
الاقتصاد الأخضر
حسين راغب
رئيس حزب الإصلاح الوطني
أولاً: مفهوم الاقتصاد الأخضر
1- قدم برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) في التقرير الرسمي (نحو اقتصاد أخضر – مسارات للتنمية المستدامة والقضاء على الفقر)، تعريفاً للاقتصاد الأخضر وهو “نموذج نظري للتنمية الاقتصادية يقوم على تحسين رفاهية الإنسان والعدالة الاجتماعية، قادر على ضمان في الوقت نفسه انخفاض كبير في المخاطر البيئية والندرة البيئية”.
2- البنك الدولي: النمو الأخضر – أي النمو الذي يتسم بالفعالية في استخدامه للموارد الطبيعية، وبالنظافة بحيث يحد من أثر تلوث الهواء والآثار البيئية، وبالقوة بحيث يراعي المخاطر الطبيعية ودور الإدارة البيئية ورؤوس الأموال الطبيعية في منع الكوارث المادية، ولا بد من أن يكون هذا النمو شاملًا.
3- منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي: إن المقصود بالنمو الأخضر هو تعزيز النمو الاقتصادي والتنمية مع ضمان أن تواصل الثروات الطبيعية توفير الموارد والخدمات البيئية التي تعتمد عليها رفاهيتنا، ولتحقيق ذلك، يجب أن يحفز الاستثمار والابتكار، مما يدعم النمو المطرد ويتيح فرصًا اقتصادية جديدة.
ثانياً: تطور مفهوم الاقتصاد الأخضر
1- في منتصف القرن العشرين ومع تقدم علم الإيكولوجيا الذي أظهر عدم كفاية العلوم الوضعية التقليدية كالفيزياء والكيمياء والبيولوجيا لفهم الظواهر البيئية غير الطبيعية الناجمة عن حضارة الإنسان الحديث، والذي اظهر أيضًا أن مستوى الواقع الذي تدرسه الإيكولوجي، أي المنظومات الإيكولوجية، أكثر تعقيدًا من مستوى الواقع الذي تدرسه العلوم الطبيعية الأخرى… إذ يشمل الكائنات الحية والأوساط المادية المحيطة بها أيضًا.
2- ورد مصطلح (الاقتصاد الأخضر) لأول مرة في تقرير أعده مجموعة من كبار الاقتصاديين في مجال البيئة لحكومة المملكة المتحدة في عام 1989، تحت عنوان “خطة عمل لاقتصاد أخضر Blueprint for a Green Economy”، ثم تبع هذا التقرير جزآن آخران لنفس المؤلفين، هما ” خطة عمل 2: تخضير الاقتصاد العالمي” و”خطة عمل 3: قياس التنمية المستدامة”، وذلك في عامي 1991 و1994 على التوالي، وقد تم وضع جميع التقارير بناءً على بحوث وممارسات في مجال الاقتصاد البيئي تمت ضمن عدة عقود من الزمان.
سلط التقرير الأول الضوء على أهمية وضرورة تفعيل دور الاقتصاد في مساعدة السياسة البيئية، بينما توسعت التقارير اللاحقة في مضامين هذه الرسالة لتشمل مشاكل بيئية عالمية مثل تغير المناخ، واستنفاد طبقة الأوزون، وإزالة الغابات المدارية، وخسارة الموارد في العالم النامي.
3- في عام 2008، تم إعادة إحياء هذا المصطلح في المناقشات الدائرة حول الاستجابة السياسية للأزمات العالمية المتعددة مثل أزمة الركود والانهيار الاقتصادي العالمي الشهير الذي وقع في العام ذاته، حيث دافع برنامج الأمم المتحدة للبيئة عن فكرة “حزم التحفيز الخضراء” وقدم مجالات محددة يمكن أن يتم من خلالها البدء ببناء “الاقتصاد الأخضر” إذا ما تم الاستثمار فيها بشكل واسع النطاق.
