بقلم: الكاتبة والمربّية فاطمة يوسف بصل.

 

لا تُقاس قسوة الحياة بما تنتزعه من أيدينا، بل بما تنتزعه من يقيننا؛ فثمة لحظات لا نفقد فيها شخصًا أو حلمًا أو مكانًا فحسب، بل نفقد العالم الذي بنيناه حولهم، والمعنى الذي أودعناه فيهم، والنسخة التي صدّقناها عن أنفسنا ونحن نعيش في ظلالهم. عندها، لا يعود الألم مجرّد جرحٍ في القلب، بل زلزالًا في الوعي، يعيد ترتيب الأشياء داخلنا، ويضعنا أمام سؤالٍ لا مهرب منه: كم من حياتنا عشناه حقيقةً، وكم منها قضيناه في حضرة ما تمنّينا أن يكون حقيقة؟ هنا تبدأ الحياة عملها الأكثر قسوةً والأشدّ ضرورةً؛ لا بوصفها طريقًا نعبره، بل مقصلةً تُسقط عن أرواحنا رؤوس الأوهام التي طالما توهّمنا أنّها جزءٌ من ذواتنا.

نأتي إلى العالم ببراءةٍ تظنّ أنّ النوايا الطيّبة كافيةٌ لصناعة النهايات الجميلة، وأنّ القلب الذي لا يُتقن الأذى لن يكون هدفًا له، وأنّ الصدق، ما دام نقيًّا، لا بدّ أن يجد في الآخرين مرآةً تشبهه. نكبر ونحن نرسم للوجوه ملامح الوفاء، وللعلاقات وعودًا بالدوام، وللأحلام طرقًا معبّدةً نحو الوصول؛ ثم تمضي الحياة في اتجاهٍ آخر، لا لتعتذر عن خيبتنا، بل لتكشف لنا أنّ العالم لم يكن يومًا ملزمًا بأن يشبه تصوّراتنا عنه. فالطيبة لا تمنحنا حصانةً من الخذلان، والمحبّة لا تُجبر أحدًا على البقاء، والإخلاص لا يضمن أن نُقابَل بمثله. وأشدّ ما يضلّلنا ليس دائمًا كذب الآخرين، بل تلك الرغبة الخفيّة في تصديقهم، حين يصبح الوهم أكثر رحمةً بأعصابنا من الحقيقة، وأكثر انسجامًا مع الصورة التي نريدها لحياتنا.

ولعلّ المأساة لا تبدأ حين يُخدع الإنسان، بل حين يتواطأ مع خداعه، فيرى الإشارات ثم يُعيد تأويلها، ويسمع صوت حدسه ثم يُسكته، ويصطدم بالحقيقة ثم يفتّش لها عن عذرٍ كي لا يضطرّ إلى تغيير شيء. إنّنا لا نتمسّك بالأوهام دائمًا لأنّها مقنعة، بل لأنّ التخلي عنها قد يكلّفنا الاعتراف بأنّ أعمارًا كاملةً أُنفقت في المكان الخطأ، وأنّ قلوبًا أخلصت لمن لم يعرفوا قيمتها، وأنّ أحلامًا عظيمةً أُقيمت أحيانًا على أرضٍ لم تكن صالحةً للحياة. لذلك، قد يختار الإنسان خداعًا مألوفًا على حقيقةٍ مجهولة، لا لأنّه عاجزٌ عن رؤية الطريق، بل لأنّه يخشى أن يكتشف أنّ الطريق الذي سار فيه طويلًا لم يكن يقوده إلى أيّ مكان.

