حسين راغب
رئيس حزب الإصلاح الوطني

أولاً: مفهوم الاحتلال وعناصره
1- تنص المادة 42 من لائحة لاهاي لعام 1907 على ما يلي “تعتبر أرض الدولة محتلة حين تكون تحت السلطة الفعلية لجيش العدو، ولا يشمل الاحتلال سوى الأراضي التي يمكن أن تمارس فيها هذه السلطة بعد قيامها”، وتنص المادة الثانية المشتركة من اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 على أن هذه الاتفاقيات تسري على أي أرض يتم احتلالها أثناء عمليات عدائية دولية، كما تسري أيضًا في الحالات التي لا يواجه فيها احتلال أرض دولة ما أي مقاومة مسلحة.
2- يعرف بعض فقهاء القانون الدولي حالة الاحتلال الحربي بأنها: “مرحلة من مراحل الحرب، تلي الغزو مباشرة وتتمكن فيها القوات المتحاربة من دخول إقليم العدو، ووضعها للإقليم تحت سيطرتها الفعلية بعد أن ترجح كفتها بشكل لا منازعة فيه، ويتوقف النزاع المسلح ويسود الهدوء تماماً الأراضي التي جرى عليها القتال”.
ويفرق هذا التعريف بين الاحتلال الحربي والغزو، بضرورة السيطرة الفعلية على الإقليم في الاحتلال الحربي بأن تنشأ نوع من الإدارة الفعلية الواقعية، في حين أن ذلك لا يتم في مرحلة الغزو الذي يعد مرحلة سابقة على حالة الاحتلال، وتقتصر وجود هذه السيطرة على مجرد وجود القوات المسلحة للدولة الغازية في الدولة الأخرى المعادية، حيث تستمر حالة الحرب وحالة الغزو قائمة باستمرار المقاومة.
3- استقر الفقه الدولي على وجوب توافر ثلاثة عناصر لكي تقوم بموجبها حالة الاحتلال الحربي وهي:
• قيام حالة الحرب أو نزاع مسلح بين قوات دولتين أو أكثر:
الاحتلال الحربي مرحلة تلي حالة الغزو مباشرةً، ولا ينتهي بموجبها حالة الحرب القائمة بين الدول المتحاربة برغم هزيمة الجانب الذي احتلت أراضيه، سواء كان احتلال أراضي الإقليم بشكل كلي أم جزئي، وبذلك تختلف حالة الاحتلال الحربي عن الاحتلال العسكري الذي يحدث، في زمن السلم، في غير حالة الحرب، كما تختلف عن حالة القواعد الأجنبية المتواجدة على إقليم دولة من الدول في وقت السلم، والتي وجدت بموجب تعاقد مع السلطات المحلية، حيث يقوم وجودها في حدود واجباتها العسكرية دون التدخل في إدارة الإقليم.
• قيام حالة احتلال فعلية مؤقتة تحتل فيها قوات مسلحة أجنبية أراضي دولة أخرى وتضعها تحت سيطرتها:
فالاحتلال الحربي ليس حالة قانونية، بل هو حالة فعلية أوجدتها القوة القاهرة، والناتجة عن وجود القوات المسلحة الأجنبية في الأراضي المحتلة بعد هزيمتها للقوات من قبل القوات المعادية وشل قدرتها على المقاومة وإسكات فاعليتها، كما أن الاحتلال وضع مؤقت غير دائم، كونه مرحلة من مراحل الحرب تقوم فيها قوات الاحتلال بتثبيت أقدامها على أراضي الإقليم المحتل بصفة مؤقتة، وذلك في انتظار نشوب القتال من جديد مع قوات الإقليم المحتل، والتي تحاول خلال فترة الاحتلال إعادة تنظيم صفوفها لطرد جيش الاحتلال، أو إنهاء حالة الحرب والانسحاب من الأراضي المحتلة، فالاحتلال الحربي هو واقع علاقة لا يقوم على أساس من القانون، بل هو نتيجة لواقع الغزو. حتى لو نشأ الاحتلال بعد عقد هدنة، توقف خلالها القتال بين دولة الاحتلال ودولة الإقليم المحتل، كون أن الهدنة لا تنهي الحرب.
