ولادة الماضي … من مجموعة الزعيم

تأليف جليل هاشم البكاء …

 

لم تكن الصورة وحدها كافية. فالصورة تحتاج إلى تاريخ، والتاريخ يحتاج إلى شهود، والشهود يحتاجون إلى ذاكرة يمكن ترتيبها.

اجتمع مراد وناظم ورائد في قاعة صغيرة تابعة لمؤسسة ثقافية يمولها التاجر. حضر معهم رجل مسن يدعى جابر، كان يعمل سابقًا في الأرشيف الحكومي، ويعرف كيف تُحفظ الوثائق وكيف تضيع.

وضع مراد أمامه ورقة بيضاء.

نريد سيرة مختصرة لسليم.

قال جابر:

سيرته الحقيقية؟

أجابه مراد:

نريد سيرة مفهومة.

رفع الرجل المسن نظارته.

وهل توجد سيرة لا تُفهم؟

قال مراد:

توجد سيرة صحيحة، لكنها لا تساعد الناس على الحلم. نحن نحتاج إلى قصة يستطيع العامل أن يجد نفسه فيها، والطالب أن يجد مستقبله فيها، والفقير أن يجد عزاءه فيها.

تدخل ناظم:

اجعله ابن عائلة بسيطة، حتى يشعر الناس بأنه واحد منهم.

قال رائد:

واجعلوا له موقفًا قديمًا ضد مسؤول فاسد. لا نحتاج إلى تفاصيل كثيرة، يكفي أن نقول إنه رفض التوقيع على معاملة مشبوهة.

سأل جابر:

وهل حدث ذلك فعلًا؟

نظر إليه مراد نظرة باردة.

هل تتذكر كل معاملة وقّعتها في حياتك؟

أجاب جابر:

لا.

إذن، كيف تستطيع أن تنفي أنه رفض معاملة قبل عشرين سنة؟

سكت جابر، ولم يقتنع، لكنه فهم أن الاجتماع لا يبحث عن الحقيقة.

كتبوا سيرة جديدة لسليم. لم يجعلوه بطلًا خارقًا، بل رجلًا متواضعًا، ابنًا لأسرة بسيطة، أحب العلم، واحترم الفقراء، ورفض أن يساوم على مبادئه. أضافوا إليه قصة عن عامل مسن أنصفه ذات يوم، وقصة أخرى عن طالب ساعده في إكمال دراسته، وثالثة عن مسؤول حاول شراء صمته فرفض.

كانت القصص صغيرة، وهذا ما منحها بعض المعقولية.

ثم قرروا أن يتركوا فراغات متعمدة في السيرة.

قال رائد:

لماذا لا نملأ كل شيء؟

أجاب مراد:

لأن الغموض يجعل الناس يشاركون في صناعة الأسطورة. إذا أخبرتهم بكل شيء، سيكتفون بالاستماع. أما إذا تركنا لهم فراغًا، فسيملؤونه من خيالهم، وعندما يشاركون في بناء الحكاية، سيدافعون عنها كأنها جزء من حياتهم.

كان مراد يعرف أن الإنسان لا يدافع دائمًا عن الحقيقة التي سمعها، بل قد يدافع عن القصة التي ساهم في بنائها.

وبعد شهر، نشرت الصحيفة سيرة سليم الجديدة تحت عنوان: صفحات من حياة رجل لم يطلب شيئًا لنفسه.

انتشرت المقالة، وتناقلتها الصفحات، وأصبحت بعض تفاصيلها تتكرر في المجالس. كان هناك من أضاف حادثة لم ترد في النص، ومن نسب إليه موقفًا لم يسمع به أحد، ومن أقسم أنه عرفه شخصيًا، رغم أنه لم يلتق به قط.

وحين وصلت الحكايات إلى سليم، شعر بالدهشة أولًا، ثم بالغضب.

اتصل برائد.

ما الذي تنشرونه عني؟

أجاب الصحفي بلهجة ودودة:

نحن لا ننشر إلا ما يقوله الناس عنك.

لكنني لم أفعل هذه الأشياء.

ربما لا تتذكر. مضت سنوات طويلة.

أنا أتذكر حياتي جيدًا.

يا أستاذ سليم، لا تكن قاسيًا على نفسك. الناس تحبك، وهذا كل شيء.

صرخ سليم:

أنا لم أطلب من أحد أن يحبني!

قال رائد:

أحيانًا، لا يختار الإنسان ما يريده الناس منه.

ثم أنهى المكالمة.

جلس سليم طويلًا، وهو يشعر بأن حياته بدأت تخرج من يديه. لم يعد يعرف كيف يصحح رواية كاذبة من دون أن يمنحها مزيدًا من الاهتمام. وإذا نفى كل حادثة، ظهر كأنه يتنكر لماضيه. وإذا سكت، اعتبروا صمته دليلًا على التواضع.

كان محاصرًا بين الحقيقة التي يعرفها، والحكاية التي يصدقها الآخرون.

 

 

وتسمر الأحداث

بقلم جليل هاشم البكاء

شارك