العرب..بين حِصَّتَي الإملاء والتعبير

-بقلم: محمد فياض

باتت الحرائق والتدمير والقتل الممنهج سمة عصرية..لا تخص العالم في قوامه الجمعي إلا بقدر القدرة على صب الزيت لضمان إستمرارها. ففي هذه الحرائق فوائد عظيمة لبلدان الطبقة الأولى..ليس أقلها إنارة الطريق. وليس من الصعوبة على المبتديء في هذا العالم..ناهينا عن ماهية المبتديء أو حتى المبتدأ..أن يخلص إلى أن صرف الدمار الشامل هذا لمنطقتنا العربية وحدها دونما أية مناطق أخرى. أن يتعرف على حجم الغباء والعمالة ومستنقع الرداءة الفكرية والسياسية في هذه المنطقة من العالم.

تاريخٌ من الخيانات وراكمٌ من الإنحطاط الأخلاقي في حلبة الفعل السياسي لم يكن ليفضي إلى أفضل مما وصلت إليه الأمور.

العواصم تتقاتل..الرياض وصنعاء. السودان والسودان..الشرق الليبي بني غازي والغرب طرابلس. المغرب والبوليساريو.. لبنان وسوريا..والبقية في حالة تحرش.الحرائق من اقصى المشرق في العراق والكويت والأردن وسورية إلى أقصى المغرب العربي.ومن الشمال حيث إلتهاب المياه المصرية إلى أقصى الجنوب في جيبوتي والصومال.

هل هي القضية الفلسطينية حجر الزاوية والخلاف البيني بين الأشقاء لتباين أفضل الطرق لمعركة التحرير..هل هذا هو السبب..؟!

بالقطع لا.. وهل اختلفت الشعوب المغلوبة على أمرها المقيدة بأحزمة من السلاسل..وهل تباطأت الأحزمة الناسفة ووضعت خطوطاً حمراء عند إحتدام الفشل في مناقشة الخلافات..؟!

الحقيقة التي نتعامى عنها عند التناول النخبوي حال التنظير والتحليل لاتعدو أن هذه المنطقة لم تدفع بعد أثمان البقاء.وإن اعتقد البعض أن مايجري من تدمير متبادل بجداول معلنة ودقيقة بين الأمريكي والصهيوني في الخليج وبين الإيراني من ناحية..ومن الأخرى مايجريه الخليج مع اليمن تارةً ومع العراق تارةً أخرى.والانفاق على تعطيش مصر وعلى الميليشيات الإرهابية..وبعد الإتيان النهائي على سورية.إنما هي طريقة دفع الأثمان فهذا تحليلٌ جانبه الصواب.

دليلنا أن الشعب العربي خارج كل الحسابات في غايات الصراع.والحاضر فقط في دفع فواتير الخدمات التي ينشدها أغبياء القصور الرئاسية والملكية على السواء.

ماالفرق في عمليات الإستخدام للشعب العربي من قبل حكومات الغزو والإحتلال وبين الحكومات الوطنية..؟!

هي ذات الفلسفة..التجويع والإهانة وإغتصاب الحقوق..واستهلاك الوقت.

ونزح دماء الشعوب إن لم يتم حرباً تم سلماً..

نرى الآن تبادل تحديد مناطق الإستهداف بالصواريخ والمسيرات وإذاعتها على الهواء بين السعودي واليمني.. وبمنتهى الصدق..تسقط وسائل التدمير والقتل لإبادة البشر والشجر والحجر بين البلدين الشقيقين. ومنتهى الصلف أن يعتقد أحد الطرفين- جهلاً – قدرته على تركيع الآخر.عشرات الآلاف ربما المئات فقدوا حيواتهم. ملايين منهم فقدوا بيوتاتهم ومصادر رزقهم..الخزانة الجمعية فقدت عشرات التريليونات من الدولارات..

لأجل ماذا..؟!!

هل لدى الحاكم في أي بلد عربي أو حتى جميعهم يملكون إجابة تصلح مبرراً شعبياً لدعم الحرب الدائرة والإستمرار في بذل الدماء..؟!!

وهل يملك الخليج روشتة علاج منطقية عاقلة لوقف هذا النزيف والإستنزاف دون جرأة وشجاعة مناقشة السبب الحقيقي لما يجري..

وأن العلاج الطبيعي العاصم لدماء منطقتنا وأجيالنا بل ووجودنا تتمثل في قرار من جملة واحدة [ بدء المفاوضات فوراً مع الأمريكي لتصفية القواعد العسكرية في بلادنا وإمهاله مدة زمنية دقيقة لتفكيك وجوده على الأرض العربية.] .

