المسؤولية عن التصعيد…  من يملك قرار الحرب يتحمل تبعاتها

 

 

إن اتساع دائرة الخطر في المنطقة ليس نتيجة حتمية لا يمكن تفاديها، بل هو حصيلة قرارات سياسية وعسكرية تتخذها أطراف تمتلك القدرة على التصعيد، كما تمتلك القدرة على وقفه. ومن هنا، فإن تحميل المسؤولية يتطلب تسمية الأطراف المعنية بوضوح، ومساءلة كل طرف عن قراراته وأفعاله، بدل الاكتفاء بالحديث العام عن مخاطر الحرب.

 

أولًا:

الولايات المتحدة وإسرائيل.

 

تتحمل واشنطن وتل أبيب مسؤولية مباشرة عن أي قرار تتخذانه بشن هجمات عسكرية على إيران أو توسيع نطاق العمليات في المنطقة. ولا يمكن تبرير الحرب بمجرد التفوق العسكري أو الاعتقاد بإمكانية حصر نتائجها. فكل عملية عسكرية تنطوي على مخاطر التصعيد، ويقع على من يقررها واجب تقدير آثارها على المدنيين والدول المجاورة والاقتصاد العالمي. وإذا كان الهدف المعلن هو تحقيق الأمن، فإن شن حرب تفتح جبهات جديدة وتضاعف المخاطر قد يقود إلى نتيجة معاكسة تمامًا.

 

ثانيًا:

السعودية ودول الخليج. تقع على الرياض والعواصم الخليجية مسؤولية حماية أراضيها وسكانها، لكن هذه المسؤولية لا تقتصر على الاستعداد العسكري أو طلب الحماية الخارجية؛ بل تشمل أيضًا تجنب الانخراط في مواجهات توسع دائرة الحرب، وعدم السماح باستخدام الأراضي أو الأجواء أو المنشآت الوطنية بما يعرّض السكان لمخاطر يمكن تفاديها. كما أن استمرار استنزاف اليمن من دون تسوية سياسية شاملة يبقي أسباب التوتر قائمة، ولا يوفر ضمانة مستدامة للأمن السعودي.

 

ومن ثم، فإن المطلوب مراجعة السياسات التي تغذي الصراع، ودعم مسار جاد لإنهاء الحرب اليمنية، وتعزيز التفاهمات الإقليمية بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات بعد انفجارها.

 

ثالثا

الأطراف اليمنية. تتحمل الأطراف اليمنية، كلٌّ بحسب قراراته وأفعاله وقدرته على التأثير، مسؤولية الامتناع عن استهداف المدنيين والمنشآت المدنية، وعدم تحويل المطارات والمنشآت النفطية والمدن إلى أدوات ضغط في الصراع.

 

كما أن التهديد بضرب البنية التحتية أو توسيع الاستهداف إلى مراكز جديدة لا يقرّب التسوية، بل يضاعف المخاطر على اليمنيين والسعوديين وسائر شعوب المنطقة.

 

ولا يمكن بناء سلام مستدام من خلال تهديدات متبادلة أو مكاسب ميدانية مؤقتة؛

 

بل عبر تفاوض سياسي يضمن أمن الحدود ويعالج جذور النزاع ويحفظ سيادة اليمن.

 

رابعا:

المجتمع الدولي والوسطاء.

 

تقع على القوى الدولية والمنظمات المعنية مسؤولية عدم الاكتفاء بإصدار بيانات القلق بعد وقوع الأضرار. فالمطلوب تحرك دبلوماسي استباقي، وضمانات واضحة لحماية المدنيين والملاحة والمنشآت الحيوية، وممارسة ضغط متوازن على الأطراف لمنع التصعيد.

 

كما ينبغي أن تكون الوساطة وسيلة لوقف العمليات الخطرة وفتح مفاوضات فعلية، لا مجرد قناة لشراء الوقت بين جولة وأخرى.