4- في تشرين الأول 2008، أطلق (برنامج الأمم المتحدة للبيئة) مبادرة الاقتصاد الأخضر- Green Economy Initiative والتي تهدف إلى تشجيع الاستثمار في القطاعات الخضراء وتخضير القطاعات غير الصديقة للبيئة، موفرةً الدراسات اللازمة للتحليل ودعم السياسات، وكجزء من هذه المبادرة، كلف برنامج الأمم المتحدة للبيئة أحد واضعي تقرير خطة عمل الاقتصاد الأخضر بإعداد تقرير بعنوان “صفقة جديدة خضراء عالمية – Global Green New Deal (GGND)”، الذي صدر في نيسان 2009 واقترح مجموعةً من الإجراءات والسياسات التي من شأنها العمل على استدامة الاقتصاد العالمي وتحفيز الانتعاش الاقتصادي.
5- لاحقاً، وضمن إطار (مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ) في كوبنهاجن الواقع في شهر حزيران 2009، أصدرت الأمم المتحدة بياناً على مستوى الوكالات يدعم الاقتصاد الأخضر باعتباره طريقاً ضرورياً لمعالجة أزمات متعددة، وتبع ذلك إقرار وزراء ورؤساء وفود المنتدى البيئي الوزاري العالمي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة ضمن إعلان مشترك بأن مفهوم الاقتصاد الأخضر “يمكن أن يعالج بشكل كبير التحديات الحالية وأن يوفر فرص التنمية الاقتصادية والفوائد المتعددة لجميع الدول”، وذلك في شباط من العام 2010، وتلا ذلك إصدار برنامج الأمم المتحدة للبيئة تقريرها الاقتصادي الأخضر في تشرين الثاني 2011، والذي اشترك في وضعه عدد من مراكز البحوث (مراكز التفكير) وجهات تجارية فاعلة ما أضفى مزيداً من المصداقية على التحليلات الاقتصادية في التقرير.
ثالثاً: ركائز الاقتصاد الأخضر
يستند الاقتصاد الأخضر إلى مجموعة من الركائز التي تمثل الأساس لتحويل الأنشطة الاقتصادية التقليدية إلى نموذج مستدام ومتجدد، وهذه الركائز:
1- الطاقة المتجددة وكفاءة الموارد:
الطاقة هي العمود الفقري لأي اقتصاد، لكنها أيضًا المصدر الأكبر للانبعاثات، لذلك يُعد التحول إلى الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والحرارة الجوفية، أحد أهم ركائز الاقتصاد الأخضر.
إضافة إلى ذلك، تسعى الدول والشركات إلى رفع كفاءة استهلاك الموارد، سواء في الإنتاج الصناعي أو في النقل أو حتى في المنازل، بهدف تقليل الهدر وتحسين العائد الاقتصادي.
2- إدارة النفايات والتدوير:
من الركائز الحيوية أيضًا إعادة التدوير وإدارة النفايات الذكية، إذ تتيح تحويل المخلفات إلى مواد خام قابلة للاستخدام مجددًا، وساهم هذا التوجّه في تقليل الضغط على الموارد الطبيعية، ويخلق فرصًا استثمارية ووظائف جديدة ضمن ما يُعرف باقتصاد الدائرة المغلقة (Circular Economy).
3- الابتكار في النقل والصناعة المستدامة:
يشجع الاقتصاد الأخضر على تطوير وسائل نقل نظيفة مثل السيارات الكهربائية وأنظمة النقل العام الصديقة للبيئة، إلى جانب اعتماد عمليات إنتاج صناعي منخفضة الانبعاثات، والابتكار هنا لا يعني فقط التكنولوجيا، بل أيضًا إعادة التفكير في سلاسل الإنتاج والاستهلاك لتصبح أكثر مرونة واستدامة.
رابعاً: أهداف الاقتصاد الأخضر
1- الحد من الأسباب الرئيسية للتلوث والتغيرات الجوية (الانبعاثات الضارة لثاني أكسيد الكربون والغازات الدفيئة).
