
وزارة الذكاء الاصطناعي
كتب رياض الفرطوسي
ثمة بلدان تُدير شؤونها بحيث لا يشعر المواطن بوجود الدولة إلا حين يحتاجها. تُجدَّد وثيقة، أو تُسدَّد ضريبة، أو تُراجَع معاملة، فتنتهي كلها بنقرات قليلة دون طابور ولا مراجع ولا (تعال بعد أسبوع). والمفارقة أن من يعيش في بلد كهذا لا يجد في الأمر شيئاً من الذكاء الاصطناعي بالمعنى الذي تروّجه العناوين. وراء السلاسة عمل صبور وقديم: سجلات موحدة، وقواعد بيانات تتخاطب فيما بينها، وقانون يمنع الدولة من سؤال المواطن عن معلومة سبق أن أعطاها لها. أما الذكاء الاصطناعي فيأتي بعد ذلك كله، طبقة أخيرة فوق أساس متين.
أبدأ من هنا لأن النقاش العراقي حول وزارة بهذا الاسم يبدأ، في ظني، من آخر الطريق. نحن نسأل: من يتسلّمها؟ وكم وكيلاً ومديراً عاماً ومكتباً ستضم؟ والأولى أن نسأل: ما الذي تريد الدولة أن تحققه، وهل الوزارة هي الوعاء الصحيح له؟
فهذه التقنية لا تشبه الملفات التي ألفناها. الكهرباء والتربية والنفط قطاعات لكل منها حدود، أما الذكاء الاصطناعي فيمر عبر القطاعات كلها: الجباية والصحة والزراعة والمياه وتخطيط المدن. وهو يقوم على أربعة أعمدة لا تُشترى بقرار إداري: بيانات منظمة، وطاقة حاسوبية وكهرباء مستقرة، وكفاءات بشرية، وإطار قانوني يحمي الناس من إساءة الاستخدام. وفي العمود الأول وحده تتوزع بيانات مؤسساتنا بين جهات لا تتبادل لغة واحدة، بعضها ورقي وبعضها متناثر، وليس عندنا قانون شامل لحماية البيانات الشخصية. والخوارزمية لا تصنع معرفة من فراغ. إن أطعمتها سجلات ناقصة أعادت إليك النقص بثقة عالية وسرعة أكبر.
ولذلك أفهم الاعتراضات المطروحة على إنشاء الوزارة، وأراها اعتراضات على التوقيت والشكل لا على التقنية. فالبلد يمر بضائقة مالية معلنة، والحكومة نفسها تتحدث عن ضغط النفقات وتتخذ إجراءات يشعر بها المواطن في معيشته، ومنها ما يتصل بسعر الصرف. وفي هذا المناخ تأتي وزارة جديدة بوكلائها ومديريها ومبانيها وأجهزتها، فتقول شيئاً يخالف ما يقوله الخطاب الرسمي. والثقة رصيد يُبنى بالتدريج ويتآكل بالتناقض. ثم إن جهات مهمة كالإعلام والاتصالات والطاقة الذرية والنزاهة تعمل بصيغة هيئات، بملاكاتها ومهامها الواسعة، فلماذا يبدأ ملف ناشئ لم يختبر نفسه بأثقل الصيغ الإدارية؟
غير أن في الاعتراض الإداري سؤالاً أعمق: هل الوزارة أصلاً هي الطريق؟ انظر إلى من سبقنا. الإمارات والسعودية تتصدران الإقليم في هذا الميدان، لكن ما صنع تقدمهما ليس العناوين الوزارية. صنعته كيانات تعمل بمنطق الشركات: مجموعات مثل (جي 42) وذراعها للحوسبة السحابية السيادية، وشركات متخصصة بتحليل البيانات للمدن والأمن، ونماذج لغوية مفتوحة المصدر مثل (فالكون) و(جيس) العربي، وفي السعودية هيئة وطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي وشركات ناشئة في معالجة اللغة ومكافحة الاحتيال. هذه المنظومات اقترنت بتحالفات مع كبريات الشركات العالمية، الأمريكية والآسيوية، تجلب التقنية والخبرة ورأس المال، فيما تضمن الدولة الإطار والبيانات والسوق.
وللإنصاف، العراق لا يملك فوائض الخليج، فلا يستطيع أن ينسخ تجربته. لكن هذا يقوّي الفكرة بدل أن يضعفها. من لا يملك المال يحتاج إلى شراكات أذكى، لا إلى هياكل أثقل. وبدل أن نموّل وزارة بملاكاتها ونتحمل كلفة بنائها ثم نكتشف أنها بلا قدرة، يمكن أن ندعو الشركات الكبرى للاستثمار داخل البلد، بمراكز بيانات وبرامج تدريب ومختبرات مشتركة، بشروط تكتبها الدولة لا الشركة.
ولهذه الشراكة شروط ينبغي أن تُكتب في العقود قبل أن تُكتب في الخطب. أن تبقى بيانات العراقيين داخل العراق ويحكمها قانونه. أن لا نرتبط بمورّد واحد يملك مفاتيحنا، فنتحالف مع أكثر من جهة ونحافظ على قدرتنا على التبديل. أن يكون نقل الخبرة بنداً ملزماً، فيعمل مهندسون عراقيون داخل المشاريع لا حولها، وتؤول بعض الملكية الفكرية للشريك المحلي. وأن نتذكر أن التنافس بين القوى الكبرى على الرقائق والتقنية يفرض قيوداً ومخاطر تصدير وعقوبات قد تصيب أي مشروع، فيحتاج الأمر إلى حساب سياسي هادئ قبل التوقيع.