• أن يكون الاحتلال مؤثراً:
فالاحتلال لا يبدأ إلا إذا كانت قواته قد استطاعت السيطرة على الأراضي التي غزتها، وأوقفت المقاومة المسلحة فيها، وتمكنت من حفظ الأمن والنظام في الأراضي المحتلة التي أخضعها للسلطة العسكرية، التي يقوم الاحتلال بتأسيسها فور توقف القتال، وقد يحدث هذا ولو لم تكن قوات العدو قد انتشرت في كل الأراضي المحتلة، بل يكفي سيطرة هذه القوات على جميع هذه الأراضي، وإن أقامت هذه القوات في جزء من الأراضي التي احتلتها وتركت باقي الأجزاء، بشرط السيطرة عليها. أما الأراضي التي لا تستطيع قوات الاحتلال السيطرة عليها فهي تخرج عن نطاق حالة الاحتلال الفعلي، وتؤكد على ذلك المادة (42) من لائحة لاهاي لأعراف الحرب البرية على أنه “لا يمتد الاحتلال إلا إلى الأقاليم التي تقوم فيها هذه السلطة، وتكون قادرة على تدعيم نفوذها”.
وبتوافر العناصر الثلاثة المذكورة، فإن فعلية وجود الاحتلال الحربي وآثاره المباشرة في إخضاع الإقليم المحتل للسيطرة المادية والعسكرية هي العنصر المميز في تعريف الاحتلال الحربي، وعليه فإن تطبيق القواعد القانونية الخاصة به من حيث المكان والزمان، يكون فور تواجد هذه العناصر، فلا تسري أحكام قانون الاحتلال الحربي إلا في الأراضي المحتلة التي تدعمت فيها السلطة الفعلية لقوات الاحتلال بعد غزوه لها، وبمفهوم المخالفة فإن أي حالة تخرج عن نطاق الحالة المذكورة أعلاه لا يسري عليها قانون الاحتلال الحربي.
ثانياً: قانون الاحتلال الحربي
1- ففي ظل القانون الدولي التقليدي لم يكن هناك مجال للحديث عن قواعد قانونية تنظم حالة الاحتلال الحربي بالمعنى الدقيق لهذا المصطلح، ما دامت واقعة الاحتلال تؤدي من حيث النتيجة إلى ضمّ الأراضي المحتلة وانتقال السيادة عليها للدولة الغازية المحتلة، وكأنها أصبحت جزءاً لا يتجزأ من إقليمها الوطني، وبالتالي فإنّ أيّ مقاومة للاحتلال – في ظل سريان هذه القواعد – كانت تعدّ تمرداً وخيانة ضد دولة الاحتلال وتستحق أقسى العقوبات بحقّ من يقوم بها.
إلاّ أنّه مع بدايات الحروب النابليونية في القارة الأوربية أوائل القرن التاسع عشر، وظهور حركات المقاومة المسلّحة ضد الاحتلال النابليوني الفرنسي لبعض الأراضي التابعة لدول أوربية أخرى بدأ الحديث فعلياً عن ضرورة وجود قواعد قانونية تنظّم حالة الاحتلال الحربي وحقوق الدولة المحتلة وواجباتها تجاه السكان المدنيين، وعلاقة دولة الاحتلال بالدولة صاحبة الإقليم.
2- يرتكز (قانون الاحتلال) على مجموعة من المبادئ الأساسية المنبثقة من القواعد والأحكام العرفية والاتفاقية، التي تهدف لتحقيق الغاية الإنسانية من خلال توفير الحماية لسكان الأراضي المحتلة، من خلال المبادئ والأحكام التي تحدد التزامات دولة الاحتلال والمنصوص عليها بموجب اتفاقية لاهاي لعام 1907 المواد (42- 56) و اتفاقية جنيف الرابعة المواد (27-34-47-78) و البرتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 والقانون الدولي الإنساني العرفي.حيث حددت واجبات و سلطات الاحتلال
3- إن قانون (الاحتلال الحربي) يوجه هدفه بشكل خاص لحماية المدنيين في الأراضي المحتلة، من خلال الاعتماد على الظروف الخاصة المحددة التي يمكن أن تنشأ بسبب احتلال أراضي دولة من قبل القوات المعادية للدولة المحتلة، من خلال ضمان المعاملة الحسنة لكافة المدنيين الذين يقعون تحت سلطة المحتل والجمع بين المصالح الإنسانية والمتطلبات الحربية للمحتل، وتهيئة الظروف والإمكانيات التي تؤدي إلى إنهاء الاحتلال وإزالته، وعودة الأراضي المحتلة للدولة صاحبة السيادة الشرعية، وهذا الأمر ما يظهر بوضوح في المواد من 53 إلى 56 من لائحة لاهاي لعام 1907.
