تصريحات ترمب: نفي الدعم أم رسالة ردع إلى بكين وموسكو؟

بين نفي واشنطن مشاركة بكين وموسكو في دعم إيران، والتقارير التي تتحدث عن مساعدات استخباراتية وعسكرية محتملة، تتكشف معركة أوسع من حدود المواجهة المباشرة: صراع على موازين القوة، وأمن الطاقة، ومستقبل النظام الدولي. فهل تستطيع القوى الكبرى احتواء الحرب قبل أن تتحول إلى أزمة عالمية مفتوحة؟

 

تصريحات ترمب: نفي الدعم أم رسالة ردع إلى بكين وموسكو؟

 

أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب فتح ملف الدور الصيني والروسي في الحرب مع إيران، بعدما استبعد تقديم بكين وموسكو مساعدة عسكرية لطهران، معتبرًا أن الدولتين لديهما الكثير لتخسراه إذا قررتا الانخراط في النزاع، وأن واشنطن ستكتشف أي تدخل من هذا النوع بسرعة.

 

وجاءت تصريحاته، المنشورة على منصة «تروث سوشيال» في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2026، ردًا على انتقادات وتقارير تتحدث عن احتمال مساعدة الصين وروسيا لإيران. وقال ترمب إنه لا يعتقد أن الدولتين تقدمان هذه المساعدة، وإن حدثت، فستكون محدودة للغاية. ونقلت رويترز هذه التصريحات في تقرير نشرته في 13 أكتوبر/تشرين الأول..

 

لكن أهمية هذا الموقف لا تكمن في نفي الدعم وحده، بل في الرسالة السياسية الموجهة إلى قوتين تمتلكان أدوات اقتصادية وعسكرية ودبلوماسية قادرة على التأثير في مسار الحرب، حتى من دون إرسال قوات إلى ساحة المعركة.

 

فواشنطن تريد منع تحوّل المواجهة مع إيران إلى اختبار مباشر لقدرتها على الردع في مواجهة خصومها الدوليين. وفي المقابل، لا تحتاج بكين وموسكو بالضرورة إلى خوض حرب مفتوحة حتى تؤثرا في حسابات الولايات المتحدة وحلفائها.

 

وهنا يبرز السؤال الأكثر أهمية: هل تقاس مشاركة القوى الكبرى بما تعلنه رسميًا فقط، أم بما تقدمه من معلومات وتقنيات وإسناد اقتصادي ودبلوماسي، وبما تفعله لتغيير كلفة الحرب ونتائجها؟

 

أولًا: الصين.. كيف تستفيد من الحرب من دون أن تصبح طرفًا فيها؟

 

تتعامل الصين مع الشرق الأوسط باعتباره مجالًا استراتيجيًا يرتبط بأمن الطاقة، والتجارة الدولية، ومبادرة الحزام والطريق، وعلاقاتها الاقتصادية مع دول الخليج وإيران. ولذلك، فإن أي توسع للحرب يضع بكين أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على علاقاتها بطهران من جهة، وتجنب خسارة مصالحها التجارية الواسعة مع بقية المنطقة والاقتصاد العالمي من جهة أخرى.

 

قد يمنح استمرار انشغال الولايات المتحدة عسكريًا في الشرق الأوسط الصين هامشًا أوسع للتحرك في ملفات دولية أخرى. وقد يؤدي استنزاف الموارد الأمريكية إلى زيادة الضغوط على واشنطن في إدارة التزاماتها الأمنية المتعددة.

 

لكن اعتبار الحرب مكسبًا صينيًا خالصًا سيكون تبسيطًا مخلًا. فارتفاع أسعار الطاقة، وتعطل طرق التجارة، وزيادة تكاليف التأمين البحري، واضطراب سلاسل الإمداد، كلها عوامل يمكن أن تضر بالصناعة الصينية والصادرات والاستثمار والثقة في الأسواق.

 

ومن ثم، فإن مصلحة بكين ليست بالضرورة في إطالة الحرب، بل في منع الولايات المتحدة من تحويل نتائجها إلى تفوق استراتيجي دائم، مع تجنب دفع ثمن اقتصادي يفوق المكاسب المحتملة.