وللحياة براعتها الخاصّة في إسقاط الأوهام؛ فهي لا تُسقطها دائمًا بضربةٍ واحدة، بل تتركها تتضخّم في داخلنا حتى تتشابك مع هويّتنا، ثم يكفي موقفٌ عابر، أو كلمةٌ في غير موضعها، أو غيابٌ يكشف حقيقة الحضور، حتى ينهار البناء الذي احتاج تشييده سنوات. لحظةٌ واحدة قد تُعيد تفسير أعوام، وعبارةٌ واحدة قد تُسقط عن الذاكرة ستائرها، ووجهٌ نراه على حقيقته قد يجعلنا نتساءل إن كنّا قد عرفناه يومًا. عندها نعود إلى الماضي لا لنستعيد ما كان، بل لنقرأه بعينٍ لم تعد مستعدّةً لتجميل الوقائع؛ فنكتشف أنّ بعض الحقائق لم تكن غائبةً عنّا، بل كنّا نُبعدها عن وعينا كلّما اقتربت، وأنّ بعض الأبواب لم تكن مغلقةً بإحكام، بل كنّا نحن مَن نرفض رؤية ما وراءها خوفًا من النهاية.

هكذا تصبح الحياة مقصلةً للأوهام؛ لا تذبح أحلامنا بقدر ما تذبح الأكاذيب التي تسلّلت إليها، ولا تنتزع منّا القدرة على الحبّ بقدر ما تنتزع القداسة التي أسبغناها على مَن أحببنا. تسقط الهالات عن الوجوه، وتتعرّى الكلمات من بريقها، وتعود الوعود إلى حجمها الحقيقي بعد أن حمّلناها أكثر ممّا تحتمل. وما إن تسقط الستائر حتى نواجه فراغًا يشبه الوقوف أمام أنقاض بيتٍ كنّا نظنّه وطنًا أبديًّا. غير أنّنا، حين نتأمّل تلك الأنقاض، ندرك أنّ ما تهدّم لم يكن كلّه حقيقةً قابلةً للحياة؛ فقد كانت بعض جدرانه من خوفنا، وبعض أعمدته من حاجتنا إلى الانتماء، وبعض نوافذه من توقنا إلى رؤية العالم كما نشتهي، لا كما هو.

نحن لا نبكي الراحلين وحدهم، بل نبكي المعاني التي حملناهم إيّاها؛ ولا نرثي الأحلام حين تتكسّر فحسب، بل نرثي الأعمار التي أودعناها فيها، والنسخ التي صنعناها من أنفسنا كي نكون جديرين بتحقيقها. وربّما كان أشدّ أنواع الفقد خفاءً أن نفقد الصورة التي كنّا نرى بها العالم، فنشعر كأنّنا فقدنا قدرتنا على الوثوق بالحياة نفسها. لكنّ الحقيقة، مهما بدت قاسيةً في لحظة انكشافها، لا تُصبح أقلّ حقيقةً لأنّها جرحتنا، ولا يُصبح الوهم أكثر صدقًا لأنّه واسانا طويلًا. إنّ ما يُنقذنا ليس العودة إلى الحكاية القديمة، بل امتلاك الشجاعة لنرى أين انتهت الحكاية، وأين بدأ خداعنا لأنفسنا.

وما أكثر الذين يسكنون سجونهم بإرادتهم، ثم يسمّون جدرانها أمانًا! يتمسّك أحدهم بعلاقةٍ تستنزف روحه لأنّه يخشى الوحدة، ويُرمّم آخر صورةً تحطّمت لأنّ الاعتراف بخطئه يبدو له أشدّ إيلامًا من استمرار الخذلان، ويظلّ ثالث ينتظر أمام بابٍ مغلق، لا لأنّه يؤمن بأنّه سيفتح، بل لأنّ الرحيل سيجبره على مواجهة السنوات التي قضاها في الانتظار. وهكذا يتحوّل التعلّق من تعبيرٍ عن المحبّة إلى إنكارٍ للحقيقة، ويصبح الوفاء، حين ينفصل عن الكرامة، اسمًا مهذّبًا للاستنزاف. فليس كلّ بقاءٍ بطولة، وليس كلّ رحيلٍ هزيمة، وليس كلّ ما نخشى خسارته يستحقّ أن نخسر أنفسنا في سبيله.