2- زيادة كفاءة استخدام الموارد الطبيعية (تجنب الاستغلال المفرط للمصادر غير المتجددة واستخدام المصادر المتجددة إلى حد أكبر).
3- الحد من النفايات والنفايات في عمليات الإنتاج، مع إيلاء اهتمام خاص لإعادة الاستخدام وإعادة التدوير.
4- منع فقدان التنوع البيولوجي والنظم البيئية الطبيعية.
5- تعزيز الإنتاجية من خلال ايجاد حوافز لزيادة الكفاءة في استخدام الموارد الطبيعية ، والحد من النفايات واستهلاك الطاقة ، وإطلاق العنان لفرص الابتكار ايجاد القيمة، وتخصيص الموارد لاستخدام أعلى قيمة.
6- تعزيز ثقة المستثمرين من خلال زيادة القدرة على التنبؤ في كيفية تعامل الحكومات مع القضايا البيئية الرئيسية.
7- فتح أسواق جديدة من خلال تحفيز الطلب على السلع والخدمات والتقنيات الخضراء.
8- المساهمة في ضبط أوضاع المالية العامة من خلال تعبئة الإيرادات من خلال الضرائب الخضراء، ومن خلال إلغاء الإعانات الضارة بالبيئة.
9- الحد من مخاطر الصدمات السلبية للنمو بسبب اختناقات الموارد ، فضلاً عن الآثار البيئية الضارة والتي لا رجعة فيها.
خامساً: مبادئ يعتمد عليها مفهوم الاقتصاد الأخضر
على الرغم من أنّ معظم أنواع الاقتصاد الأخرى تعتمد على مجموعة من القواعد والمعايير التي قد تستنزف الموارد، وتُدمِّر الثروات الطبيعية من أجل النمو الاقتصادي، مثل القضاء على مساحات خضراء شاسعة لبناء المصانع أو التجمُّعات السكنية، إلّا أنّ هذه الأمور بعد ظهور الاقتصاد الأخضر بات يُنظَر إليها باعتبارها أموراً يمكن تجنُّبها؛ إذ تتميّز مبادئه برؤية شاملة تهتمّ بكيفية استخدام الإنسان الموارد الطبيعية، وتمتلك منظوراً طويل المدى؛ للتركيز على الوسائل التي يمكن بها استخدام الموارد لتقديم قيمة للمجتمع، ومن أبرز هذه المبادئ:
1- مبدأ الرفاهية:
يُركّز مبدأ الرفاهية على تمكين الجميع من الحصول على حياة أفضل مهما كان وضعهم الاقتصادي أو موقعهم الجغرافي، ويعترف بأنّ النمو الاقتصادي وحده لا يكفي لتوفير مجتمع مُستَدام ومُتَساوٍ، إضافة إلى أنّه يؤكّد على أهمّية تعزيز الرفاهية من جوانبها كافَّة وللأفراد جميعهم؛ كالرفاهية الجسدية، والصحّة العقلية، والاجتماعية، ويُعطي الأولوية لإمكانية الوصول إلى الاحتياجات الأساسية، مثل: الغذاء، والمياه النظيفة، والخدمات الصحية؛ بعقد برامج لتوفير الرعاية الصحية والتعليم بأسعار معقولة، والاستثمار في الطاقة النظيفة والنقل، وتشجيع النمو الاقتصادي والابتكار.
2- مبدأ العدالة:
يعترف مبدأ العدالة بالمجموعات التي تأثَّرت تاريخياً بالتدهوُر البيئي، وعدم المساواة الاجتماعية؛ كالنساء، والأُسَر منخفضة الدخل؛ إذ يسعى إلى معالجة هذه الفوارق، وإنشاء مجتمع أكثر إنصافاً بتوزيع عادل للفرص، والحَدّ من التأثيرات البيئية؛ لضمان حصول الأجيال القادمة على الموارد التي تحتاج إليها لتحقيق النجاح، ومن الأمثلة على تطبيق مبدأ العدالة: المُبادَرات التي تدعم الروابط الاجتماعية، وحقوق الإنسان، وحقوق العُمّال، والشُّعوب الأصلية، والأقلِّيات.