عندئذٍ تسكت المدافع ويتوارى الصغار ويتقدم الصفوف كبير العرب لوضع دستور عربي إيراني تركي يضع كل القوى الإقليمية في مربعها اللائق.نعرف أن هذه يوتوبيا ربما لاتليق بمنهج التفكير الآن..ولكن. هل سيظل السعودي واليمني في احترابٍ أظنه خاسرا بامتياز..لكن الأصعب أن الخسائر لن تنحصر في المناطق ذاتها.

إن مايحدث آخذٌ لكامل المنطقة إلى حالة تشظي عميقة سوف تطال في تهديدها كل بلداننا. والحرائق لن تطال المنشآت والبنى التحتية وفقط..بل لن تنال من كل ما أبدعته وأتته الدولة العصرية وفقط..الخسارة الأعظم حيث تطال الحرائق تفكيك المصطلحات.. وتمييع الثوابت وإذابتها أو صهرها في نيران القصف.فتختفي عمداً ماهية الوطن ومفهوم الوطنية..وقداسة الأرض وعبقرية الإنتماء..وتفقد بلادنا ماراكمته من وعي يتصل بالأرض عبر آلاف السنين ليتم القضاء على الموروث الحضاري في بلدان الحضارات بأموال فوائض النفط وبأيدي عيال الخليج العربي.وإلا هل من مبرر للإنفاق الخليجي على إشعال الإرهاب في العراق ومصر وسورية واليمن..؟!

أليست هذه هي الحضارات القديمة.؟

ألم نتابع كيف استطاع رجل مخابرات الرياض تجميع وتأليف التنظيمات المتطرفة وإدارة فصائل منها بتوجيه أمريكي غربي لإسقاط سورية وتدمير تدمُر – على سبيل المثال – عدة مرات لطمس شواهد حضارة تضج مضاجعهم وهم مضطجعون على أجولة الدولارات يقتلهم العجز والحقد.؟!

لست متحاملاً على دويلات النفط.

فقد شاركوا في نسج كل خيوط المؤامرة في تونس ومصر وليبيا واليمن والسودان وسورية ولبنان.والعراق والصومال. ووضعوا نهاية للدولة القطرية المقاومة بقيادة الأسد. أنفق الخليج مايقرب من ثلاثة تريليونات من دولارات الشعب الخليجي لقطع الطريق على إستقرار منطقتنا العربية..وأدوا إلى سيدهم خمسة تريليونات أو يزيد في مراسم تشابهت مع حالة طهور الملوك..

ألم تكن هذه الأموال كافية لصناعة إمبراطورية عربية تمتلك كل عناصر القوة بلا منازع..؟

الأمر ليس صعباً أن يفهمه تلاميذنا.

كل الصغار واعون أن إسكات هذه الحرب مهما اتسعت مرهون بإخلاء المنطقة من القواعد العسكرية الأمريكية..

وليس من الصعوبة بمكان أن يفهم صغارنا أنهم القادة – السلاطين والملوك والرؤساء – لايملكون من أمرهم سوى التفاخر في استقبالهم الإملاءات. ويعتبرون أن التعبير الشعبي رجس من عمل الشيطان.

ووقعت الشعوب في نير وبراثن العمالة بوكيل..فوضت الحاكم لإدارة شؤونه فتضخم شأنه وارتكبت وترتكب هذه الشعوب جريمة السقوط في بئر الخيانة وترديد الإملاءات الأجنبية خلف حكامهم.

فلم يعد الشعب الطبيعي قادرٌ على كتابة جملة واحدة في حصة التعبير ربما تزعج الأمريكي فيشطات غضباً على العملاء في قصور الحكم. إن وقف القتال له طريق دون مايسلكه السعودي الآن بالوكالة..والوكيل الخليجي لم يستوعب حتى اللحظة أن عسكرة بلادهم بالأجنبي لم تعط أمناً بل سبباً للدمار..وأنه الأمريكي لم يستطع الحماية بل يطلبها.. فقط يمكن أن تسلك الرياض طريقاً غير التصعيد مع الحوثي..هناك طريقاً يعرفه القاصي والداني في الكوكب الأرضي..الإعلان عن وضع السلاح والذهاب إلى شرم الشيخ..وعقد مؤتمر دولي إقليمي للإتفاق على خارطة طريق إخلاء الأمريكي قواعده من بلداننا..ولننتهي فوراً من حصة الإملاء في الفصل الأمريكي..ونذهب بشجاعة..برجولة إلى إلى إعلاء الصوت واستدعاء الكرامة المهدرة ولنجلس بحرية نُعَبّر عن أنفسنا في حصةالتعبير..

 

[ القاهرة.. محمد فياض ]

شارك