هندسة التفكيك وتسييس الهويات: رؤية استراتيجية في جذور الأزمات العربية والإسلامية

 

 

إعداد / عدنان صگر الخليفه

رئيس إتحاد القبائل العراقية

 

المواجهة المجردة مع الواقع

تكمن البداية الحقيقية لأي مخرج سياسي أو وطني في المواجهة المجردة مع الواقع كما هو، بمنأى عن أوهام الشعارات والمظاهر الإعلامية الزائفة. لقد مرت المنطقة العربية والإسلامية بعقدين من الاضطرابات والدماء، سادت خلالها أدبيات تضليلية صوّرت الأزمات صراعات طائفية أزلية، أو حروباً على الشرعية والدستور، بينما تثبت الحقيقة الماثلة على الأرض أن ما جرى ويجري ليس سوى عملية هندسة جيوسياسية دقيقة تهدف إلى تفكيك بنية الدولة الوطنية القومية لحسابات النفوذ والسيطرة، وتجريد الشعوب من مقدراتها الحيوية.

الخطيئة التأسيسية وهندسة المحاصصة

تمثلت البذرة الأولى لنسف استقرار الشعوب في الموديل السياسي الذي أُرسيت قواعده في العراق عبر تسييس الهويات الفرعية من طائفية وإثنية بدلاً من تكريس مبدأ المواطنة المتساوية العادلة. وتشهد الوقائع التاريخية أن الشعوب لا تقتتل طائفياً تلقائياً، وإنما ينشب الاقتتال حين تعيد السلطة أو الرعاة الدوليون صياغة النظام السياسي ليعرّف الفرد عبر مكونه المذهبي، مما يخلق بيئة خصبة للخوف الوجودي والتناحر المستمر. وقد تجسد هذا الخطر بوضوح حين اختطفت منصات ذات خطاب طائفي متطرف احتجاجات مطلبية محقة، مسوقة لخطابات التهديد والوعيد المباشر، لينتج عن ذلك توليد خوف وجودي لدى المكونات الأخرى، وتوفير الذريعة السلطوية والدولية لشيطنة المطالب، مما شرّع الأبواب لدخول التنظيمات الإرهابية، وحول الحراك إلى محرقة واستنزاف هائل للبلاد.

تفكيك العقدة اليمنية والشرعية المصطنعة

أُجهضت فرصة بناء اليمن الحديث حين فُرضت صيغة تقسيم الدولة وتفاصيل المشهد عبر المبادرة الخليجية ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني المدعومة إقليمياً ودولياً بصورة فوقية لم تراعي الوزن الديموغرافي الحقيقي ولا تطلعات الشمال والجنوب. لقد جرى إقصاء وتهميش الكتلة السكانية الكبرى في الشمال لصالح هندسة سياسية أفرغت المضمون الوطني من محتواه الحقيقي. وتجلت المفارقة الكبرى في إصرار المنظومة الدولية والإقليمية على منح الشرعية المطلقة لحكومة انتقالية فرّت للخارج وافتقرت للأرض والجمهور، لاستخدامها غطاءً قانونياً لفرض الحصار والتدخل العسكري المباشر، بينما حُرمت القوة القائمة في صنعاء التي تدير المؤسسات وتسيطر على الكتلة السكانية الكبرى من أي اعتراف، نتيجة خياراتها وتحالفاتها الخارجية.

آليات التعبئة العقائدية وثنائية المظلومية والهلع الوجودي

يبرز في عمق الأدلجة السياسية في المنطقة محرك أساسي يتمثل في توظيف المظلومية التاريخية وخطاب استعادة الحقوق المغصوبة لتعبئة أي صعود سياسي أو مذهبي يحمل الهوية الشيعية؛ فهذا الخطاب، بقدر ما يمنح الحركات والأنظمة الصاعدة شرعية شعبية جارفة وقدرة هائلة على التضحية، فإنه في المقابل يغذي تلقائياً شعوراً بالتهديد الوجودي والعداء المطلق لدى الضفة الأخرى، ليتحول الصراع من مطالبات سياسية أو حقوق مدنية قابلة للتسوية إلى معركة وجود عقائدية لا تقبل القسمة على اثنين. هذه الثنائية المتمثلة في المظلومية في مواجهة الهلع الوجودي تجعل من أي نظام جديد يُطَبّع بهوية شيعية صريحة محكوماً بالدخول في صدام حتمي مع محيطه الإقليمي والدولي، حيث يُقرأ تحركه مسبقاً لا بوصفه حركة تحرر محلية، بل بوصفه رأس حربة لمشروع إمبراطوري، مما يبرر للخصوم حشد كل طاقات المواجهة والإقصاء تحسساً على بقائهم، وتظل الشعوب وحدها هي التي تدفع ثمن هذا الاستقطاب المدمر.

