
الوعي الوطني في مواجهة التضليل
كتب رياض الفرطوسي
لا تحتاج الشائعة إلى ذكاء كي تنتشر، وإنما إلى فراغ. يكفي أن يقع حدث ثم يتأخر تفسيره ساعة أو بعض ساعة، فتتقدم رواية جاهزة لتملأ المكان قبل أن يصل أحد بالمعلومة الصحيحة. لذلك لا ينبغي أن ننظر إلى الشائعة بوصفها كذبة عابرة فقط. إنها اختبار لسرعة المجتمع في فهم ما يجري حوله، ولمدى ثقته بمن يتحدثون باسمه.
والعراقيون من أكثر الشعوب تمرساً بهذا الاختبار، وإن لم يختاروه. ففي صيف 2014 كانت المعارك تدور على الأرض مع فلول داعش ، وكانت معركة أخرى تدور على الهواتف. صور مفبركة، وأرقام مضخمة، وأخبار عن سقوط مدن لم تسقط وعن أبواب بغداد التي قيل إنها فُتحت قبل أن يقترب منها أحد. كان الهدف من وراء ذلك كسر المعنويات قبل كسر الخطوط، لأن المدينة التي تقتنع بهزيمتها تُسلَّم من الداخل قبل أن تُحاصر من الخارج. ثم جاءت ساعة الحسم، وخرج الناس إلى التطوع والتصدي ، لأن الفزع الذي أرادوه لهم لم يتحول إلى استسلام. ولم يكن ذلك نتيجة بيان رسمي وحده. ما حدث أن كثيرين شكّوا في الرواية الأسهل، وسألوا عن مصدرها، وانتظروا ما يؤكدها.
وبعد سنوات جاءت الجائحة بنسخة مختلفة من المشهد نفسه. تكاثرت الوصفات السحرية والتحذيرات المخيفة والأخبار التي تزعم أن اللقاح مؤامرة أو أن المرض كذبة. وهنا اتضح أن الشائعة قد لا تأتي من خصم، فقد تخرج من خوف عادي لا يجد من يطمئنه. يرسل الناس ما وصلهم إلى أحبائهم وهم يظنون أنهم يحمونهم، فيتحول القلق إلى ناقل أمين للخطأ. وهذه نقطة تغيب عن كثير من الحديث عن التضليل. المضلِّل المحترف قلة، أما الباقون فمصدقون طيبو النية يشاركون في الصناعة دون أن يدروا.
ومن يتأمل هذه التجارب يرى أن الشائعات تتبع أنماطاً يمكن تمييزها. فهي تولد غالباً عقب حدث مفاجئ، حين تكون المعلومات شحيحة والعواطف مرتفعة. وهي تنسب نفسها إلى مصدر مجهول لكنه قريب، (أخي في الوزارة) أو (صديق شاهد بعينه)، فتكتسب مصداقية من الألفة. وهي ترفض الأرقام الدقيقة وتحب الصفات المطلقة، وتعمم من حادثة واحدة على الدولة كلها. وتعتمد كذلك على توقيت محسوب، فتخرج قبل اكتمال التحقيق لأنها تعرف أن التصحيح اللاحق لا يلحق بها، وأن النفي يصل دائماً إلى جمهور أصغر من جمهور الخبر الأول.
ومن هنا تبدأ المواجهة، وهي لا تبدأ بالرد على كل شائعة. من يلاحق كل رواية يستنزف نفسه ويمنحها قيمة لا تستحقها. المواجهة الحقيقية أبطأ وأعمق. أولها أن تكون المعلومة الصحيحة سريعة ومتاحة وبلغة يفهمها الناس. فالحقيقة التي تصدر بعد أن يستقر الانطباع الأول تبدو دفاعاً، والحقيقة التي تصدر في وقتها تبدو معرفة. وهذا يخص المؤسسات بقدر ما يخص المواطن: أن يُقال ما يُعرف، ويُعترف بما لم يُعرف بعد، ويُعلن عن موعد المعرفة. إن قولاً صريحاً مثل (لم نصل بعد إلى نتيجة، وسنعلن عند اكتمال التحقيق) أنفع في بناء الثقة من صمت طويل يتبعه بيان مطول.
وثانيها أن يتعلم الفرد قاعدة بسيطة قبل الضغط على زر الإرسال: من قال هذا، وما الذي يملكه ليقوله، وماذا يستفيد من انتشاره؟ ثلاثة أسئلة لا تحتاج إلى خبرة صحفية، لكنها تقطع نصف الطريق على أي رواية مصنوعة. ومن يعيش اليوم على مسافة من الحدث، ويتابع بلاده عبر شاشة لا عبر الشارع، يدرك كم تتضخم الصورة حين تنتقل بين الهواتف، وكم يختلف ما يراه الناس في الخارج عن الواقع الذي يعرفه أهله في الداخل. هذه المسافة تعلّم التريث، وتعلّم أن الخبر الذي يدفعك إلى الغضب فوراً هو بالذات الخبر الذي يستحق أن تتوقف عنده.
وثالثها أن نفرق بين النقد والتضليل، وهي مسألة كثيراً ما تختلط. النقد يقوم على وقائع ويقبل الرد ويريد الإصلاح. والتضليل يقوم على الإيحاء ولا يحتمل الرد، لأنه لا يريد جواباً أصلاً. حماية الوعي لا تعني حماية أي جهة من الانتقاد، وإنما حماية الحوار نفسه من أن يتحول إلى ضجيج. فالمجتمع الذي يخلط بين الاثنين يخسر في الحالتين: يصدق ما لا يجب أن يصدقه، ويشك في ما يحق له أن يطمئن إليه.
ورابعها، وهو الأصعب، أن الثقة لا تُطلب بالخطابة. تُبنى بتراكم صغير: وعد يتحقق، معلومة تثبت صحتها، خطأ يُعترف به دون مراوغة. حين تتراكم هذه اللبنات يصبح للشائعة جدار أمامها حين تأتي، فتصطدم بذاكرة جماعية تعرف من قال الصدق ومن قال غيره في المرات السابقة.
ولعل أجمل ما في التجربة العراقية أنها لم تنتظر من أحد أن يلقنها هذا الدرس. فقد مرّ الناس بالحروب والحصار والفوضى وداعش والجائحة، وكل مرة خرجوا بحصيلة أدق في التمييز بين ما يقال وما يحدث. وهذه الحصيلة هي الثروة الحقيقية في معركة الوعي، فهي أرخص من أي حملة وأمتن من أي بيان. أما الشائعة فستظل تولد، لأن الحاجة إلى الحكايات لا تموت. لكن الفرق كله في المجتمع الذي يستقبلها: هل يتلقفها ويمررها، أم يمسكها لحظة ويسأل عن أصلها؟
وفي هذا السؤال الصغير يكمن الفرق بين مجتمع تقوده الأخبار ومجتمع يقود فهمه للأخبار.