كما يسعى قانون الاحتلال الحربي إلى الجمع بين الاعتبارت الإنسانية والمتطلبات الحربية للمحتل، وعلى أساس هذه الأهداف مُنح المحتل بعض الاختصاصات التي يمارسها في الأقاليم المحتلة كونه هو صاحب السلطة فيها
4- من هذا المنطق، فإنّ الوظيفة الحقيقية لقانون الاحتلال الحربي تتجلى فيما يلي:
• بيان العلاقة القانونية بين كلّ من الدولة القائمة بالاحتلال والدولة صاحبة السيادة على الإقليم المحتل، والسكان المدنيين القاطنين فوق هذا الإقليم، وتحديد حقوق كلّ طرف وواجباته تجاه الآخر.
• تأكيد الحالة الفعلية المؤقتة لحالة الاحتلال الحربي، وما يترتب على ذلك من عدم جواز ضمّ الإقليم المحتل وبقاء السيادة عليه محفوظة لمصلحة الدولة صاحبة هذا الإقليم.
• تأكيد الطابع الإنساني الحضاري في وجوب معاملة دولة الاحتلال وسلطاتها للإقليم الخاضع لها وللسكان المقيمين فيه.
• أنّ هذا القانون لا يبحث في مشروعية الحرب أو عدم مشروعيتها، وبالتالي لا يفرق بين الاحتلال المشروع وغير المشروع بخصوص الالتزامات والواجبات الناجمة عن واقعة الاحتلال بوصفها واقعة مادية فعلية.
ثالثاً: مبادئ قانون الاحتلال والنظام القانوني الذي يحكمه
يعتبر قانون الاحتلال الحربي جزءاً من القانون الدولي الإنساني، وبالتالي فهو يقوم على ذات المبادئ التي يبنى عليها القانون الأخير، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من المبادئ الخاصة التي تميز قانون الاحتلال الحربي عن باقي فروع القانون الدولي الإنساني، والتي ورد ذكرها في الدراسات الفقهية المتعددة والمتمثلة فيما يلي:
1- مبدأ الطبيعة المؤقتة للاحتلال
يؤكد هذا المبدأ اعتبار أن الاحتلال حالة واقعية مؤقتة، لا تعطي المحتل حق الملكية في الأراضي المحتلة، وبالتالي عدم جواز ضم الإقليم المحتل إلى دولة الاحتلال، وعدم شرعية ضم الإقليم المحتل بالإرادة المنفردة لدولة الاحتلال، وأكدت على هذا المبدأ محكمة نورمبرغ الخاصة بجرائم الحرب الدولية، والتي قررت عدم شرعية ضم الأراضي المحتلة إلى دولة الاحتلال، كما أكدت على ذلك محكمة العدل الدولية في الرأي الاستشاري الخاص بجدار الفصل العنصري الصادر بتاريخ 2004/6/9، والقاضي بعدم شرعية جدار الفصل الإسرائيلي، الذي شيد على الأراضي الفلسطينية بعد أن قام جيش الاحتلال بمصادرتها وضمها إلى الجزء الذي يقع تحت سيطرته، حيث اعتبرته المحكمة صورة من صور الضم غير الشرعي، فالاحتلال إذن ذو طابع مؤقت مهما طال واستمر أمده.