3- مبدأ حماية الحدود الكوكبية:
يحمي مبدأ الحدود الكوكبية الطبيعة، ويضمن الاستثمار فيها دون الإضرار بها؛ من خلال حماية النظم البيئية وإعادة تأهيلها، ودعم التنوُّع البيولوجي (أشكال الحياة على الأرض)، وتعزيز ممارسات الإدارة المُستَدامة للموارد؛ كاستخدام مصادر الطاقة المُتجدِّدة، مثل: استخدام الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والطاقة الكهرومائية، والتوسُّع في استخدام الكهرباء المُنتَجة من مصادر مُتجدِّدة، ومن الأمثلة الأخرى على مبدأ حماية الحدود الكوكبية: تقليل النفايات وانبعاثات غازات الدفيئة، والزراعة المُستَدامة.
4- مبدأ الكفاءة والكفاية:
يدعم مبدأ الكفاءة والكفاية الاستهلاك والإنتاج المُستَدامَين؛ من خلال تعزيز كفاءة الموارد وكفايتها؛ بالتخلُّص من أنماط الاستهلاك والإنتاج الحالية غير المُستَدامة التي تُؤثّر سلباً في المجتمع والبيئة، والاتِّجاه نحو أساليب نافعة وغير ضارّة في الوقت الحاضر أو مُستقبَلاً؛ بالتركيز على تجسيد نموذج الاقتصاد الدائري الذي يعتمد مبدأ إعادة الاستخدام وإعادة التدوير؛ لتقليل استخدام الموارد، إضافة إلى التركيز على تقليص الاستهلاك الهائل غير المقبول الذي يضغط على الموارد لإنتاج المزيد؛ من خلال تحديد سياسات رادعة.
5- مبدأ الحكم الرشيد:
يُؤكّد مبدأ الحُكم الرشيد على ضرورة وجود مُؤسّسات متكاملة وخاضعة للمُساءَلة القانونية، وقادرة على الانتقال بالمجتمعات إلى مستوى عالٍ من الاستدامة والعدالة، بحيث تكون مدعومة من مؤسسات متكاملة ومتعاونة ومتماسكة أفقيّاً عبر القطاعات المُترابطة، وعمودياً عبر مستويات الإدارة، وتتمتّع بالقدرة على أداء دورها بطرائق فعّالة وكفؤة.
سادساً: أبرز الفوائد المتوخاة من الاقتصاد الأخضر
يمكن أن يحقق الاقتصاد الأخضر عددًا من الفوائد المهمة، مثل:
1- الحفاظ على الموارد الطبيعية:
يساهم الاقتصاد الأخضر في الحفاظ على الموارد الطبيعية المحدودة من خلال استخدامها بشكل مستدام وفاعل، وتحقيق الكفاءة في استخدام الموارد.
2- الحد من التلوث والانبعاثات الضارة:
يعمل الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة على تقليل التلوث والانبعاثات الضارة، مما يسهم في الحفاظ على جودة الهواء والماء والتربة، ويحمي البيئة وصحة الأفراد.
3- التوفير في التكاليف:
يمكن أن يؤدي الاقتصاد الأخضر إلى توفير في تكاليف الإنتاج والاستهلاك، حيث يستخدم مصادر طاقة أقل تكلفة ويقلل من الاعتماد على المصادر الأحفورية التي تكلف باهظة.
4- تعزيز الابتكار والتنمية التكنولوجية:
يحفز الاقتصاد الأخضر الابتكار والتطوير التكنولوجي في مجالات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا النظيفة، مما يسهم في تطوير حلول جديدة وفعالة للتحديات البيئية والاقتصادية.