 

أما التقارير المتعلقة بتزويد إيران بأسلحة أو بمساعدتها على الالتفاف على العقوبات النفطية، فتحتاج إلى التمييز بين ما نُشر عن هذه الادعاءات وما ثبت بصورة مستقلة. فالتقارير الإعلامية، مهما كانت جديتها، لا تكفي وحدها لإثبات وجود قرار صيني رسمي بتسليح إيران خلال الحرب الحالية.

 

الاستنتاج الاستراتيجي: قد يكون النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي الصيني أكثر فاعلية وأقل كلفة من التدخل العسكري المباشر. فبكين تستطيع التأثير في فرص التسوية وفي حسابات الأطراف، من دون أن تتحمل بالضرورة مخاطر المواجهة المباشرة مع واشنطن.

 

ثانيًا: روسيا.. دعم محتمل لإيران أم حسابات تتجاوز الشرق الأوسط؟

 

تختلف الحسابات الروسية عن الحسابات الصينية. فموسكو تنظر إلى الحرب في سياق أوسع يتصل بمواجهتها مع الغرب، وبقدرة الولايات المتحدة على توزيع مواردها العسكرية والسياسية بين أكثر من جبهة.

 

وقد تستفيد روسيا من انشغال واشنطن عن ملفات أخرى، كما يمكن أن تتأثر أسواق الطاقة باضطرابات الشرق الأوسط. غير أن هذه الاحتمالات لا تعني أن استمرار الحرب يخدم جميع المصالح الروسية؛ إذ يمكن أن تتسبب الفوضى الإقليمية في تقلبات اقتصادية يصعب التحكم فيها، أو أن تفتح الباب أمام ترتيبات أمنية جديدة تحدّ من هامش تحرك موسكو.

 

وتزداد المسألة تعقيدًا بسبب التقارير المتعلقة بالتعاون الاستخباراتي والعسكري بين روسيا وإيران. ففي أبريل/نيسان 2026، نشرت رويترز تقريرًا استند إلى تقييم استخباراتي أوكراني تحدث عن تقديم روسيا صور أقمار صناعية ودعم سيبراني لإيران. لكن هذه المعلومات نُقلت عن جهة أوكرانية، ولا ينبغي عرضها باعتبارها إثباتًا مستقلًا ونهائيًا لكل تفاصيل الدعم المزعوم.

 

وتكشف هذه المعطيات، إذا تأكدت تفاصيلها، أن الدعم في الحروب الحديثة لا يقتصر على إرسال الأسلحة. فقد تكون المعلومات الاستخباراتية، وتحديد الأهداف، والقدرات السيبرانية، وتبادل الخبرات التقنية، عوامل مؤثرة في مسار العمليات العسكرية.

 

ومع ذلك، لا بد من التمييز بين التعاون الاستراتيجي القائم بين دولتين، والمساعدة المرتبطة بحرب محددة، والقرار السياسي بالانخراط المباشر فيها. فهذه مستويات مختلفة، ولكل منها تكاليف ومخاطر.

 

بالنسبة إلى موسكو، قد يكون الخيار الأكثر ملاءمة هو الاحتفاظ بعلاقاتها مع طهران، واستخدام الأزمة لتعزيز موقعها التفاوضي، مع تجنب مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة.

 

ثالثًا: لماذا قد تتجنب بكين وموسكو الحرب المباشرة؟

 

تقوم حسابات القوى الكبرى على موازنة المكاسب المحتملة بكلفة التصعيد. وفي الحالة الراهنة، توجد أربعة أسباب رئيسية قد تدفع الصين وروسيا إلى تجنب التدخل العسكري المباشر.

 

1. خطر المواجهة مع الولايات المتحدة

 

إن الانتقال من الدعم السياسي أو التقني المحتمل إلى تدخل عسكري معلن قد يفتح بابًا للمواجهة بين قوى نووية. وعندها لن تبقى الحرب محصورة في إيران أو المنطقة، بل قد تتحول إلى أزمة دولية ذات نتائج يصعب احتواؤها.

 

2. كلفة العقوبات والتصعيد الاقتصادي

 

قد يؤدي ثبوت تقديم دعم عسكري مباشر إلى فرض عقوبات إضافية، أو توسيع القيود التجارية والتكنولوجية، أو استهداف شبكات التمويل والإمداد. وستختلف آثار ذلك بحسب طبيعة الدعم والرد الأمريكي، لكنها قد تتجاوز المؤسسات المعنية إلى قطاعات أوسع.

