ذروةُ الصوت… وهشاشةُ البنية: عشرةُ أيامٍ ترعبُ نتنياهو… حين يعدُّ القنابلَ بصوتٍ عالٍ… فاعلمْ أنه لا يعدُّ إلا أيامَه.

 

المقدمة

 

في الحرب، كما في الفيزياء، أعلى صوتٍ يصدرُ من أضعف بنية. عشرةُ أيامٍ تفصلُ نتنياهو عن صندوقٍ قد يلفظُه، فارتفعَ الصوتُ إلى ذروته: كاتس يتباهى بـ«خمسةٍ وثلاثين ألف قنبلةٍ على إيران»، و«تدمير سبعين بالمئة من غزة»، و«سبعمئة كيلومترٍ مربعٍ في جنوب لبنان — نموذجُ غزة ننفّذه». أرقامٌ ضخمةٌ تُقرَعُ كالطبول. لكنّ مَن يعدُّ قنابلَه على الملأ لا يستعرضُ قوّةً؛ يستجدي ناخباً. وهذه ليست ذروةَ قدرة؛ إنها ذروةُ خوف.

 

أولاً: لماذا الصوتُ عالٍ الآن؟

 

لأنّ الصندوقَ على الأبواب، والسجلُّ فارغٌ من «النصر المطلق» الموعود منذ ثلاث سنوات. فماذا يفعلُ المفلسُ من الإنجاز؟ يحوّلُ العدّادَ إلى خطاب: كم قنبلةً ألقينا، كم بيتاً هدمنا، كم قريةً دمّرنا. لاحظوا المفارقة: كلّما ارتفعَ العدّادُ، اقتربَ الاعترافُ بأنّ كلَّ هذه الطاقة الهائلة لم تصنعْ حسماً. خمسةٌ وثلاثون ألفَ قنبلةٍ ولم تسقطْ إيران؛ سبعون بالمئة من غزة دماراً والإرادةُ لم تنكسر. هذا ليس سجلَّ منتصر؛ إنه فاتورةُ عاجزٍ يصرخُ لتغطية عجزه.

 

ثانياً: ذروةُ الصوت فوق هشاشةِ البنية

 

انظروا إلى البنية التي تُطلقُ هذا الصوت. نتنياهو يرفعُ دعوى تشهيرٍ ضدّ شريك جنراله آيزنكوت — يُحاربُ قادةَ جيشه بينما يتوعّدُ طهران! مكتبُه ينتقي الصحفيين بالملقط ويقاطعُ الباقين، كمحاصَرٍ لا كواثق. وانتخاباتُه تحوّلت إلى شجارٍ على أصوات اليمين داخل معسكره نفسِه. هذا رجلٌ ينهارُ من الداخل ويصرخُ إلى الخارج. القاعدةُ ثابتة: مَن يملكُ القوّةَ يضربُ بصمت، ومَن يرتجفُ يرفعُ الصوت. وصوتُ نتنياهو اليومَ في أعلى درجاته — فاقرأوا تحته رعبَه.

 

ثالثاً: عشرةُ أيامٍ ترعبُه

 

العتبةُ يومَ السابع والعشرين. وفي الفيزياء، الأنظمةُ لا تنقلبُ تدريجياً بل فجأةً عند العتبة. هذه العشرةُ أيامٍ هي منطقةُ خطره الأقصى، لأنه محاصَرٌ بين خيارين كلاهما مرّ: أن يهدأَ فيُحاكَمَ ويسقطَ في الصندوق، أو أن يُشعلَ حرباً كبرى لا يملكُ غطاءها. فالضربةُ على إيران تحتاجُ ظهراً أمريكياً لن يمنحَه ترامبُ وهو يرى برميلَ النفط فوق مئةٍ وعشرة، وشعبيتَه تتهاوى حتى في معاقله، والشارعَ يهتفُ ضدّه «لا ملوك». نتنياهو يريدُ أن يصنعَ انفجاراً يعبرُ به صندوقَه؛ وقد يجدُ الانفجارَ يبتلعُ صندوقَه معه.

 

رابعاً: وبينما يهدّد… يُفاوض

 

وهنا ما يفضحُ المسرحية: في الوقت الذي يتوعّدُ فيه كاتس لبنانَ بـ«نموذج غزة»، تُعلَنُ مفاوضاتٌ ثلاثيةٌ في تامبا يوم العشرين. عصا في العلن، وقناةٌ في الخفاء. مَن يملكُ الحسمَ لا يفاوض؛ يحسم. التهديدُ الصاخبُ غطاءٌ لانتزاع تنازلاتٍ على طاولةٍ موازية. فلا يخدعنّكم صراخُ «الضمّ والتهجير»؛ إنه ورقةُ مساومةٍ بيد عاجزٍ عن الاجتياح، لا خطةُ منتصرٍ قادر.

 

خامساً: مقتلُه يتعمّق كلّما صرخ

 

وفيما يرتفعُ صوتُه، تنزفُ بنيتُه. برميلُ النفط فوق مئةٍ وعشرة، ومئةٌ وثمانٍ وثلاثون سفينةً تجاريةً حُوّلت مساراتُها (حصارُهم نفسُه كلفةٌ عليهم)، وإنذارُهم النوويُّ «اختاري أو الدمار» لم ينتزعْ من طهران تنازلاً، وسبعمئةُ غارةٍ على اليمن لم توقفْ عملياته. بل إنّ المحورَ يُظهرُ مرونةً تُذهلُهم: فصائلُ باتت تُموّلُ الحرسَ الثوريَّ بعدما كانت تتلقّى منه. طاقتُهم بلا سقف، ونتيجتُهم بلا قاع. هذه فيزياءُ العملاق الهشّ: يضربُ بكلّ ما أوتي، فلا يحصدُ إلا حرارةَ احتكاكٍ وصراخاً.

 

الخاتمة: لا تمنحوه الذريعة

 

نحن في أخطر عشرة أيام. رجلٌ يائسٌ أمام صندوقٍ يلفظُه قد يُقامرُ بحربٍ ليؤجّلَ سقوطَه. فكونوا وعياً: لا تمنحوه الذريعةَ التي يتصيّدها، وأبقوا الكلفةَ مرتفعةً في هرمز وفي النفط، ولا تدعوا خطأَ تقديرٍ يُحوّلُ مسرحتَه إلى حربٍ حقيقية. وعيُنا في هذه العشرة أيام سلاحُنا الأمضى.

 

مَن يعدُّ قنابلَه بصوتٍ عالٍ إنما يعدُّ أيامَه. ومَن يصرخُ «دمّرتُ» وهو لم يحسم، يشهدُ على نفسه بالعجز. فلتعلُ الطبول؛ فكلّما علت، عرفنا أنّ العدَّ التنازليَّ لصندوقه قد بدأ. وأنّ الذي يصنعُ انفجاراً لينجوَ به، سيبتلعُه انفجارُه.

 

قولوا يا رب.

 

د. وسيم جابر –

شارك