5- تعزيز استدامة النمو الاقتصادي:
بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤدي الاقتصاد الأخضر إلى تعزيز استدامة النمو الاقتصادي على المدى الطويل، حيث يقلل من التبعات البيئية السلبية للنمو الاقتصادي التقليدي ويحقق توازنًا بين احتياجات الجيل الحالي واحتياجات الأجيال القادمة.
6- تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري:
أحد أهم مكاسب الاقتصاد الأخضر هو تقليص الاعتماد على النفط والفحم كمصادر رئيسية للطاقة، وهذا التحول يُخفّف من مخاطر تقلب الأسعار العالمية ويمنح الاقتصادات استقلالًا طاقيًا أكبر، كما أن استبدال الوقود الأحفوري بمصادر متجددة يقلل من الانبعاثات ويحسّن جودة الهواء، ما ينعكس إيجابًا على صحة السكان وإنتاجيتهم.
7- تحسين جودة الحياة ودعم المجتمعات المحلية:
يساهم الاقتصاد الأخضر في تعزيز العدالة الاجتماعية والبيئية من خلال تقليل الفوارق بين الفئات، ودعم المشروعات الصغيرة في القطاعات الزراعية والطاقة المتجددة، كما أن تقليل التلوث وتطوير المدن الذكية يسهم في تحسين نوعية الحياة في المدن والريف على حد سواء.
8- أهمية الاقتصاد الأخضر في خلق فرص العمل:
• هناك عدة طرق يمكن من خلالها للاقتصاد الأخضر أن يسهم في خلق فرص العمل. أولاً، يعتمد هذا الاقتصاد بشكل كبير على القطاعات ذات الانبعاثات المنخفضة، والتي تحتاج إلى قوة عمل متخصصة، على سبيل المثال، ستحتاج شركات الطاقة الشمسية إلى مهندسين وفنيين لتطوير وصيانة تقنيات الطاقة المتجددة.
ثانيًا، تساهم الاستثمارات في مشاريع البنية التحتية الخضراء في تعزيز العمل، حيث تتطلب إعادة تجديد المدن القديمة وبناء مراكز جديدة باستخدام تقنيات مستدامة العديد من الوظائف، مما يسهم في تحسين كفاءة الطاقة وتقليل الفاقد.
• قدمت منظمة العمل الدولية تقريراً تحت عنوان “الاستخدام والآفاق الاجتماعية في العالم 2018: التخضير مع فرص العمل”، حيث يبين التقرير إمكانية خلق 24 مليون فرصة عمل جديدة عالمياً بحلول عام 2030 وفق سيناريو يتم فيه اتباع سياسات تتبنى الاقتصاد الأخضر، وتتوافق مع الجهود الرامية إلى الحد من الاحترار العالمي بمقدار درجتين مئويتين، وهذا التغيير لا بد أن يصحبه بعض الخسائر في فرص العمل والتي يقدر عددها وفقا للتقرير ذاته بـ 6 ملايين فرصة، معظمها في قطاعات الطاقة التي تعتمد على الوقود الأحفوري. إذ تقدر خسارة الوظائف التي تعتمد على الوقود الأحفوري والتعدين في الشرق الأوسط بحوالي (-0.48 في المئة) أو ما يعادل 300,000 وظيفة، وفي أفريقيا (-0.04 في المائة) أو ما يعادل 350,000 وظيفة في حال تم الاستمرار بالاعتماد على هذه المصادر.
وحسب التقرير من بين 163 قطاعاً اقتصادياً تم تحليله، لم يُظهر سوى 14 قطاعاً خسائر في تشغيل العمالة تتجاوز 10 آلاف وظيفة في مختلف أنحاء العالم، بينما وُجد أن اثنان منها فقط -مصفاة البترول واستخراج النفط الخام- سيخسر كل منهما قرابة المليون وظيفة أو أكثر بقليل. من أكبر القطاعات التي تخلق فرص عمل جديدة هو قطاع إنتاج الكهرباء من الطاقة المتجددة مقارنة بالكهرباء المنتجة من مصادر الوقود الأحفوري، حيث ستنتج ما يقارب 2.5 مليون وظيفة، بالإضافة للعمالة اللازمة لسلسلة القيمة بأكملها المرتبطة بالطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية والبناء. كما سيبلغ حجم السوق العالمية الإجمالي للتكنولوجيات البيئية، ومن أهمها مجال الطاقة وكفاءة الطاقة، نحو 4.4 مليار يورو بحلول عام 2025.