 

3. المصالح الاقتصادية المتشابكة

 

تحتاج الصين إلى أسواق مستقرة وطرق تجارية مفتوحة وإمدادات طاقة موثوقة. أما روسيا، فرغم استفادتها المحتملة من بعض تحولات أسواق الطاقة، فلا يمكنها ضمان أن تكون كل نتائج الحرب في مصلحتها.

 

4. الحفاظ على هامش المناورة الدبلوماسية

 

إن عدم الانخراط العسكري المباشر يسمح لبكين وموسكو بالاحتفاظ بإمكانية التفاوض مع واشنطن وطهران، وبعرض نفسيهما كطرفين قادرين على المساهمة في التسوية. أما الدخول المباشر في الحرب، فقد يحولهما من وسيطين محتملين إلى طرفين في الصراع.

 

هذه العوامل تجعل الحياد العسكري خيارًا ممكنًا، لكنها لا تثبت وحدها وجود حياد سياسي أو اقتصادي كامل.

 

رابعًا: الحرب لا تُقاس بالصواريخ وحدها.. بل بتكلفة الطاقة والتجارة

 

الخطر الأكبر على الاقتصاد العالمي لا يرتبط فقط باتساع رقعة العمليات العسكرية، بل بإمكانية انتقال الصدمة إلى أسواق النفط والغاز والنقل والتأمين والتمويل.

 

ويكتسب مضيق هرمز أهمية استثنائية في هذه المعادلة، نظرًا إلى دوره في عبور إمدادات الطاقة العالمية. وأي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة فيه يمكن أن يرفع تكاليف النقل والتأمين، ويزيد الضغوط التضخمية، ويؤثر في الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما الاقتصادات التي تعاني أصلًا من محدودية احتياطاتها المالية.

 

ولا تتوزع هذه الخسائر بالتساوي. فالدول المستوردة للنفط قد تواجه ارتفاعًا في فاتورة الطاقة والنقل والإنتاج، بينما تجد الشركات الصناعية نفسها أمام تكاليف إضافية تقلّص قدرتها التنافسية. وقد تتضرر الدول العربية بدرجات مختلفة تبعًا لموقعها الجغرافي، واعتمادها على الاستيراد، ومرونة ميزانياتها، ومدى تعرض موانئها وطرق تجارتها للمخاطر.

 

أما تونس، فتواجه تحديًا اقتصاديًا محتملًا يتمثل في ارتفاع كلفة واردات الطاقة والنقل والإنتاج، وما قد يترتب على ذلك من ضغوط على الأسعار والميزان التجاري والمالية العامة. ولذلك، لا ينبغي النظر إلى الحرب باعتبارها ملفًا بعيدًا عن الأولويات الوطنية، بل عاملًا خارجيًا يستدعي الاستعداد المبكر.

 

وتشير تقارير رويترز خلال أكتوبر/تشرين الأول إلى أن اضطرابات الإمدادات المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط والحرب في أوكرانيا ساهمت في إبقاء أسواق الوقود تحت الضغط، رغم محاولات زيادة المعروض. ف تكاليف جديدة على الشركات والمستهلكين والدول، حتى تلك التي لا تشارك عسكريًا في الحرب.

 

خامسًا: ثلاثة سيناريوهات لمستقبل المواجهة

 

تسمح المعطيات المتاحة بتحديد ثلاثة سيناريوهات رئيسية، من دون الجزم بأن أحدها سيتحقق حتمًا.

 

السيناريو الأول: احتواء الحرب عبر التفاوض

 

يتحقق هذا المسار إذا نجحت الاتصالات الدبلوماسية في تحويل التفاهمات الأولية إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ، تشمل وقف الهجمات، وحماية الملاحة، ووضع آليات للتحقق من الالتزامات الأمنية، وفتح مسار تفاوضي بشأن القضايا النووية والعقوبات والضمانات المتبادلة.

 

ويمثل هذا الخيار الأقل كلفة على المدنيين والاقتصاد العالمي، لكنه يحتاج إلى تنازلات متبادلة وضمانات تحول دون انهيار الاتفاق عند أول أزمة.

 

السيناريو الثاني: استمرار حرب الاستنزاف

 

قد تستمر العمليات العسكرية المتقطعة، بالتوازي مع ضغوط اقتصادية وعقوبات وهجمات متبادلة، بينما تتجنب القوى الكبرى التدخل المباشر. وفي هذه الحالة، لن تكون هناك بالضرورة مواجهة عالمية شاملة، لكن المنطقة ستبقى عرضة لعدم الاستقرار، وستستمر المخاطر على الطاقة والتجارة والاستثمار.