ومع ذلك، ليست الحكمة أن نخرج من تجاربنا مكسورين من الداخل، نرتاب من كلّ قلبٍ يقترب، ونحوّل الخيبة إلى قانونٍ نحاكم به البشر، ونرتدي القسوة كأنّها درعٌ ضدّ تكرار الألم. فأن يخوننا أحدهم لا يعني أنّ الوفاء وهم، وأن يفشل حلمٌ لا يعني أنّ الأحلام عبث، وأن تتبدّل الوجوه لا يعني أنّ العالم خلا من الصادقين. إنّ أخطر ما قد تفعله الخيبة بنا أن تمنحنا يقينًا زائفًا مضادًّا؛ فبعد أن كنّا نرى الجميع ملائكة، نبدأ برؤيتهم جميعًا أقنعة، وبعد أن وثقنا بلا حدود، نغلق أبوابنا حتى في وجه ما يستحقّ الثقة. وبين الوهمين تضيع الحقيقة مرّةً أخرى. أمّا النضج، فهو أن نرى دون أن نُعمّم، وأن نحبّ دون أن نُؤلّه، وأن نثق دون أن نتنازل عن بصيرتنا، وأن نمنح التسامح مكانه من إنسانيتنا من غير أن نجعله ترخيصًا مفتوحًا لتكرار الأذى.

إنّ سقوط الوهم لا يعني سقوط الإنسان؛ قد يكون اللحظة التي يستردّ فيها وعيه من الأشياء التي استعبدته طويلًا. فالنضج ليس أن نعرف كلّ الإجابات، بل أن نتحرّر من حاجتنا إلى اختراع إجاباتٍ تُرضينا. وليس أن نضمن ألّا يُخدع قلبنا، بل أن نمتلك الشجاعة لمراجعة أحكامنا حين تظهر الحقيقة. وليس أن نعيش بلا جراح، بل ألّا نسمح للجراح بأن تتحوّل إلى هويّةٍ كاملة، تبتلع ما تبقّى فينا من قدرةٍ على البدء. إنّ الإنسان لا يُقاس فقط بما نجا منه، بل بما اختار ألّا يتحوّل إليه بعد نجاته؛ فقد يخرج من الخذلان أكثر وعيًا من غير أن يفقد رقّته، وأكثر حذرًا من غير أن يصبح أسيرًا للشكّ، وأكثر صلابةً من غير أن يُعلن الحرب على العالم.

وليس مطلوبًا من الإنسان أن يشكر العاصفة لأنّها هدمت بيته، أو أن يختلق للحزن حكمةً تُبرّر قسوته، أو أن يُقنع نفسه بأنّ كلّ خسارةٍ كانت نعمةً متنكرة. فبعض الأوجاع لا تُجمّلها التأويلات، وبعض المظالم لا يمحوها مرور الزمن، وبعض الفقد يترك في الروح مكانًا لا يعود كما كان. غير أنّ الاعتراف بفظاعة ما حدث لا يعني تسليم المستقبل لسلطته؛ فنحن لا نملك دائمًا منع الانكسار، لكنّنا نستطيع، ببطءٍ وشجاعة، أن نمنع لحظة الانكسار من أن تصبح تعريفنا الوحيد لأنفسنا. لا نُعيد بناء حياتنا لأنّ ما تهدّم كان جميلًا أو عادلًا، بل لأنّ ما تبقّى فينا يستحقّ ألّا يُترك بين الأنقاض.

وفي أعمق طبقات الوعي، نكتشف أنّ الحياة لا تُعيد تشكيلنا بالأحداث وحدها، بل بالطريقة التي نختار بها فهمها. قد يمرّ اثنان بالتجربة نفسها؛ فيخرج أحدهما منها أسيرًا لمرارتها، ويخرج الآخر أكثر قدرةً على التمييز بين ما يستحقّ قلبه وما يستنزف عمره. ليست المسألة أنّ الألم يصنع الحكمة تلقائيًّا، فالألم قد يُربك، وقد يُقسّي، وقد يترك الإنسان عاجزًا عن فهم ما جرى؛ لكنّ التأمّل الصادق، والاعتراف، ومراجعة الذات، هي التي تمنح التجربة فرصةً لأن تتحوّل إلى معرفة. فالوجع وحده لا يعلّمنا؛ إنّما يفتح السؤال، ونحن مَن نقرّر إن كنّا سنواجهه أم نهرب منه إلى وهمٍ جديد.