2- مبدأ السلطة الفعلية لدولة الاحتلال
سلطة الاحتلال سلطة فعلية وليست قانونية أو شرعية، كون أن السيادة لا تنتقل إلى دولة الاحتلال، وهذا واضح من نص المادة (42) من لائحة لاهاي لعام 1907 على أنه تعتبر أرض الدولة محتلة حين تكون تحت السلطة الفعلية لجيش العدو، ولا يشمل الاحتلال سوى الأراضي التي يمكن أن تمارس فيها هذه السلطة بعد قيامها، ويتم الأخذ بمبدأ السلطة الفعلية للوضع القائم، فالاحتلال في تعريفه لا يرتكز على تصور الأطراف المعنية للوضع، بل إلى حقيقة واقعية ملموسة موضوعياً ومتمثلة في خضوع أرض محتلة فعلياً لسيطرة سلطة جيش العدو، وتعتبر سلطة الاحتلال الحربي سلطة فعلية وفقاً لنص المادة الأولى من اتفاقية جنيف الرابعة والتي تقرر وجود هذه السلطة على جميع حالات الاحتلال الكلي والجزئي حتى لو لم يواجه بأي مقاومة مسلحة.
3- مبدأ وجوب المحافظة على النظام والأمن في الأرض المحتلة
ينص هذا المبدأ على عدم تغيير الاحتلال من الوضع القانوني للأراضي المحتلة، وأن لا يعمل على نقل سيادة هذه الأرض إلى سلطته غير الشرعية، فتقتصر مهمة الاحتلال الأساسية على تثبيت النظام والأمن في الأقاليم المحتلة، ووضع أسس لتنظيم العلاقة بين المحتل الحربي وبين سكان الأرض المحتلة ودولة السيادة.
ويرى معظم الفقهاء أن الإطار الذي يحدد هذا الواجب الملقى على عاتق دولة الاحتلال في إدارتها للأراضي المحتلة يتكون من عنصرين يتمثل الأول، في مصلحة المحتل في تأمين أمن قواته. ويتمثل الثاني، في مصلحة السكان في استمرار شئون حياتهم اليومية بجميع جوانبها. الأمر الذي يتطلب من المحتل العمل على إعادة النظام والأمن في الأراضي المحتلة وتنظيم الإدارة فيها، من خلال اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتحقيق مصلحة السكان وأمنهم في آن واحد.
ومن الجدير بالذكر أن هذا الالتزام يقوم بغض النظر عن مشروعية أو عدم مشروعية الاحتلال، ونصت على ذلك المادة (2/64) من اتفاقية جنيف الرابعة “… يجوز لدولة الاحتلال إخضاع سكان الأراضي المحتلة للأحكام التي تراها ضرورية لتتمكن من القيام بالتزاماتها التي تقتضيها هذه الاتفاقية وللاحتفاظ بحكومة نظامية للأراضي، ولضمان أمن دولة الاحتلال وأفراد وممتلكات أو إدارة الاحتلال وكذلك المنشآت وخطوط المواصلات التي يستخدمونها..”.
4- مبدأ احترام دولة الاحتلال للقوانين المعمول بها في الأراضي المحتلة:
يعني هذا المبدأ استمرار العمل بالنظام القانوني الساري في الأرض المحتلة، حيث تفرض المادة (43) من لائحة اتفاقية لاهاي لأعراف الحرب لعام 1907 “على قوة الاحتلال احترام القوانين السارية في البلاد، إلا في حالة الضرورة القصوى التي تحول دون ذلك”. وتكمل المادة (64) من اتفاقية جنيف الرابعة ما جاءت عليه اتفاقية لاهاي، حيث تضيف بأنه يجب أن تبقي التشريعات الجزائية السارية نافذة، ولا يجوز للمحتل أن يغيرها إلا إذا كان فيها ما يهدد أمنه أو يمثل عقبة في تطبيق القانون الدولي الإنساني، فيجوز لدولة الاحتلال سن القوانين التي تراها فقط ضرورية، وبالتالي تكون استمرارية القانون المحلي هي المبدأ، بينما يظل التغيير هو الاستثناء، ووفقاً لذلك تنص المادة (43) من لائحة اتفاقية لاهاي على السماح للمحتل بسن التشريعات الضرورية، لضمان الوفاء بالتزاماته حيال تطبيق القانون الدولي الإنساني وضمان أمنه الخاص، حيث يمنح هذا الاستثناء سلطة الاحتلال هامش تحرك أوسع فيما يتعلق بممارسة سلطته الخاصة من خلال تغيير القانون الداخلي، لكن مع الالتزام بإجراء أقل تغيير ممكن في الإدارة الحالية والأنظمة الاقتصادية والقانونية، والحياة العامة للمجتمع المحتل، وبالتالي الحد الأدنى لهذا التغيير يجب أن يتحدد بالقيود والتغيرات التي يتطلبها أمن قوات جيش الاحتلال وإدارته المدنية.