 

ويكمن خطر هذا السيناريو في أنه قد يبدو قابلًا للإدارة في البداية، قبل أن يؤدي تراكم الحوادث وسوء التقدير إلى تصعيد غير مقصود.

 

السيناريو الثالث: توسع الصراع إلى مواجهة دولية أوسع

 

قد يتحقق هذا المسار إذا ثبت تدخل عسكري مباشر من قوى كبرى، أو تعرضت قوات أمريكية أو روسية أو صينية لهجوم يؤدي إلى ردود متتابعة، أو اتسعت المواجهة لتشمل ممرات بحرية ومنشآت حيوية في دول متعددة.

 

وهذا هو السيناريو الأكثر خطورة، لأنه يرفع احتمال المواجهة بين قوى كبرى، ويزيد احتمالات اضطراب أسواق الطاقة والتجارة، ويضعف قدرة المؤسسات الدولية على احتواء الأزمة.

 

ولا تسمح التصريحات الحالية وحدها بتحديد احتمال رقمي موثوق لكل سيناريو. فالمسار الفعلي سيعتمد على قرارات الأطراف، ومدى فاعلية الاتصالات الدبلوماسية، وحجم الأضرار، وطبيعة أي دعم خارجي يثبت وقوعه.

 

سادسًا: ما الحل العملي لوقف التصعيد ومنع تحول الحرب إلى أزمة عالمية؟

 

إن منع توسع الحرب لا يتحقق بمجرد مطالبة الصين وروسيا بالابتعاد عن إيران، ولا بمجرد مطالبة الولايات المتحدة بوقف عملياتها. المطلوب هو بناء مسار متكامل يربط خفض التصعيد بضمانات أمنية ومصالح اقتصادية واضحة.

 

1. وقف متبادل للهجمات مع آلية للتحقق

 

تتمثل الخطوة الأولى في التوصل إلى وقف متبادل للهجمات، يتضمن التزامات واضحة بشأن استهداف المدنيين والمنشآت المدنية والبنية التحتية الحيوية. ويجب أن تدعمه آلية تحقق مستقلة، وقنوات اتصال عاجلة بين الأطراف لمنع الحوادث من التحول إلى مواجهات أوسع.

 

فالاتفاق الذي يعتمد على التصريحات وحدها يظل هشًا، بينما تساعد آليات التحقق في تقليل سوء التقدير وبناء حد أدنى من الثقة.

 

2. إنشاء مسار دبلوماسي متعدد الأطراف

 

يمكن بناء إطار تفاوضي تشارك فيه الولايات المتحدة وإيران، مع دور للصين وروسيا ودول الخليج والأمم المتحدة، وفق صيغة يتفق عليها الأطراف.

 

ولا ينبغي أن يتحول هذا المسار إلى منصة لتبادل الاتهامات، بل إلى مفاوضات متدرجة تبدأ بالقضايا الأكثر إلحاحًا: وقف الهجمات، وحماية الملاحة، وتجنب استهداف البنية التحتية المدنية، ثم الانتقال إلى الملفات الأكثر تعقيدًا.

 

ومن شأن مشاركة القوى الكبرى أن تجعل لديها مصلحة مباشرة في إنجاح التهدئة، بدل الاكتفاء بإدارة التنافس فيما بينها.

 

3. ضمان حرية الملاحة وحماية سلاسل الإمداد

 

ينبغي الاتفاق على ترتيبات عملية تحمي السفن التجارية، وتحد من التهديدات البحرية، وتوفر قنوات للإبلاغ عن الحوادث والتحقق منها.

 

ويمكن للدول المعنية، بالتعاون مع المؤسسات الدولية والقطاع البحري، وضع آليات لتبادل المعلومات، وتنسيق إجراءات السلامة، وتجنب أي تحرك عسكري يرفع مخاطر الاشتباك.

 

فالهدف ليس تحويل الممرات البحرية إلى ساحات مواجهة جديدة، بل الحفاظ على انسياب التجارة والطاقة باعتبارهما مصلحة دولية مشتركة.