سقوط الوطنية لصالح التبعية الخارجية

كان بإمكان سلطة صنعاء، باعتبار أبنائها جزءاً أصيلاً من نسيج البلد والكتلة الديموغرافية الكبرى، تسيير المعركة بوصفها مشروعاً ديمقراطياً وطنياً موحداً يفرض حضوره بقوة الحق الديموغرافي. غير أن الخطأ الاستراتيجي التاريخي تمثل في الإعلان العلني والمجاني للولاء العقائدي والسياسي لنظام الولي الفقيه في طهران، وإقحام اليمن في أيديولوجيا تصدير الثورة، وهو ما منح الفكر السياسي الخليجي والغربي المبرر الشامل لشن حرب استنزاف تحت لافتة حماية الأمن القومي العربي، لتتحول القضية اليمنية من مطالبات حقيقية بالعدالة إلى حرب بالوكالة أكلت الأخضر واليابس.

البراغماتية الصارمة وزيف الشعارات الإعلامية

يكشف السلوك الإعلامي والدولي أن مصطلحات الإرهاب والشرعية والوطنية تُكيّف وفق المصلحة الجيوسياسية البحتة؛ فالشخصيات والتنظيمات التي كانت تُصنف إرهابياً ويوضع الملايين على رؤوسها يتم غسل تاريخها وإعادة تقديمها بوصفها محررات وطنية بمجرد كسرها للنفوذ الإيراني. وتتضح هذه الازدواجية بأجلى صورها عند مقارنة ما جرى مع حركة طالبان في أفغانستان التي حوربت طويلاً ووصمت بالإرهاب والوهابية المتطرفة طوال سنوات الاحتلال الأمريكي، لتدير دفة الحكم اليوم بوصفها حركة وطنية خالصة بعد الانسحاب، دون أن يُثار ضدها أي وصف إرهابي لأن مكنونات نظامها لا تدين بالولاء للهلال الآخر، تماماً كحال تحولات المشهد السوري مع قيادات النصرة سابقاً. وتؤكد السياسة المجردة أنه لو أقدمت قيادة صنعاء اليوم على إعلان قطع الارتباط بطهران وقدمت ضمانات أمنية واستراتيجية لمحيطها الخليجي، لانتهت الحرب في يوم واحد، وتلاشى الحديث عن الشرعية الدستورية المعترف بها ليصبح من يملك الأرض والديموغرافيا هو الشريك الوطني الأول، لأن الصراع لم يكن يوماً من أجل المبادئ، بل من أجل تكييف أمن المنطقة.

النقد التاريخي للجذور السياسية

تعود جذور هذه الصراعات إلى الخطأ الفكري بخلط القيم الروحية للدين بالحروب الإمبراطورية؛ فما بُني عقب العصر الراشدي لم يكن إمبراطورية إسلامية، بل كان إمبراطورية عربية عصبوية قامت على الغلبة والسيف واستباحة المقدرات لتثبيت السلطة والملك. إن استخدام الشعارات المقدسة لتغليف الصراعات على الثروة والسلطة هو سلوك قديم متجدد؛ فكما سُفكت الدماء قديماً لبناء العروش باسم الدين، تُسفك الدماء اليوم وتستنزف مقدرات الشعوب العربية والإسلامية باسم الشرعية والمقاومة والطائفية.

آفاق الخلاص الوطني

لا يتحقق الخروج من هذه الحلقة المفرغة من الحروب والاستنزاف بالارتهان لأوهام الشعارات المذهبية أو الوعود الإقليمية والدولية. إن السلامة الحقيقية للشعوب تكمن في إسقاط نظام المحاصصة الطائفية والهندسة المكوناتية، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية الجامعة المواطنة، وفك ارتباط الحركات المحلية بالمحاور الخارجية ورفض التبعية التي تجعل من البلدان ساحات حطب لحروب الآخرين، والوعي بأن القوة الحقيقية المتبقية للشعوب تكمن في التمسك بالسيادة الوطنية والاعتماد على الذات، لأن الغرف المغلقة لا تعترف بالضحايا، بل تعترف بموازين القوة والمصالح وحدها.

 

11 تشرين الاول 2026

شارك