5- مبدأ وجوب احترام حقوق الفرد “حماية المدنيين” في الأقاليم المحتلة:
تقرر قواعد اتفاقية لائحة لاهاي وكذلك اتفاقية جنيف الرابعة والبروتوكول الإضافي الملحق بها، والمتمثلة في وجوب احترام حقوق المدنيين وحمايتها، حيث جرى تجسيد هذا المبدأ من خلال قواعد عديدة تفرض على سلطة الاحتلال الامتناع عن ممارستها، كعمليات النقل الإجباري والترحيل، والعقوبات بالأشغال الشاقة، واستيطان الأراضي المحتلة، وارتكاب العقوبات الجماعية بحق سكان الأراضي المحتلة، وتدمير ممتلكاتهم المنقولة أو غير المنقولة…. إلخ، وبالتالي تفرض تلك القواعد التزامات على كاهل سلطة الاحتلال تمثل مجموعة من المبادئ الإنسانية التي تهدف إلى حماية سكان الأراضي المحتلة.
رابعاً: آثار الاحتلال الحربي
1- الاحتلال الحربي يعدّ حالة فعلية مؤقتة:
وما ذلك إلاّ لأنّ الاحتلال الحربي يمثّل في ظل القانون الدولي المعاصر واقعة مادية تتمخّض عن قيام القوات المسلّحة لدولة ما بغزو أراضي دولة أخرى، واحتلالها كلياً أو جزئياً، وتمكّن القوات الغازية من السيطرة الفعالة والمؤثرة على هذه الأراضي المحتلة، وهكذا ينظر القانون الدولي المعاصر إلى الاحتلال الحربي على أنّه واقعة وليس وضعاً قانونياً، خاصّة أنّ الأساس الذي ترتكز عليه سلطات الاحتلال في إدارة الإقليم المحتل وشؤون سكانه إنّما يقوم على فكرة أو مبدأ السلطة الفعلية المؤقتة التي تخولها إدارة الإقليم المحتل على نحو يكفل لها تحقيق النظام وحفظ الأمن طوال فترة الاحتلال، وبالتالي فهي لا تقوم على أساس قانوني مشروع؛ وذلك لعدم استنادها إلى أيّ حقّ من حقوق السيادة على الإقليم، وبناء على ذلك فلا يجوز للسلطة المحتلة أن تقوم بإجراء أيّ تغييرات في الإقليم أو في نظام حياة السكان يتجاوز الغاية من إعطائها هذه الصفة والسلطة الفعلية.
2- الاحتلال لا ينقل السيادة:
قدّمنا آنفاً أنّه في ظل قواعد القانون الدولي التقليدي كان الحقّ في الحرب والحقّ في الضم غير منفصلين، وهذا يعني أنّ سلطات الاحتلال كانت تعدّ الأراضي التي تحتلها جزءاً من أراضيها الوطنية وتخضع لسيادتها وقوانينها، وكان ينظر إلى هذا الأمر على أنّه حقّ مشروع للدولة، إلاّ أنّ هذه النظرة بدأت تتغير خاصّة بعد تبلور أفكار الفقهاء حول عدم جواز نقل السيادة، فقد كتب الأستاذ روبين Robin في هذا الصدد قائلاً: «إنّ سيادة الدولة التي احتُلت أراضيها تُشل عملياً، ولكنها تستمر قانوناً، فالاحتلال لا يعدو أن يكون حالة فعلية نتيجة الحرب، أمّا فيما يتعلّق بدولة الاحتلال فإنّ سلطتها على هذه الأراضي لا تعدو أن تكون وضعاً لليد، ولهذا السبب تترتب لسلطة الاحتلال بعض الحقوق، كما تلتزم بالمقابل بواجبات معينة، فهي سلطة فعلية لا تملك حقوق السيادة ولا تتحول إلى سلطة قانونية إلاّ بعقد السلام والتنازل عن الأراضي المحتلة، فمجرد حالة مادية كالاحتلال الحربي لا يمكن أن يؤدي إلاّ إلى قيام سلطة فعلية لا تملك على أساس من القانون أن تحدث تغييراً في المركز الدولي للإقليم المحتل».
