أمام الدولة.

 

حين يصبح الاعتماد الاقتصادي قيداً على السيادة …

 

إن السيادة الاقتصادية لا تعني الانعزال عن النظام المالي العالمي، وإنما تعني امتلاك القدرة على التعامل معه من موقع متوازن، من دون أن تتحول الحاجة إلى الدولار إلى عامل يضيّق هامش القرار الوطني.

 

فالدولة التي تعتمد على مورد واحد لتمويل موازنتها، وعلى الخارج لتوفير معظم احتياجاتها، وعلى عملة أجنبية لتسيير تجارتها، تكون أكثر عرضة للضغوط والتقلبات. وفي هذه الحالة، قد تتجاوز آثار القيود المالية حدود المصارف والتحويلات لتصل إلى الأسعار وفرص العمل والاستقرار الاجتماعي.

 

استعادة السيادة تبدأ من الداخل …

 

لا تتحقق السيادة الاقتصادية بمجرد الدعوة إلى التخلي عن الدولار، ولا بتغيير العملة المستخدمة في بعض المعاملات. بل تبدأ بتنويع مصادر الدخل، ودعم الصناعة والزراعة، وتشجيع الصادرات، وإصلاح النظام المصرفي، وتوسيع الشراكات التجارية، وتطوير آليات دفع تقلل مخاطر الاعتماد على مسار مالي واحد.

 

كما أن تعزيز مكانة الدينار يتطلب اقتصاداً منتجاً، ومؤسسات موثوقة، وسياسات نقدية ومالية مستقرة. فالعملة تستمد قوتها من قوة الاقتصاد الذي يقف خلفها، ومن الثقة بقدرته على الوفاء بالتزاماته، لا من القرارات والشعارات وحدها.

 

إن التطبيع مع هيمنة الدولار، بمعنى التسليم باستمرار الاعتماد عليه من دون بناء بدائل، قد يحوّل الحاجة الاقتصادية إلى مصدر ضغط على القرار الوطني العراقي.

 

لكن الخطر لا يكمن في الدولار وحده، بل في استمرار اقتصاد يعتمد على النفط والاستيراد، ولا يمتلك ما يكفي من الأدوات الإنتاجية والمالية لحماية استقلاله.

 

السيادة لا تعني رفض الدولار، بل ألا يكون مصير الاقتصاد العراقي مرهوناً به. واستعادة هذه السيادة تبدأ ببناء اقتصاد متنوع وقادر على الإنتاج، يمنح الدينار قوة حقيقية، ويجعل العراق شريكاً في النظام الاقتصادي العالمي، لا طرفاً محدود الخيارات أمام تقلباته وضغوطه.

 

 

بقلم جليل هاشم البكاء

شارك