وتقول منظمة العمل الدولية إن التحول إلى اقتصاد أكثر اخضرارًا، بخلاف مقاربة “العمل كالمعتاد” غير المستدامة، يمكن أن يساعد في تحقيق العديد من الأهداف الاجتماعية خلال السنوات العشرين أو الثلاثين القادمة، بما في ذلك خلق 15-60 مليون فرصة عمل لائقة، ما يعتبر مساهمة ضخمة في معالجة مشكلة البطالة العالمية.
سابعاً: أبرز التحديات التي تواجه تطبيق (الاقتصاد الأخضر)
رغم أن التحول نحو الاقتصاد الأخضر أصبح أولوية عالمية، فإن تطبيقه لا يخلو من عقبات مالية وتشريعية وتقنية، فبناء اقتصاد مستدام يتطلب تنسيقًا بين الحكومات، والقطاع الخاص، والمجتمعات، مع استثمارات ضخمة طويلة الأمد.
1- التكلفة الأولية المرتفعة للتحول:
الانتقال إلى مصادر الطاقة النظيفة أو البنية التحتية المستدامة يتطلب استثمارات كبيرة في المراحل الأولى، فإنشاء محطات طاقة شمسية أو تطوير وسائل نقل كهربائية يستدعي تمويلًا حكوميًا وخاصًا ضخمًا، ورغم أن هذه المشاريع تُحقق وفورات كبيرة على المدى الطويل، إلا أن ارتفاع التكلفة المبدئية يشكّل تحديًا أمام الدول النامية محدودة الموارد.
2- الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية:
تعاني الدول النامية من نقص التمويل والتكنولوجيا الخضراء، مما يجعلها أكثر تأثرًا بتغير المناخ وأقل قدرة على مواكبة التحول، وفي المقابل، تمتلك الدول الصناعية الكبرى الموارد والخبرة لتطبيق استراتيجيات الاستدامة بسرعة، ولهذا تدعو المؤسسات الدولية إلى نقل التكنولوجيا وتخصيص صناديق دعم لتمويل التحول الأخضر في العالم النامي.
3- الحاجة إلى سياسات مالية وتشريعية واضحة:
نجاح الاقتصاد الأخضر يعتمد على وجود سياسات حكومية مستقرة وتشريعات واضحة تشجع على الاستثمار المستدام، فغياب الحوافز الضريبية أو ضعف القوانين البيئية قد يُعيق التحول الحقيقي ويجعل “الاستدامة” مجرد شعار، ومن الضروري أن تعمل الحكومات على سن قوانين تُلزم الشركات بتقارير بيئية شفافة وتمنح تسهيلات للمشاريع الخضراء.
4- محدودية الإستفادة من المخصصات المالية لسياسات التنمية المستدامة:
حيث تؤمن اتفاقية الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ وبروتوكول كيوتو، بما تضمنته من آلية التنمية النظيفة ومرفق البيئة العالمي، التمويل على المستوى العالمي لعمليات التكيف مع التغير المناخي والحد من تأثيراته، وهذه الآليات تسهل المشاركة في الاقتصاد الأخضر، غير أن فرص استفادة الدول النامية منها محدودة، فعلى سبيل المثال رغم تمويل مصارف التنمية العربية مشروعات في مجال التنمية المستدامة، فإن المنطقة العربية تحتاج إلى المزيد من التمويل، وهو ما يفسر الجهود الرامية لإنشاء مرفق البيئة العربي الذي يقع على عاتقه تمويل المبادرات والمشروعات الخضراء، كما أن البنوك الوطنية تتردد في تمويل المشروعات الخضراء لغياب دراسات الجدوى القائمة على معلومات وافية، والتي تمكن من تقييم فوائد أو مخاطر المشروع.