وهذا يعني أنّنا في حالات الاحتلال نكون أمام سيادة قانونية محفوظة للدولة الأم صاحبة الإقليم، وسيادة فعلية ومؤقتة يمارسها المحتل، وهي بمنزلة سلطة فعلية لا ترقى إلى مستوى السيادة القانونية التي تتمتع بها الدولة صاحبة الإقليم، حيث تسترد هذه الأخيرة سيادتها عند زوال الاحتلال.
3ـ- الاحتلال لا يجيز الضمّ:
ابتداء من اللحظة التي بدأ فيها العدول عن النظر إلى الحرب على أنها وسيلة مشروعة في القانون الدولي التقليدي لم يعدّ ضمّ الأقاليم نتيجة لاستعمال القوة أمراً مسلماً أو معترفاً به في القانون الدولي المعاصر، بل أصبح أمراً غير مشروع وباطلاً، وذلك لأنّ الحجة التقليدية في ضم الأراضي المحتلة ترجع إلى مشروعية الحرب ذاتها، ولقد اختلف الوضع منذ أن أصبح اللجوء إلى القوة أمراً محرماً، وقد تأكّد هذا المبدأ في الكثير من المبادئ والوثائق الدوليّة والقرارات الصادرة من المنظمات الدوليّة وفي مناسبات مختلفة، حتّى أدى هذا الأمر إلى نشوء قاعدة في القانون الدولي تحرّم ضم الأراضي المحتلة بالإرادة المنفردة من جانب الدولة المحتلة، كما أنّ الاعتراف بهذا الضمّ من قبل دولة ثالثة يمثّل تحدياً وخرقاً لهذه القواعد وقانون الاحتلال الحربي، ومن ثمّ فإنّ دولة الاحتلال ليست بالخيار في أن تطبّقه أو ألا تلتزم تطبيقه، فهي ملزمة به في جميع الأحوال وبغض النظر عن مشروعيّة الحرب التي يترتب عليها الاحتلال، ويكون من باب أولى ملزماً لها في حالة الاحتلال نتيجة حرب عدوانية غير مشروعة.
خامساً: التزامات سلطات الاحتلال
ومن أهمّ هذه الالتزامات والواجبات:
1- التزام تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني الخاصّة بحماية السكان المدنيين وممتلكاتهم وحقوقهم وحرياتهم الشخصيّة ومعتقداتهم طبقاً لما هو منصوص عليه في لوائح لاهاي لعام 1907، واتفاقيات جنيڤ الأربع لعام 1949 ولاسيّما الرابعة منها، و«البروتوكول» الإضافي الأول لعام 1977 وذلك بموجب الفقرة الثالثة من المادّة الثانية منه .
2- التزام احترام الحدود الإقليمية للدولة المحتلة أراضيها وسيادتها الكاملة على التراب الوطني بعدم تجزئتها أو التفريط فيها أو التنازل عنها أو تقسيمها على نحو «كونفدرالي» أو «فيدرالي» أو أيّ تقسيم آخر يفقدها وحدتها الوطنية، ومن باب أولى التزام عدم ضمّ الأراضي المحتلة إلى أراضي الدولة القائمة بالاحتلال.
3- التزام عدم إجراء أيّ تغيير دستوري أو قانوني أو قضائي أو تعليمي جوهري داخل البنيان التنظيمي والإداري والدستوري والقضائي للدولة المحتلة أراضيها.
4- التزام إدارة موارد الأراضي المحتلة وثرواتها الطبيعية على النحو الذي يحفظها من كلّ ضياع أو تسرّب أو هدر أو سرقة، وكذلك في حماية الممتلكات العامّة والخاصّة والآثار والمتاحف فيها.