ولا تعني هذه المسؤوليات أن جميع الأطراف متساوية في قدراتها أو أفعالها أو مسؤولياتها القانونية؛ فكل واقعة يجب أن تُقيّم وفق الأدلة والقرارات والنتائج المرتبطة بها.

 

لكن المبدأ الذي لا يجوز التراجع عنه هو أن امتلاك القوة لا يعفي من المسؤولية، وأن أي طرف يختار توسيع الحرب يجب أن يتحمل تبعات قراره السياسية والإنسانية والقانونية.

 

خاتمة القول :

مبادرة عملية للتهدئة قبل فوات الأوان.

 

لم يعد مقبولًا أن تظل المنطقة رهينة التهديدات المتبادلة، أو أن تنتظر الدول وقوع ضربة جديدة كي تبدأ البحث عن مخرج.

 

إن المطلوب الآن مبادرة واضحة، محددة الخطوات، تبدأ بوقف التصعيد وتفتح طريقًا جادًا نحو التسوية.

 

وتقوم هذه المبادرة على خمسة إجراءات عملية:

وقف فوري للتهديدات والعمليات التي توسع المواجهة،

 

والامتناع عن استهداف المدنيين والمنشآت المدنية والمطارات والموانئ والبنية التحتية الحيوية.

 

فتح قناة اتصال عاجلة بين إيران والسعودية ودول الخليج، بمشاركة الولايات المتحدة، والاستعانة بسلطنة عُمان أو وسيط إقليمي مقبول لتسهيل التفاهمات ومنع سوء التقدير.

 

إقرار تفاهمات لحماية

الملاحة البحرية والجوية، وتبادل الإخطارات بشأن الحوادث والمخاطر،

 

وإنشاء آلية اتصال سريعة لمعالجة أي واقعة قبل أن تتحول إلى مواجهة أوسع.

 

إطلاق مسار تفاوضي متوازٍ بشأن اليمن، يتضمن وقف التصعيد، وتخفيف القيود التي تعرقل وصول المدنيين واحتياجاتهم الأساسية، والعودة إلى تسوية سياسية تعالج أسباب الحرب وتضمن أمن اليمن والسعودية معًا.

إنشاء آلية متابعة وضمانات واضحة بمواعيد محددة واجتماعات دورية، لرصد الالتزام بالتفاهمات ومعالجة الخروقات عبر القنوات السياسية بدل الرد العسكري الفوري.

 

هذه الخطوات لا تتطلب حل جميع الخلافات دفعة واحدة، لكنها تتطلب قرارًا سياسيًا شجاعًا بالبدء.

 

فوقف النار لا يعني تنازلًا عن الحقوق، والتفاوض لا يعني الاستسلام، والوساطة ليست ضعفًا؛

 

بل هي أدوات لحماية السيادة وتقليل الخسائر ومنع الخصوم من دفع المنطقة إلى حرب لا يملك أحد ضمان نهايتها.

 

___إن المسؤولية الأولى تقع على من يملك قرار التصعيد، والمسؤولية السياسية والأخلاقية تقتضي من جميع الأطراف وقف ما يهدد المدنيين والاستقرار. وعلى الولايات المتحدة وإسرائيل الامتناع عن توسيع الحرب، وعلى إيران ضبط أي تحرك يهدد دول الجوار أو الملاحة، وعلى السعودية ودول الخليج تجنب الانجرار إلى مواجهة مفتوحة والعمل على تسوية النزاعات الإقليمية، وعلى الأطراف اليمنية وقف التهديدات التي تعرّض السكان والمنشآت المدنية للخطر.

قد يحقق طرف مكسبًا عسكريًا مؤقتًا، أو يفرض كلفة على خصمه، لكنه لن يكون منتصرًا إذا انتهت المواجهة إلى منطقة أكثر فقرًا وخوفًا واضطرابًا.

 

فالانتصار الحقيقي هو منع الحرب من التحول إلى كارثة إقليمية، وحماية أمن الشعوب، وفتح طريق سياسي يضمن الحقوق ويحد من أسباب الصراع.

 

سعيد فارس السعيد

كاتب باحث استراتيجي مستقل

شارك