5- استمرارية تداعيات الاقتصاد البني:
بعد عقود عديدة من الاعتماد على الاقتصاد البني-Brown Economy ، وهو الاقتصاد الذي يعتمد على الوقود الأحفوري ومشتقاته في الإنتاج، تحصد العديد من الدول عواقب النهج غير المستدام الذي أدى إلى استنفاد الموارد وخلق المظالم واللامساواة والتهميش الاجتماعي، فقد تضاعف الاقتصاد العالمي إلى أربعة أضعاف، و شمل ذلك تضاعف استخراج الموارد المادية إلى ثلاثة أضعاف منذ عام 1970، ومن أشهر هذه الموارد الكتلة الحيوية والوقود الأحفوري والمعادن الفلزية، حيث وصل عالمياً إلى حوالي 90 مليار طن في عام 2019، إلا أنه وعلى مدى الربع الأخير من القرن المنصرم، رافق هذا النمو تدهورٌ في السلع والخدمات الرئيسية التي تستند إليها الأنظمة البيئية على مستوى العالم والتي تدعم سبل العيش أو استخدمت بشكل غير مستدام بنسبة 60%، وبسبب هذه المخاطر المتعلقة بالبيئة والبنية التحتية واستخدام الموارد الطبيعية يحدث ما مقداره تسعة عشر مليون حالة وفاة مبكرة سنويًا، كما تم إثبات أن استخراج الموارد هو السبب الرئيسي في فقدان التنوع البيولوجي العالمي.
6- الحصول على المعادن دون تكاليف بيئية:
إن التحدي الكبير الآخر الذي يعيق التحول الأخضر هو (استخدام المعادن كمصادر للطاقة المتجددة)، فإذا كنا نقوم بتوفير 100 بالمئة أو 90 بالمئة من الطاقة المتجددة العالمية، فسنكون بحاجة لمعادن غير متوفرة لدينا حالياً”، حيث أن الكوبالت والليثيوم لهما أهمية كبيرة من حيث مصادر الطاقة المتجددة، وبالتالي يبرز التساؤل حول “من أين نحصل على هذه الإمدادات؟ وهل يمكننا بالفعل زيادة الطلب 6 إلى 7 أضعاف دون خلق تكاليف بيئية ضخمة أخرى ودون استغلال العمالة؟”
7- ضعف وعي القطاعات المجتمعية بسياسات التخضير:
تتمثل أبرز معوقات التحول إلى الاقتصاديات الخضراء في أن قوى المجتمع غير واعية لأثرها البيئي أو للقوانين والأنظمة المؤثرة عليها، بل قد لا يتم إدراك الفوائد الاقتصادية الناجمة عن الممارسات الخضراء، والأكثر من ذلك قد تُقاوَم مجتمعيًّا.
8- تأخر ترتيب القضايا البيئية عن أجندة الأولويات الوطنية:
لا تزال قضايا البيئة تصنف ضمن ما يطلق عليه “السياسات الدنيا” التي تكتسب اهتمامًا أقل من قبل الحكومات المتعاقبة في الدول النامية أو تلك رغم تخصيص حقائب وزارية أو برامج متخصصة لهذا الملف، في الوقت الذي تحولت فيه قضايا البيئة من الاهتمام الهامشي إلى الاهتمام المركزي في أجندة دول العالم، لا سيما في ضوء التطور الحاصل في مجال الاهتمام الدولي بحقوق الإنسان، حيث ظهرت مجموعة “الجيل الثالث لحقوق الإنسان” التي تضم حق الإنسان في العيش في بيئة نظيفة والحق في التنمية المستدامة.