5- التزام اتخاذ التدابير الضرورية – الإدارية والأمنية – لحفظ الأمن والاستقرار داخل الإقليم المحتل من أجل تأمين أقصى حماية ممكنة للسكان المدنيين واحترام حقوقهم وتوفير مستلزمات معيشتهم وحياتهم العادية.
6- التزام عدم إشراك السكان المدنيين في أيّ من العمليات الحربية ضد دولتهم الأم أو ضد أيّ فئة أو طائفة أخرى تعيش داخل الإقليم المحتل، وكذلك في عدم جعلهم هدفاً لأيّ عملية عسكرية.
7- التزام عدم أخذ الرهائن وأعمال الانتقام والعقوبات الجماعية.
8- التزام عدم نقل أيّ من سكان الإقليم المحتل أو ترحيلهم خارج أماكن إقامتهم سواء إلى داخل الإقليم المحتل أم خارجه، وكذلك التزام عدم تسهيل هجرة مواطني الدولة القائمة بالاحتلال أو استيطانهم إلى داخل الأراضي المحتلة وعدم إقامة المستوطنات فيها.
9- التزام تغليب مبدأ الإنسانية على مبدأ الضرورة الحربية ما أمكن ذلك.
10- الالتزام الجدي الموضوعي فيما يخص ملاحقة كلّ من يتهم من جنود سلطة الاحتلال أو العاملين لديها بارتكاب أيّ مخالفة أو انتهاك جسيم للاتفاقيات الدوليّة ذات الصلة بالاحتلال ومحاكمته، أو القيام بتسليمه إلى الدول التي تطلب استرداده بما فيها الدولة المحتلة أراضيها بعد تحريرها، وتعدّ هذه الأعمال بموجب ف5 م85 من «البروتوكول» الإضافي الأول عام 1977 جرائم حرب، وكذلك بموجب م 8 من نظام روما الأساسي لإنشاء المحكمة الدوليّة.
11- التزام تعويض ضحايا الاحتلال عن جميع الأضرار التي تلحق بهم من جراء تصرفات سلطات الاحتلال الفردية أو الجماعية أو التي تعدّ مخالفة للقانون الدولي الإنساني.
سادساً: القانون الدولي وفلسطين المحتلة
1-إنّ إعلان قيام (دولة إسرائيل) عام 1948 من قبل الصهاينة اليهود يُعدّ ترجمة فعلية لمؤامرة دولية اشتركت فيها مع بريطانيا – صاحبة وعد بلفور والدولة المنتدبة على فلسطين – ودول وأطراف أخرى بما فيها الأمم المتحدة عبر قرارها بتقسيم فلسطين بين دولتين يهودية وفلسطينية، وكانت الغاية من ذلك زرع كيان احتلالي استيطاني في فلسطين وفي قلب الوطن العربي.
2- بدأ الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية (الضفة الغربية قطاع غزة والقدس الشرقية) عقب حرب 1967، وما زال هذا الاحتلال مستمراً حتى اليوم، وتمثل هذه الحالة واحدة من أطول حالات الاحتلال في العصر الحديث مما يثير تساؤلات قانونية كبيرة حول تطبيق القانون الدولي في هذا السياق.
3- فيما يخص الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين صدرت العديد من القرارات الدولية، أهمها:
• قرار الجمعية العامة رقم 194 (1948) يؤكد على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وتعويضهم عن الخسائر.
• قرار مجلس الأمن رقم 242 (1967) يدعو إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها في حرب 1967.
• قرار مجلس الأمن رقم 338 (1973) يدعو إلى وقف إطلاق النار وتنفيذ قرار 242.
4- أبرز الإنتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي
1- تشهد الأراضي الفلسطينية المحتلة انتهاكات مستمرة (لحقوق الإنسان) بما في ذلك الحواجز العسكرية، والقيود على حرية الحركة، والاعتقالات التعسفية واستخدام القوة المفرطة ضد المدنيين، وتنتهك هذه الممارسات العديد من معاهدات حقوق الإنسان التي تُعتبر إسرائيل ملزمة بها بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
2- كذلك شهدت الأراضي الفلسطينية المحتلة انتهاكات مستمرة (للقانون الإنساني الدولي)، المتمثل في اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية، والذي يهدف إلى حماية المدنيين في أوقات النزاع المسلح، حيث تُعتبر الأراضي الفلسطينية بما في ذلك الضفة الغربية وقطاع غزة، مناطق محتلة بموجب القانون الدولي الإنساني، وينص هذا القانون على ضرورة حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية ومنع التهجير القسري للسكان.