ولعلّ الحقيقة الأكثر عمقًا أنّنا لا نحتاج إلى أن نكون معصومين من الخداع كي نكون أحرارًا؛ نحتاج فقط إلى ألّا نحوّل الخطأ الذي اكتشفناه إلى إقامةٍ دائمة. أن نملك الشجاعة لنقول: لقد أخطأتُ في التقدير، وأحببتُ ما لم أعرفه حقّ المعرفة، وانتظرتُ ما لم يكن لي، وصدّقتُ صورةً صنعتها حاجتي، لكنّني لن أجعل من اعترافي هزيمةً لكرامتي. فالاعتراف ليس انحناءً أمام الماضي، بل استردادٌ للذات من سلطته؛ وليس إدانةً لكلّ ما عشناه، بل تحريرٌ لما تبقّى من أعمارنا كي لا يُكرّر الطريق نفسه باسمٍ جديد.

في نهاية المطاف، لا تمنحنا الحياة دائمًا ما نريد، ولا تُبقينا في حضرة الأشخاص الذين أحببناهم، ولا تصون أحلامنا من التصدّع. لكنّها تضعنا، مرّةً بعد مرّة، أمام المسافة بين الصورة والحقيقة، بين ما تمنّيناه وما حدث، بين الإنسان الذي كنّا نظنّ أنّنا نعرفه والإنسان الذي ظهر لنا، وبين الذات التي ارتضيناها لأنّها تُرضي الآخرين والذات التي نستطيع أن نكونها حين نتوقّف عن طلب الاعتراف من عيونهم. وعند نهاية كلّ انكشاف، نقف أمام أنفسنا غرباء قليلًا؛ ثم نبدأ رحلة العودة، لا إلى ما كنّا عليه قبل الألم، بل إلى ما أصبحنا قادرين على فهمه بعده.

فلا تخشَ كلّ ما تهدمه الحياة في داخلك؛ اخشَ أن تعيد بناء الوهم نفسه، وأن تمنح القيد اسم الأمان، وأن تسمّي استنزاف روحك وفاءً، وأن تُضحّي بحقيقتك كي لا تخسر صورةً لم تعد موجودةً إلا في خيالك. فبعض الانهيارات لا تهدم الحياة، بل تكشف أنّ ما بنيناه لم يكن قادرًا على حملها، وبعض النهايات لا تُطفئ الحلم، بل تُنقذه من أن يتحوّل إلى صنمٍ نذبح أمامه أعمارنا. وما يسقط منّا تحت مقصلة الحقيقة ليس بالضرورة ما يجعلنا أقلّ؛ فقد يكون ذلك الثقل الذي منعنا طويلًا من أن نرى أنفسنا بوضوح.

أمّا الحقيقة التي تظلّ واقفةً بعد سقوط الأوهام جميعها، فهي أنّ الحياة لا تنتصر علينا حين تكسر ما أحببنا، بل حين نقبل أن نعيش أسرى لما انكسر. ومهما اشتدّت مقصلة الأوهام، فإنّها لا تستطيع أن تقطع الطريق إلى ذواتنا ما دمنا نملك شجاعة المواجهة، وحرية الاختيار، وإرادة النهوض. فليست الحكمة أن نعبر العمر بقلوبٍ لم يمسّها الألم، ولا أن نخرج من تجاربنا بلا خسائر؛ بل أن نخرج منها وقد فقدنا بعض ما أحببنا، من دون أن نفقد قدرتنا على الحبّ، وقد انكشفت لنا وجوهٌ لم نعرفها، من دون أن نفقد إيماننا بإمكان الصدق، وقد سقطت من أعيننا أوهامٌ كثيرة، من دون أن تسقط من أرواحنا الرغبة في الحياة. وحين تنتهي المقصلة من عملها، لن يكون انتصارنا في أنّنا لم ننكسر، بل في أنّنا لم نعد بحاجةٍ إلى الكذب على أنفسنا كي نستطيع الوقوف؛ إذ قد تنزع الحياة عنّا كلّ ما توهّمنا أنّنا نكونه، لتتركنا أخيرًا أمام الحقيقة الأجمل: أنّ ما يبقى من الإنسان بعد سقوط أوهامه، هو أوّل ما يستحقّ أن يبدأ به حياته.

شارك