وهنا يُمكن الإشارة إلى محدودية فعالية أحزاب الخضر في المنطقة العربية، فعلى الرغم من أن الدول العربية -مثل مصر ولبنان والأردن- شهدت تأسيس أحزاب سياسية ذات اهتمامات بالبيئة، إلا أن أنشطتها وتأثيراتها ذات مردود ضعيف فيما يخص وضع مسألة البيئة على أجندة الحكومة والمجتمع، ونشر قوانين حماية البيئة، والحث على احترامها ثم الإلزام بتنفيذها، والتخلص من النفايات، وهو ما يختلف جذريًّا عن أدوار أحزاب الخضر في المدن الأوروبية، مثل استوكهولم وكوبنهاجن وأمستردام وهامبورج، التي تشارك في حكومات ائتلافية ونجحت في تطبيق مفهوم “النقل الأخضر”، وتبني المنتجات والخدمات والتقنيات القائمة على التنمية المستدامة.
ثامناً: مقترحات
يقترح البحث عدد من المقترحات من أجل الوصول إلى الاقتصاد الأخضر:
1- التخطيط الاستباقي لفقدان الوظائف نتيجة التحولات الخضراء:
وذلك من خلال وضع استراتيجيات لتيسير عملية الانتقال، حيث يمكن أن تعمل السلطات العامة عن كثب مع القطاعات الضعيفة لإخطار العمال، قبل إبعادهم عن وظائفهم أو فصلهم بوقت طويل، بفرص التدريب وغيرها من البرامج النشطة المتاحة لهم، وفي الوقت نفسه، ستكون ثمة حاجة إلى بذل جهود لضمان استجابة برامج التعليم والتدريب لتطور التكنولوجيات الجديدة وقطاعات النمو الاقتصادي.
2- يمكن أن تؤدي سياسات وبرامج التدريب وسوق العمل والضمان الاجتماعي دورًا هامًا في المساعدة على تكيف العمالة بتقديم ما يلي:
• الدعم إلى المنشآت للاحتفاظ بالعمال المتضررين و/أو إعادة تدريبهم.
• التوفيق بين العمال والوظائف الجديدة.
• التحديد الفوري للاحتياجات من المهارات من خلال الدراسات الاستقصائية وغير ذلك من الوسائل.
• تدابير دعم الدخل، مثل إعانات البطالة، للمساعدة على الحد من عملية تكيف العمال مع الوضع المتدهور.
3- التوعية والتغيير في السلوكيات: يتطلب الاقتصاد الأخضر تغييرًا في الثقافة والعادات والسلوكيات الاقتصادية والاجتماعية، ويحتاج ذلك إلى توعية قوية وتعاون من القطاع العام والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
4- توفير متطلبات نقل التكنولوجيا: تؤدي التكنولوجيا الخضراء والعمليات العالية الكفاءة دورًا أساسيًّا في التحول إلى الاقتصاد الأخضر، وتحتاج الدول العربية إلى تشجيع الاستثمار في البحث والتطوير في هذا المجال الجديد نسبيًّا على المنطقة باستثناء حالات محددة، مثل الإمارات والمغرب وتونس ولبنان والأردن، بأوزان نسبية مختلفة، والتي لا يمكن القياس عليها حيث النقص في مبادرات الاقتصاد الأخضر، وندرة الإحصاءات والبيانات بشأنه.
وهنا تشير بعض الكتابات إلى أن أحد متطلبات نجاح عملية التحول يتمثل في استعداد البنى الأساسية الوطنية لإنتاج نسخ مطابقة لأحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا العالمية وتكييفها مع الاحتياجات المحلية، وربما يتحقق ذلك عبر إنشاء تحالف بين وزارات التربية والتعليم، والجامعات، ومعاهد التدريب المهني، والمدارس الفنية لتدريب الأجيال المقبلة على التحول في قطاعات كفاءة الطاقة والمياه والنقل المستدام والزراعة، وغيرها من القطاعات المعنية بالسلع والخدمات البيئية.
5- إنشاء جهاز وطني للتنمية المستدامة داخل كل دولة عربية على حدة لضمان تطبيق منظور مؤسسي يجمع بين تكامل الأبعاد التنموية ومتابعتها وتقيي