3- المستوطنات
تُعد المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية مخالفة للقانون الدولي، وبالتحديد المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر نقل سكان الدولة المحتلة إلى الأراضي المحتلة.
4- (الحصار على غزة)، حيث يُعتبر الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة شكلاً من أشكال العقاب الجماعي المحظور بموجب القانون الدولي الإنساني يعرقل الحصار وصول المساعدات الإنسانية ويؤثر سلباً على الحياة اليومية لسكان القطاع.

سابعاً: القانون الدولي والجولان السوري المحتل
منذ احتلال إسرائيل هضبة الجولان خلال حرب 1967 وضمها بموجب قانون صدر عن الكنيست في 14 كانون الأول 1981، أصدرت هيئات الأمم المتحدة قرارات عديدة بخصوص المنطقة، منها:
1- الجمعية العامة للأمم المتحدة
• القرار 35-122 الصادر بتاريخ 11/12/1980 الذي يدين إسرائيل لفرضها تشريعا ينطوي على إحداث تغييرات في طابع ومركز الجولان.
• القرار 35-207 الصادر بتاريخ 16/12/1980 الذي يجدد الرفض الشديد لقرار إسرائيل ضم الجولان والقدس.
• القرار 36-147 الصادر بتاريخ 16/12/1980 الذي أدان إسرائيل لمحاولاتها فرض الجنسية الإسرائيلية بصورة قسرية على المواطنين السوريين في الجولان.
2- مجلس الأمن الدولي
أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 497 بتاريخ 17 كانون الأول 1981، واعتبر فيه أن قرار إسرائيل فرض قوانينها وولايتها وإدارتها على الجولان السوري المحتل، قرار لاغٍ وباطل وليس له أثر قانوني دولي، وطالب فيه إسرائيل بأن تلغي قرارها على الفور.
وأكد القرار أن جميع أحكام اتفاقية جنيف الصادرة بتاريخ 12 آب 1949 المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب، سارية المفعول على الأراضي السورية المحتلة من قبل إسرائيل منذ حزيران 1967.
3- لجنة ومجلس حقوق الإنسان
• القرار “2” للدورة الـ32 بتاريخ 13/2/1976 الذي يتضمن إدانة إسرائيل لانتهاكها المستمر لحقوق الإنسان في الأراضي العربية المحتلة وتغيير معالم القدس وتهديم مدينة القنيطرة، خارقة بذلك اتفاقية جنيف المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب المؤرخة بـ12 آب 1949.
• القرار “1” للدورة الـ43 بتاريخ 1981/2/11 الذي اعتبر مجددا أن القرار الذي اتخذته إسرائيل سنة 1981 بفرض قوانينها وسلطاتها وإدارتها على الجولان السوري ملغى وباطل، ودعا إسرائيل إلى إلغائه فورا.
• قرار مجلس حقوق الإنسان الصادر يوم 28 آذار 2014 المعنون بـ”حالة حقوق الإنسان في الجولان السوري المحتل”، الذي يدين التصرفات الإسرائيلية في الجولان المحتل. وقد طالب القرار إسرائيل بامتثال قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان.
4- اللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات
• القرار “11” بتاريخ الأول من أيلول 1987 الذي يتضمن إدانة إسرائيل لانتهاكها حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، ولقرارها فرض قوانينها وإدارتها على الجولان.

الفهرس:

أولاً: مفهوم الاحتلال وعناصره. 3
ثانياً: قانون الاحتلال الحربي. 8
ثالثاً: مبادئ قانون الاحتلال والنظام القانوني
الذي يحكمه. 12
رابعاً: آثار الاحتلال الحربي. 19
خامساً: التزامات سلطات الاحتلال. 23
سادساً: القانون الدولي وفلسطين المحتلة. 27
سابعاً: القانون الدولي والجولان السوري

شارك