 

4. ربط التهدئة بضمانات أمنية متبادلة

 

لا يمكن بناء تسوية مستقرة إذا شعر طرف بأن وقف العمليات سيتركه مكشوفًا أمام هجوم جديد، أو إذا اعتقد طرف آخر أن الاتفاق سيتيح خصمه إعادة بناء قدراته العسكرية دون قيود.

 

لذلك، ينبغي أن تتضمن التسوية التزامات قابلة للتحقق، وآلية لمعالجة الخلافات، ومراحل متتابعة لتنفيذ الاتفاق. كما يجب أن تعالج المخاوف المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني من خلال التفاوض والرقابة والضمانات المتفق عليها، بدل تركها سببًا دائمًا لتجدد المواجهة.

 

5. إطلاق آلية إنذار اقتصادي مبكر

 

إلى جانب المسار الأمني، تحتاج الدول المتأثرة إلى نظام لمتابعة أسعار الطاقة، وتكاليف الشحن والتأمين، ومخاطر انقطاع الإمدادات، وتأثيرات الأزمة في الغذاء والأسمدة والصناعة.

 

ويمكن للدول العربية، بما فيها تونس، تعزيز التنسيق في تبادل المعلومات وتقييم المخاطر، ووضع خطط طوارئ للطاقة والمواد الأساسية، وتسريع تنويع مصادر الإمداد حيثما أمكن.

 

إن الاستعداد الاقتصادي لا يغني عن إنهاء الحرب، لكنه يقلل قدرة الصدمات الخارجية على التحول إلى أزمات اجتماعية ومالية داخلية.

 

6. اعتماد مبدأ واضح: لا مكاسب استراتيجية من إطالة الحرب

 

ينبغي أن تتضمن أي تسوية حوافز واضحة لخفض التصعيد، وتكاليف سياسية واقتصادية للتراجع عن الالتزامات، من دون أن تصبح العقوبات غاية مستقلة عن الحل.

 

فإذا أدركت الأطراف أن استمرار الحرب يهدد مصالحها الاقتصادية والأمنية أكثر مما يحقق أهدافها، تزداد فرص قبول التسوية. أما إذا اعتقد كل طرف أن الوقت يعمل لصالحه وأن خصمه سينهار أولًا، فستظل الحرب قابلة للاستمرار حتى بعد ارتفاع تكلفتها على الجميع.

 

الخلاصة: الاختبار الحقيقي ليس من يساعد إيران، بل من يستطيع إنهاء الحرب

 

تكشف تصريحات ترمب عن محاولة أمريكية لردع الصين وروسيا عن الانخراط في الحرب، لكنها لا تكفي وحدها لحسم الجدل بشأن طبيعة الدعم الذي قد يصل إلى طهران. فالنفي السياسي لا يعادل تحقيقًا مستقلًا، والتقارير المتعلقة بالدعم الاستخباراتي أو العسكري تحتاج بدورها إلى التحقق من مصادرها وتفاصيلها.

 

والأهم أن مستقبل الصراع لن يتحدد فقط بما إذا كانت بكين وموسكو ستقدمان مساعدة إضافية لإيران، بل أيضًا بقدرة واشنطن وطهران على الانتقال من منطق الضغط العسكري إلى مفاوضات تنتج التزامات قابلة للتنفيذ.

 

إن الصين وروسيا والولايات المتحدة وإيران، رغم اختلاف مصالحها، تواجه جميعها حقيقة واحدة: لا يمكن التحكم في كل نتائج الحرب بمجرد إطلاقها. فقد تتضرر الأسواق، وتتوسع المخاطر الأمنية، وتتأثر الدول التي لم تختر المشاركة في الصراع.

 

لذلك، فإن الحل الأكثر واقعية لا يقوم على افتراض اختفاء التنافس بين القوى الكبرى، بل على وضع حدود عملية له، ومنع انتقاله إلى مواجهة مباشرة، وربط أي تسوية بحماية المدنيين والملاحة والتجارة والأمن الإقليمي.

 

فالسؤال الذي ينبغي أن يشغل العالم ليس فقط: هل تساعد الصين وروسيا إيران؟ بل: هل تستطيع القوى الكبرى تحويل نفوذها إلى ضمانات توقف الحرب، أم ستستخدم هذا النفوذ لإطالة الصراع وتحسين مواقعها التفاوضية على حساب أمن المنطقة والاقتصاد العالمي؟

شارك