فإن أُقرّت الوزارة رغم كل ما سبق، وصوّت عليها البرلمان، وهو احتمال قائم، فالأجدى أن نسأل كيف تُبنى بحيث تنفع. أول ما أتمنى أن يُكتب في قانونها أنها مؤقتة بالتصميم: مراجعة بعد ثلاث سنوات على أساس نتائج تُقاس، فإن أثبتت جدواها استمرت، وإلا دُمجت أو أُغلقت. وهذا بند بسيط يقلب قاعدة عرفناها، فوزاراتنا تولد ولا تموت.
وثانياً أن تكون صغيرة وتقنية وبلا كلفة إضافية على الخزينة، تُموَّل من دمج مخصصات مراكز الحوسبة والمعلوماتية الموزعة على الوزارات والجامعات، وتعمل بوصفها جهة تفاوض وتنظيم وتنسيق مع الشركاء، لا جهة تشغيل تضم آلاف الموظفين. فتتحول الحجة المالية من اعتراض على المشروع إلى شرط من شروطه.
وثالثاً أن تبدأ بالبيانات قبل النماذج. العامان الأولان يُخصصان لتوحيد الصيغ بين الوزارات، وبناء سجلات رقمية موثوقة، وإقرار قانون حماية البيانات. عمل ممل لا تلتقطه الكاميرات، لكنه ما يجعل أي شراكة مع شركة كبرى ذات قيمة، فالشركاء الأقوياء يبحثون عن بلد جاهز للبناء عليه. وعلى الوزارة أن تبني على ما سبقها من لجنة عليا واستراتيجية وطنية معلنة، لا أن تبدأ من الصفر.
ورابعاً أن يقوم ملاكها على الكفاءة: عدد قليل من المهندسين وعلماء البيانات والقانونيين المتخصصين في الخصوصية، يُختارون بمسابقة علنية. وهؤلاء تعرض عليهم الأسواق الخارجية أجوراً لا قِبَل للدولة بها، فإن لم تنافس بالمال فعليها أن تنافس ببيئة عمل تحترمهم: استقلال فني، ومشاريع حقيقية، وحماية من التدخل. وإلا ذهبوا حيث يُقدَّرون، كما ذهب غيرهم.
وخامساً أن تختار مشاريع صغيرة ذات أثر يلمسه الناس: نماذج تتنبأ بأحمال الشبكة الكهربائية وتقلل الهدر، وأخرى ترصد التهرب في الجباية والكمارك، وثالثة تقترح مواقع المدارس والمراكز الصحية بحسب كثافة السكان، ورابعة تتوقع مواسم الشحة المائية في دجلة والفرات. ومن أنفع ما يمكن عمله نموذج لغوي يفهم العربية بلهجاتها العراقية، فالنماذج الأجنبية ضعيفة فيها، وهو ميدان مناسب لشراكة مع شركة كبرى تضع التقنية، وتضع الدولة والجامعات اللغة والبيانات.
وسادساً أن تنشر تقريراً سنوياً علنياً بما أنجزت وأنفقت وأخفقت فيه، ويُناقش في البرلمان. فهذا ما يمنع الملف من أن يصير عنواناً لامعاً فوق فراغ.
ويبقى أن نعترف بحدود الفكرة. الذكاء الاصطناعي لا يعالج الفساد، وقد يخفيه إذا استُعمل لإلباس قرارات مسبقة ثوباً تقنياً. ولا يعمل بلا كهرباء مستقرة، ومراكز البيانات تلتهم الطاقة في بلد يعاني صيفه. والدراسة الصادرة عن البرلمان نفسه تحذر من تراجع وظائف تقليدية بحلول ٢٠٣٠، من إدخال البيانات إلى خدمة العملاء، أي أن للتقنية كلفة اجتماعية تحتاج إلى برامج إعادة تأهيل قبل أن تقع لا بعدها. والاستثمار الأجنبي نفسه ليس ضمانة، فقد يجلب الخبرة ويترك التبعية إن لم تحكمه عقود صارمة.
وهذه الأفكار ليست خطة مكتملة، فكل بند فيها يحتاج إلى أرقام وجداول زمنية وأسماء جهات. لكن الفرق بين وزارة تُنشأ لتوزيع المواقع وجهة تُنشأ لتنجز يبدأ دائماً من ورقة عمل جيدة، ومن أراد تلك الورقة وجد من يُحسن الاشتغال على أسئلتها ويعرف مواضع العثرات وكيف تُذلَّل.
وإن كان لا بد من وزارة للذكاء الاصطناعي، فلتكن كما يليق باسمها: وزيرها ووكيلها ومديروها خوارزميات، بلا محاصصة ولا وساطات ولا امتيازات. فلعل وزارة بلا عقول بشرية تنجح في إدارة بلد أرهقته العقول السياسية.


